نحو تجديد قيم الثورة السورية بعد خمسة عشر عاماً على انطلاقها
الثورة السورية العظيمة التي انطلقت منذ خمسة عشر عاماً كانت منعطفاً تاريخياً ومفصلياً في كفاح السوريين الطويل في مواجهة أعتى الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة، من أجل نيل حريتهم وكرامتهم، وقدموا في سبيل ذلك عظيم التضحيات: مئات الآلاف من الشهداء ومثلهم من الجرحى والمعتقلين والمغيبين والمخطوفين، وملايين النازحين واللاجئين، ترافق ذلك مع تدمير العمران واستنزاف الثروة وتدمير البنى التحتية، وإحداث شروخ اجتماعية بين السوريين وأضرار بالغة في مجالات الصحة والتعليم، بالإضافة إلى تحول الجغرافية السورية إلى كيانات متداخلة اعتمدت الطائفية والقومية أساساً لتكوينها، ومدعومة من جهات إقليمية ودولية.
إن بقاء الأسد في السلطة بدعم من ميليشيات الحرس الثوري الإيراني بشكل أساسي، وكذلك روسي وخاصة في المحافل الدولية ومجلس الأمن واستخدام حق النقض “الفيتو” وانسداد أي أفق لحل سياسي على أساس القرار الأممي 2254 وملحقاته. كل ذلك أدى إلى فراره وسقوط نظامه الإجرامي عبر عملية ردع العدوان العسكرية. شكّل هذا السقوط، الذي يعتبر من المفاعيل الرئيسية للثورة السورية وتضحيات السوريين، شرطاً لازماً لاستعادة الأمل في ذهاب الثورة السورية إلى أهدافها في الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية ودولة الحق والقانون التي تقطع مع الاستبداد ومنظومته، دولة ديمقراطية يخاف مواطنوها عليها بدلاً من خوفهم منها.
واجهت الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع منذ سقوط نظام الإجرام تحديات كبيرة، نجحت في تجاوز بعض منها، وتعثرت في بعض آخر وأمامها الكثير من التحديات: كالإعلان عن نتائج محاكمات مرتكبي المجازر في بعض مناطق الساحل والسويداء، والإسراع في سير العدالة الانتقالية واستكمال نفوذ الدولة على كامل الجغرافيا السورية (الحسكة، القامشلي والسويداء)، وتفعيل بنود الإعلان الدستوري المؤقت وخاصة ما يتعلق بالانتهاء من عملية تشكيل مجلس الشعب الذي يعتبر خلال المرحلة الانتقالية السلطة التشريعية التي تنتظرها مهام كبيرة وخاصة ما يتعلق منها بسن قانون وطني لتشكيل الأحزاب والتي تعتبر رافعة أساسية لتنظيم الحياة السياسية، وتأمين بيئة آمنة لعودة طوعية لللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والابتعاد عن المحسوبيات في إشغال الوظائف العامة في كل مستوياتها ومكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وإعادة الاعتبار لكل المنشقين والمسرحين في المؤسستين العسكرية والأمنية والاستفادة من خبراتهم، والمعالجة السريعة لأوضاع العاملين اللذين تم توقيفهم عن العمل في إدارات الدولة، واعتماد الشفافية في أداء الحكومة بالاعتماد على إعلام حر ومستقل يقول الحقيقة كما هي، وضمان الحريات العامة وعدم التدخل في الأمور الفردية، وتقوية دور المرأة في مواقع المسؤولية تقديراً لمشاركتها في الثورة ومؤسساتها وتحملها أعباء غياب المعيل الأساسي للأسرة، وكذلك الشباب الذين هم ركيزة الثورة وأول من قاد المظاهرات السلمية الأولى، والاهتمام بأبناء الجاليات السورية على أساس المواطنة المتساوية وتجسير العلاقات المتصدعة فيما بينهم، وإصدار المراسيم الشاملة التي تقر بالحقوق الثقافية واللغوية للجماعات السورية المتنوعة كما صدر المرسوم 13 الخاص بالكرد السوريين، وتحويل النجاحات التي تحققت على صعيد العلاقات الدولية والإقليمية برفع العقوبات عن كيانات وأفراد، إلى إنجازات تلامس متطلبات الحياة المعيشية والحريات السياسية والمدنية وتعزيز ثقة المواطن بالحكومة الانتقالية.
إن مسؤولية الحكومة الانتقالية أساسية في تجاوز هذه التحديات، من أجل الانتقال بسورية إلى دولة عصرية تقطع مع الاستبداد وتمنع عودته، دولة المواطنة والحرية والديمقراطية، لكن هذا لا يعفي الحركة السياسية وقوى المجتمع المدني والأهلي من لعب الدور البنّاء في عملية هذه التحولات عبر النقد الجاد والمخلص لأداء الحكومة ومساعدتها في تقويم أداءها من باب الحرص على الدولة، عبر مختلف أشكال التعبير السلمي، وهذا ما يدعوها إلى تنظيم صفوفها وعقد تحالفاتها بالاستناد إلى المشتركات الوطنية الجامعة التي ترفع من شأن المجتمع وإعادة توحيده بعد سنوات من التمزق الذي أصابه، ومشاركته البناءة في عملية البناء.
إن الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات في سبيل حريته وكرامته لن يسمح بإعادته إلى زمن الرعب في دولة أمنية متسلطة، وهو يستحق من دولته المنشودة، حقه المشروع في العيش بحرية وكرامة وأمان.
المجد لشهداء الثورة السورية العظيمة، والجلال لتضحيات السوريين.
18 آذار 2026
حزب الشعب الديمقراطي السوري
الهيئة القيادية