رسالة سياسية

img

23أيار/مايو2025

المقدمة:

بات من الضروري التوقف عند التطورات المتسارعة في الوضع السوري بعد الحدث التاريخي في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، والمتمثل في سقوط النظام البائد وفرار بشار الأسد إلى روسيا. لقد أدخل ما حدث الفرحة والبهجة إلى قلوب ملايين السوريين والمهجرين منهم داخل البلاد وخارجها، لكنه في الوقت نفسه أثار القلق والمخاوف بشأن الكيفية والآليات المتبعة لحل ومعالجة الكمّ الهائل والمتراكم من الأزمات والمشاكل التي امتدت لأكثر من نصف قرن. وبعضها يتفجر بين الحين والآخر.

التحدي الأكبر الذي يواجه سورية اليوم هو ضرورة انتقالها من حالة الانهيار والخراب في بنى الدولة والمجتمع، ومن التمزق الحاصل في اللحمة الوطنية والجغرافيا السياسية، ومن شلل الاقتصاد وتكبيله بالعقوبات الدولية، إلى سورية موحدة في ظل دولة قانون ومواطنة متساوية لجميع السوريين، مع إعادة تدوير عجلة الاقتصاد، وإنعاش الوضع المعيشي، والمضي في مسار العدالة الانتقالية، وتأمين السلم الأهلي، وذلك في ظل مناخ إقليمي ودولي غير مستقر مليء بالتوترات والصراعات والتنافس على النفوذ.

لم يأتِ التغيير عبر آلية حل سياسي كما نص عليه القرار 2254، الذي دعا إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي وفق خطة واضحة أقرها المجتمع الدولي، إذ أن ما حصل جاء نتيجة تغييرات إقليمية ودولية متسارعة. فقد تم توجيه ضربات قاصمة لحزب الله والأذرع الإيرانية، وانكفأت روسيا نحو تركيز جهودها على حربها في أوكرانيا، مع تصدع بنية نظام الأسد المفلس؛ مما مكّن إدارة العمليات العسكرية لردع العدوان – التي شملت جميع الفصائل العسكرية في الشمال والجنوب بقيادة فعلية لهيئة تحرير الشام، وبدعم لوجستي تركي وإشراف أمريكي – من شن هجوم مباغت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، تمكنت خلاله من تحرير حلب، والزحف نحو الجنوب، ومواجهة مقاومة على أبواب حماة وحمص، ثم السيطرة على دمشق بمؤازرة فصائل الجنوب في 8 ديسمبر. أي خلال أحد عشر يوماً سقط نظام الأبد الأسدي بعد 54 عاماً من الحكم، بل بعد 62 عاماً من ترسيخ الحكم الشمولي والأحكام العرفية وقمع الحريات وإلغاء الحياة السياسية.

سنتوقف في هذه الرسالة عند أبرز المحطات السياسية خلال الأشهر الماضية، مع التوسع في تناول بعضها: بدءاً من خلفيات سقوط منظومة الأسد، مروراً بالوقائع وردود الأفعال، إلى تشكيل الحكومة المؤقتة ومخرجات مؤتمر النصر، ومؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري، وقضية العدالة الانتقالية، وأحداث الساحل المؤلمة وكذلك في السويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، وصولاً إلى تشكيل الحكومة الانتقالية، والتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية بما فيها الاضطرابات الطائفية الأخيرة المترافقة مع تدخل اسرائيلي، والاتفاق مع قسد بعد رفع العقوبات الاقتصادية وضغط التحديات والمسار نحو برّ الأمان، والمهام المترتبة على حزب الشعب والقوى الديمقراطية.

أولاً: في خلفيات الحدث التاريخي:

شهدت سورية منذ عام 2011 اندلاع ثورة شعبية واسعة، طالبت بالحرية والكرامة وإنهاء عقود من القمع والاستبداد. إلا أن تعاطي النظام العنيف مع الاحتجاجات، واستخدامه المفرط للقوة العسكرية والأمنية، سرّع في عسكرة الثورة، مما فتح البلاد أمام تدخلات إقليمية ودولية معقدة. وعلى مدى أكثر من عقد، تحول المشهد السوري إلى صراع متعدد الأطراف، اختلطت فيه المطالب الشعبية مع الأجندات الخارجية، مما أدخل البلاد في حالة من الاستعصاء السياسي والعسكري.

دخل الوضع السوري بعد عام 2020 مرحلة من الاستنقاع الكامل، حيث لم يعد هناك أي أفق واضح للحل السياسي، ولا قدرة لطرف من أطراف النزاع على حسم الأمور عسكرياً. تكرست مناطق النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، واستمر النظام السوري، رغم هشاشته، في البقاء بفضل الدعم الإيراني والروسي، فيما ظل ملايين السوريين يعيشون في ظروف كارثية داخل البلاد وخارجها.

غير أن الزلزال العسكري والسياسي الذي ضرب المنطقة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، والذي أدخل إسرائيل والمنطقة بأسرها في حالة من المواجهة الشاملة مع فصائل إيران وأذرعها، قلب موازين القوى بشكل كبير. أدت تداعيات هذا الحدث إلى نشوء توافق دولي وإقليمي غير مسبوق حول ضرورة إنهاء نفوذ إيران في المنطقة، باعتباره تهديداً للأمن والسلم الدوليين. وتقرر بشكل واضح ومعلن تفكيك الأذرع المسلحة التابعة لإيران، وعلى رأسها “حزب الله” في لبنان.

في هذا السياق، جرت محاولات عربية ودولية لإبعاد بشار الأسد عن إيران، وإقناعه بالانخراط في مشروع انفراجي إقليمي، إلا أن جميع هذه المحاولات وصلت إلى طريق مسدود. أظهرت التجربة أن الأسد لم يكن قادراً، ولا راغباً، في الانفكاك عن التحالف الإيراني، الذي شكل بالنسبة له شريان حياة سياسي وعسكري بل اقتصادي مع ازدهار صناعة وتجارة الكبتاغون طوال سنوات الصراع.

بالتوازي مع ذلك، تحركت روسيا وتركيا بشكل حثيث لإيجاد مخرج للأزمة السورية، خاصة بعد أن أدرك الطرفان أن استمرار الوضع الراهن يعني المزيد من الخسائر الاستراتيجية لكليهما. حاولت موسكو إقناع الأسد للقيام ببعض الإجراءات، بينما سعت أنقرة إلى تحجيم الدور الكردي وتهيئة بيئة تتيح إعادة اللاجئين السوريين. غير أن تعنت النظام السوري وانعدام الثقة به تجاه أي تغيير جدي، حال دون تحقيق تقدم جوهري في هذا المسار.

كان القضاء شبه الكامل على القدرات العسكرية لـ “حزب الله” خلال الحرب مع إسرائيل، وما تبعه من اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، بمثابة لحظة مفصلية. فقد أدى انهيار الحزب عسكريا والى حد كبير سياسياً إلى كسر أهم أذرع إيران في المنطقة، وإلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بشكل دراماتيكي.

في ظل هذا التغير الكبير، اتخذ المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبالتنسيق مع القوى الإقليمية الكبرى، قراراً استراتيجياً بإنهاء وجود بشار الأسد. لم يعد بقاؤه ممكناً في ضوء المعادلات الجديدة، لا سيما مع فقدان أهم داعميه الإقليميين، وتآكل شرعيته داخلياً وخارجياً. وهكذا، بدأت مرحلة التحضير العملي لسقوط النظام، الذي تحقق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، طاوياً صفحة مظلمة من تاريخ سورية، ومفتتحاً عهداً جديداً من الفرص والتحديات.

ثانياً: سقوط النظام وفرار بشار الأسد وردود الأفعال:

1-     في فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أُطلقت الشرارة الأولى للهجوم العسكري المنسق الذي قادته فصائل المعارضة المسلحة في الشمال والجنوب، في عملية عسكرية خاطفة ومباغتة، حملت اسم “ردع العدوان”. رغم مضي ستة أشهر على بدء تنفيذ العملية ليس هناك معطيات دقيقة مؤكدة بحيثيات ما جرى، من المرجح ان العملية جرت بتنسيق استخباراتي تركي – أمريكي، ودعم لوجستي تركي، وقيادة ميدانية فعلية من (هيئة تحرير الشام)، التي شاركت فصائل (الجيش الوطني) وفصائل الجنوب، ضمن غرفة عمليات مشتركة، غلبت فيها المصلحة الوطنية على النزاعات الفصائلية.

في أقل من 72 ساعة، تمكنت القوات المشتركة من بسط السيطرة الكاملة على مدينة حلب، بعد انسحاب سريع لقوات النظام، التي أظهرت تفككاً واضحاً وتراجعاً في المعنويات، مع اضطراب وشلل للميليشيات الموالية لإيران المؤازرة له، تزامن ذلك مع تحرك ميداني من الجنوب السوري، انطلقت فيه فصائل درعا والسويداء نحو الشمال، في مسعى للتلاقي في عاصمة البلاد.

وفي الأول من كانون الأول/ديسمبر 2024، وصلت القوات إلى مشارف حمص، بعد اشتباكات عنيفة على أبواب حماة، أسفرت عن انهيار منظومة الدفاعات المحيطة بالمدينتين. وقد لعبت الحاضنة الشعبية في الوسط السوري دوراً محورياً في تسهيل تقدم القوات.

وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر، دوّى الحدث المفصلي: سقوط العاصمة دمشق. فقد اقتحمت القوات المهاجمة أحياء العاصمة من عدة محاور، وسط حالة من الانهيار الكامل في صفوف الحرس الجمهوري، وتخلي الميليشيات الإيرانية عن مواقعها، بعد فقدان الدعم الجوي الروسي، نتيجة انشغال موسكو بجبهتها الأوكرانية والتغير في أولوياتها وحساباتها بعد تداعي حلفائها على الأرض.

في نفس الليلة، تواردت الأنباء عن فرار بشار الأسد وعائلته إلى روسيا عبر طائرة عسكرية أقلعت من مطار حميميم، تحت حماية عناصر من الاستخبارات الروسية. وبذلك أسدل الستار على 54 عاماً من حكم آل الأسد، و62 عاماً من القمع والاستبداد ونظام الأحكام العرفية.

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد القتلى من الطرفين خلال عملية التحرير، تشير التقارير إلى أن الخسائر البشرية كانت بالمئات ووصل إلى حدود الألف (في الأسبوع الأول بلغ العدد حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان بحدود 700) مصادر النظام البائد ادعت مقتل 320 من القوات المهاجمة (مع نزوح مؤقت او دائم لعشرات الألوف في منطقة المعارك. بشكل عام الخسائر كانت أقل من المتوقع بسبب انهيار في وحدات الجيش وأوامر الانسحاب بما في ذلك الميليشيات التابعة لإيران، حيث تشير التسريبات إلى وقوع العشرات من ضباط وخبراء إيرانيين في الأسر.

لم يكن سقوط النظام لحظة سياسية فحسب، بل كان لحظة كسرٍ رمزية لنظام استبدادي عاث في البلاد خراباً لعقود.

2-     أحدث سقوط النظام السوري صدمة كبرى في بعض الأوساط الإقليمية والدولية، وترك تداعيات سياسية وأمنية واسعة، لم تقتصر على الداخل السوري، بل امتدت إلى الجوار العربي والإسلامي، وإلى عواصم القرار العالمي.

داخلياً، عمّت مشاهد الفرح والاحتفال معظم المحافظات السورية، وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مشاهد غير مسبوقة منذ اندلاع الثورة، رافعين أعلام الاستقلال شعارات الوحدة الوطنية. كما بدأت فوراً مبادرات محلية لتنظيم العمل المدني، وإنشاء مجالس محلية مؤقتة، خاصة في المناطق التي تحررت حديثاً رغم الذعر الكبير الذي اصاب فئات او جماعات كانت موالية للعهد السابق او من لديها خشية وحذر مسبق تجاه الإسلام السلفي والجهادي. برزت دعوات لتغليب لغة العقل والحوار على الانتقام والثأر، وبدأت لجان مجتمعية بتنسيق جهود إعادة الحياة إلى المؤسسات الخدمية، ولو بموارد محدودة. وأُطلقت دعوات عديدة لتشكيل هيئة انتقالية تحظى بقبول وطني واسع وتُدار بمسؤولية عالية، تضمن الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، وتمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الاحتراب الداخلي. تملأ الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة.

خارجياً، تباينت المواقف الدولية تبعاً لمصالح الدول وحساباتها في الملف السوري:

•       الولايات المتحدة أعلنت دعمها لمسار الانتقال السياسي، وأشادت بـ ”شجاعة السوريين وتصميمهم على استعادة بلادهم”. وأكدت استعدادها لتقديم مساعدات فنية وإنسانية عاجلة.

•       تركيا رحبت بالحدث واعتبرته انتصاراً لمبادئ الثورة السورية، وأكدت استمرار دعمها السياسي واللوجستي لضمان استقرار المناطق المحررة.

•       الدول الأوروبية، رغم تحفظها المبدئي على مشاركة بعض الأطراف في عملية التحرير، إلا أنها أجمعت على ضرورة فتح صفحة جديدة في سورية، قائمة على دولة مدنية ومصالحة وطنية وعدالة انتقالية.

• أما روسيا، فقد التزمت الصمت في الأيام الأولى، ثم أصدرت بياناً مقتضباً وصفت فيه ما جرى بـ ”التحول الميداني الطارئ”، مع تأكيد استمرارها في “متابعة مصالحها في المنطقة”.

• إيران كانت الخاسر الأكبر، إذ اعتبرت ما حدث “مؤامرة كبرى لإخراجها من المعادلة الإقليمية”، وأعلنت حداداً رسمياً على عدد من قادتها الذين قُتلوا خلال العمليات العسكرية.

عربياً: رحّبت الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، بسقوط النظام، ورأته فرصة تاريخية لعودة سورية إلى محيطها العربي، بعد سنوات من العزلة والانقطاع. وأُعلن عن قمة عربية طارئة عُقدت في الرياض، خُصصت بالكامل لبحث مستقبل سورية، وإعادة إعمارها، ودعم المرحلة الانتقالية.

ثالثاً: الخطاب السياسي الجديد – الشرع، الحكومة المؤقتة، مؤتمر النصر:

1- مع الساعات الأولى لسقوط العاصمة دمشق وفرار رأس النظام، بدأت تتشكل ملامح مرحلة سياسية جديدة، في مساء الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أطلّ أحمد الشرع، بصفته قائد إدارة العمليات العسكرية التي أمسكت بزمام السلطة في خطاب وطني وصفه كثيرون بالتاريخي، دعا الشرع إلى العمل بعقلية بناء الدولة وأن الثورة قد حققت هدفها بإسقاط النظام كما دعا إلى تشكيل حكومة مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر، تُكلف بإدارة شؤون البلاد، واستعادة عمل المؤسسات الحيوية، وتمهيد الطريق أمام عقد مؤتمر وطني جامع يضع أسس المرحلة الانتقالية.

تشكلت الحكومة المؤقتة برئاسة محمد البشير بعد أيام من مشاورات عاجلة، وتنسيق مع رئيس حكومة العهد البائد محمد جلالي لنقل الصلاحيات وضمت الحكومة المؤقتة/تسيير أعمال شخصيات مدنية وتكنوقراط وغلب عليها اللون الواحد كما كان الحال في حكومة إدلب، وتوزعت صلاحياتها على مهام رئيسية ترتبط بإدارة الخدمات الأساسية وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار اليومي للسكان، وتنظيم الوضع الأمني وضبط السلاح خارج إطار الدولة، بالتعاون مع الفصائل العسكرية وتمثيل الدولة السورية في المحافل الإقليمية والدولية

2- مؤتمر النصر وتنصيب أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) رئيساً للجمهورية العربية السورية:

 عُقد “مؤتمر النصر” في 29 كانون الثاني/يناير 2025 في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، بمشاركة قادة 18 فصيلاً عسكرياً تتبع لإدارة العمليات العسكرية، دون مشاركة قوات سورية الديمقراطية (قسد) وفصائل عسكرية من الجنوب والسويداء. أفضى إلى سلسلة من القرارات المفصلية على ارضية “الشرعية الثورية” تهدف إلى إعادة هيكلة الدولة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد وليُعلن بداية مرحلة انتقالية جديدة في البلاد.

أبرز قرارات المؤتمر:

– تعيين أحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، مع تفويضه الكامل بمهام الرئاسة وتمثيل سورية دولياً.

– حل جيش النظام السابق، وإعادة بناء الجيش السوري على أسس وطنية.

– حل جميع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، بفروعها وتسمياتها المختلفة، وتشكيل مؤسسة أمنية جديدة تحفظ أمن المواطنين.

-حل جميع الفصائل العسكرية ودمجها بالجيش الوطني الجديد.

– حل حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحظر إعادة تشكيلها تحت أي مسمى، مع إعادة جميع أصولها إلى الدولة السورية.

– حل مجلس الشعب واللجان المنبثقة عنه، وإلغاء العمل بدستور عام 2012، مع إيقاف العمل بجميع القوانين الاستثنائية.

– تفويض الشرع بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت يتولى مهامه إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد ودخوله حيز التنفيذ.

من أبرز الملاحظات:

– غياب التمثيل الكامل لقوى العسكرية.

– انتقادات لآلية اتخاذ القرارات: وُجهت انتقادات لكون القرارات اتُخذت في غرف مغلقة دون استشارة للقوى السياسية والمجتمعية، مما أثار مخاوف بشأن التشاركية والشمولية في المرحلة الانتقالية. تُعد هذه المخرجات خطوة جذرية نحو إعادة بناء الدولة السورية، إلا أن تنفيذها يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً.

– (الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية) أي القوى المنضوية في إطار مسد وقسد رفضت نتائج المؤتمر، معتبرةً إياه إقصائياً وغير قانوني، ودعت إلى حوار وطني شامل يضم جميع المكونات السورية، بما في ذلك المرأة والشباب، لصياغة مستقبل سورية على أسس ديمقراطية ولامركزية.

– الاتحاد الأوروبي أبدى تفاجؤه من طريقة إعلان تنصيب أحمد الشرع كرئيس انتقالي، خاصة في ظل غياب جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية. وطالب بوضع مهل زمنية لتشكيل حكومة شاملة وصياغة إعلان دستوري بمساعدة الأمم المتحدة، مما قد يؤثر على رفع العقوبات عن سورية.

رغم تأكيد الشرع في خطابه اليوم التالي للمؤتمر: أن الشرعية الثورية لا تُلغي ضرورة العودة إلى الشرعية الدستورية، بل تؤسس لها. إلا أن المؤتمر كان عملياً (مبايعة) قادة التشكيلات والفصائل العسكرية لأحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية ومنحه سلطات مركزية استثنائية.

رابعاً: مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري:

1- بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، برزت الحاجة الملحّة إلى تأسيس عملية سياسية شاملة للمرحلة الانتقالية، تستجيب لتطلعات الشعب السوري في بناء دولة مدنية ديمقراطية، وتمنع حدوث فراغ سياسي أو أمني وتستوعب مضمون القرار الدولي 2254 الذي سقط جانب منه بسقوط النظام البائد لكن الجوانب الأخرى بقيت مطلوبة داخلياً عبر عنها الكثيرون من دعوات شخصيات وفعاليات وأحزاب سورية قادرة على طمأنة المجتمع الدولي الذي يراقب بحذر. للتذكير بهذه الجوانب هي مسار يبدأ بهيئة حكم انتقالي ومشاركة واسعة من كل أطياف الشعب السوري عبر حوارات وتنتهي بعقد مؤتمر وطني جامع يتوافق على جمعية تأسيسية تكون مرجعا للعملية الانتقالية بغرض بناء عقد اجتماعي جديد بين السوريين ينهض بهم وبدولتهم السورية نحو دولة القانون والعدالة على أساس ديمقراطي.

ما جرى هو طريق ينسجم مع مخرجات مؤتمر النصر بمفهوم (الشرعية الثورية) على أرضية (من يحرر يقرر) مع الاعتراف بدور عموم الشعب السوري المكافح بهذا التحرير، وحصر صلاحيات القرار للمرحلة الانتقالية بشخص واحد الممنوح صفة رئيس الجمهورية العربية السورية.

جرى تشكيل لجنة حوار قامت باتصالات مكثفة ضمن مدى زمني قصير، بغرض عقد مؤتمر حوار واسع يفترض أن يكون منصة جامعة تضم ممثلين عن كافة مكونات المجتمع السوري، من قوى سياسية ومدنية، وممثلين عن المجتمع الأهلي والعشائري، إضافة إلى شخصيات وطنية مستقلة؛ إلا أن أعمال التحضير جرت مع الأسف بشكل متسرع ولم تكن في إطار خطة تفرضها الضرورة تجعل من الحوار الوطني عملية مستمرة قادرة على بلورة وعي مشترك لمفاهيم أساسية تكون أساساً لنهضة سورية يشارك فيها الجميع وتمهد لعقد مؤتمر وطني شامل.

– انعقد مؤتمر الحوار في العاصمة دمشق بعد أسابيع على تشكيل اللجنة التحضيرية بتاريخ 25 شباط/فبراير 2025، وطرح مجموعة من التوصيات الهامة وأغفل غيرها. وفيما يلي فقرات أساسية من نص البيان الختامي:

1- الحفاظ على وحدة الجمهورية العربية السورية وسيادتها على كامل أراضيها، ورفض أي شكل من أشكال التجزئة والتقسيم أو التنازل عن أي جزء من أرض الوطن.

2- إدانة التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية باعتباره انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة السورية، والمطالبة بانسحابه الفوري وغير المشروط، ورفض التصريحات الاستفزازية من رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، ودعوة المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية إلى تحمُّل مسؤولياتها تجاه الشعب السوري، والضغط لوقف العدوان والانتهاكات.

3- حصْر السلاح بيد الدولة، وبناء جيش وطني احترافي، واعتبار أي تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية جماعات خارجة عن القانون.

4- الإسراع بإعلان دستوري مؤقت يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويضمن سد الفراغ الدستوري، بما يسرع عمل أجهزة الدولة السورية.

5- ضرورة الإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت، الذي سيضطلع بمهام السلطة التشريعية، وفق معايير الكفاءة والتمثيل العادل.

6- تشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة دستور دائم للبلاد يحقق التوازن بين السلطات، ويرسخ قيم العدالة والحرية والمساواة، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.

7- تعزيز الحرية كقيمة عليا في المجتمع باعتبارها مكسباً غالياً دفع الشعب السوري ثمنه من دمائه، وضمان حرية الرأي والتعبير.

8- احترام حقوق الإنسان، ودعم دور المرأة في المجالات كافة، وحماية حقوق الطفل، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفعيل دور الشباب في الدولة والمجتمع.

9- ترسيخ مبدأ المواطنة، ونبذ كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، بعيداً عن المحاصصة العرقية والدينية.

10- تحقيق العدالة الانتقالية من خلال محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإصلاح المنظومة القضائية، وسن التشريعات اللازمة، والآليات المناسبة لضمان تحقيق العدالة، واستعادة الحقوق.

11- ترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب السوري، ونبذ كافة أشكال العنف والتحريض والانتقام بما يعزز الاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي.

12- تحقيق التنمية السياسية وفق أسس تضمن مشاركة كافة فئات المجتمع في الحياة السياسية، واستصدار القوانين المناسبة لذلك، والتأكيد على إجراءات العزل السياسي وفق أسس ومعايير عادلة.

13- إطلاق عجلة التنمية الاقتصادية، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة عبر تبني سياسات اقتصادية تحفيزية تعزز النمو، وتشجع على الاستثمار وحماية المستثمر، وتستجيب لاحتياجات الشعب، وتدعم ازدهار البلاد.

14- الدعوة إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على سورية، والتي باتت بعد إسقاط النظام تشكل عبئاً مباشراً على الشعب السوري، مما يزيد من معاناته، يعيق عملية إعادة الإعمار، وعودة المهجرين واللاجئين.

15- إصلاح المؤسسات العامة، وإعادة هيكلتها، والبدء بعملية التحول الرقمي بما يعزز كفاءة المؤسسات، ويزيد فاعليتها، ويساعد على مكافحة الفساد، والترهل الإداري، والنظر في معايير التوظيف على أساس الوطنية والنزاهة والكفاءة.

16- ضرورة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في دعم المجتمع، وتفعيل دور الجمعيات الأهلية لمساندة الجهود الحكومية في إعادة الإعمار، ودعم الدولة لمنظمات المجتمع المدني بما يضمن لها دوراً فاعلاً في تحقيق التنمية والاستقرار.

17- تطوير النظام التعليمي، وإصلاح المناهج، ووضع خطط تستهدف سد الفجوات التعليمية، وضمان التعليم النوعي، والاهتمام بالتعليم المهني، لخلق فرص عمل جديدة، وربط التعليم بالتكنولوجيا لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

18- تعزيز ثقافة الحوار في المجتمع السوري، والاستمرار في الحوارات على مختلف الأصعدة والمستويات، وإيجاد الآليات المناسبة لذلك. والتزاماً بمبدأ الشفافية سوف يصدر تقرير تفصيلي من اللجنة التحضيرية يعرض مشاركات وآراء الحضور في مؤتمر الحوار الوطني.

‎في الختام اعتبر البيان بما تضمنه يمثل عهداً وميثاقاً وطنياً تلتزم به القوى الفاعلة كافة، وهو خطوة أساسية في مسيرة بناء الدولة السورية الجديدة، دولة الحرية والعدل والقانون.

الإعلان الدستوري المؤقت:

يُعدّ الإعلان الدستوري المؤقت في سورية، الذي صدر متأخراً ووقع عليه في 13 آذار/مارس 2025، الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية التي تلت سقوط نظام بشار الأسد. وقد صيغ الإعلان على يد لجنة من خبراء قانونيين، بتكليف من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، واعتُبر متوافقاً مع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني وتطرق لمسائل كثيرة جعلته أقرب لمشروع دستور مصغر.

من أبرز المسائل التي تضمنها:

• مدة المرحلة الانتقالية: حدد الإعلان فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات، يتم خلالها إدارة شؤون الدولة والتحضير لصياغة دستور دائم.

• صلاحيات الرئيس الانتقالي: منح الإعلان الرئيس أحمد الشرع صلاحيات واسعة، تشمل تعيين ثلث مجلس الشعب المؤقت، وتعيين القضاة، وتولي مهام رئيس الوزراء، مما أثار جدلاً حول تركيز السلطة التنفيذية في يد واحدة.

• المرجعية الدينية: نص الإعلان على أن دين رئيس الدولة الاسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، مع ضمان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية لجميع المواطنين.

• العدالة الانتقالية: تضمن الإعلان مواد تهدف إلى تحقيق العدالة الانتقالية، من خلال إلغاء القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالشعب السوري، وإلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب، ورد الممتلكات المصادرة.

– قراءة نقدية في الإعلان الدستوري المؤقت:

1) تُعد المرحلة الانتقالية من أخطر وأصعب المراحل التي تمر بها الشعوب والدول، إذ غالباً ما تأتي عقب ثورات أو انقلابات أو انتقالات شاقة من نظام إلى آخر يختلف جذرياً عن سابقه.

لقد التزم الإعلان بشكل عام بمبادئ حقوق الإنسان، ويمكن الحكم عليه من خلال مدى قدرته على إنجاز هذا الانتقال من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة الديمقراطية. وقد حُددت المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، وهي مدة طويلة نسبياً. ومن الطبيعي أن تنتهي هذه المرحلة بإنجاز دستور دائم وانتخابات عامة وفق هذا الدستور.

استند الإعلان في مقدمته إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني المنعقد في دمشق بتاريخ 25 شباط 2025، والتي عبرت عن توافق وطني حول قضايا كبرى، أبرزها:

1. الحفاظ على وحدة وسلامة سورية أرضاً وشعباً.

2. تحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.

3. بناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون.

4. تنظيم شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية وفق مبادئ الحكم الرشيد.

2) أبواب الإعلان:

ضم الإعلان أربعة أبواب و52 مادة، في الباب الأول المتعلق بالأحكام العامة، ظهرت بعض الإشكاليات في مسائل خلافية تحتاج إلى مزيد من الحوار والاستفادة ما أمكن من تراكم الخبرات على هذا الصعيد. فقد ورد أن نظام الحكم جمهوري، مستنداً إلى النموذج الأمريكي، مع العلم أن هذا النموذج لم ينجح إلا في الولايات المتحدة، وفشل في العديد من دول أمريكا اللاتينية مثل فنزويلا والإكوادور. في المقابل، اعتمدت تجارب مشابهة، مثل رواندا وتونس وكوسوفو، النظام البرلماني الأكثر ملاءمة لمجتمعات متعددة وتشاركية.

تسمية الدولة بـ “الجمهورية العربية السورية” تُعد في الظروف الراهنة إشكالية، إذ جعلت السوريين ينقسمون إلى طرفين الاأول المدافع وبعيداً عن خلفيات أيديولوجية يجد أن الوضع الانتقالي لا يسمح بالتغيير إذ يحتاج الأمر إقراراً من جمعية تأسيسية منتخبة غير متحققة في الظروف الحالية بينما تحاجج وجهة النظر الاخرى بمشروعية العودة الى صيغة دستور 1950 “الجمهورية السورية” كي تعطي دلالات باستيعاب كل الأعراق والاثنيات في ظروف بالغة الحساسية من تمزق النسيج الوطني دون الاشارة الى هوية قومية أو دينية في دستورها كما هو الحال في عدد كبير من الدول العربية وكي لا تفهم بأنها شيء مفروض من الأكثرية.

3) كما أن النص على أن دين رئيس الدولة الإسلام رغم انه معتمد في الدساتير السورية السابقة الا انه موضوعيا يتناقض مع مبدأ المواطنة المتساوية، في تجربة سنغافورة التي تطبق مثل معظم دول العالم نظاماً ديمقراطياً أحقية الترشح للرئاسة لكل مواطن مؤهل بغض النظر عن دينه أو قوميته، شغلت “حليمة يعقوب” المسلمة منصب الرئاسة رغم أن المسلمين لا يشكلون سوى 14% من السكان.

أما المادة الثالثة، التي تنص على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، فهي تفهم بشكل مخالف لمفهوم الدولة المدنية التي هي شأن دنيوي بامتياز وتثير هواجس مشروعة عند مكونات المجتمع السوري المتعددة. كان من الأجدى النص على أن الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع، على غرار ما ورد في دستور 1950.

نقاط إيجابية ومقترحات:

رغم هذه الملاحظات، يحتوي الإعلان على مواد مهمة، خاصة في الباب الثاني المتعلق بالحقوق والحريات، وتحديداً المادة 12 التي تنص على اعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الإعلان، المادة 14 التي تكفل الحق في المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب.

إن دعم العمل الحزبي ومنظمات المجتمع المدني يعدّ أساساً لإعادة السياسة إلى المجتمع، وتكوين قوى ضغط حقيقية. كما أن العدالة الانتقالية تلعب دوراً جوهرياً في ترميم الجراح وتحقيق التعافي الوطني.

أما الباب الرابع، المتعلق بالأحكام الختامية، فقد جاء منطقياً، خاصة المادة 50 التي تنص على أن تعديل الإعلان يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب بناءً على اقتراح رئيس الجمهورية.

من هنا، يصبح من الضروري ترشيح شخصيات وطنية وديمقراطية مستقلة إلى مجلس الشعب، بعد تحديث الأحزاب وإعادة هيكلتها وبرامجها، واستبعاد كل من تورط في دماء السوريين أو في الفساد. المهم إصدار قوانين مرنة لإنشاء الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.

ما حصل بعد صدور الاعلان الدستوري من تجاوز وزارة الخارجية لدورها حين أصدرت قرار تشكيل ” الهيئة السياسية “تسببت في إثارة تساؤلات كثيرة بإعطاء هذه الهيئة صلاحية سلطة فوق السلطات على طريقة القيادة القطرية سيئة الذكر في العهد البائد.

سورية بحاجة إلى بناء دولة لا سلطة، دولة مدنية محايدة، تأخذ مسافة واحدة من جميع مكوناتها، وتبتعد عن الانحياز الايديولوجي أو الفئوي وترسخ مفهوم المواطنة نظريا وعمليا في المجتمع،

خامساً: الحكومة الانتقالية: تم الإعلان عن تشكيل الحكومة الانتقالية بتاريخ 29/3/2025. وقد حظيت الحكومة الانتقالية باعتراف دولي واسع، ما يسهل عملية رفع العقوبات الاقتصادية تدريجياً، وفتح آفاق التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لدعم خطة التعافي الوطني.

قراءة نقدية للحكومة الانتقالية:

يعتبر إعلان تشكيل الحكومة الانتقالية خطوة هامة على طريق إعادة بناء الجمهورية الثالثة، وسوف تُمتحن الوعود التي أطلقها الوزراء، خاصة بعد إعادة هيكلتها وتوسّع مجالات بعضها، بما قد يؤثر على جوهر عملها وقدرتها على الوفاء بمتطلبات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.

ومن جهة أخرى، ثمة تنوّع قومي وطائفي في التشكيلة الوزارية، ولكنها لم تعكس تمثيلاً حقيقياً للتيارات الفكرية والسياسية ذات النزوع الديمقراطي، في حين أننا أحوج ما نكون إلى توافقات وطنية جامعة لإعادة البناء.

إنّ السمة الرئيسية التي غلبت على إعلان الحكومة كان رفع سقف التطلعات، ما يجعلها أمام تحدي الوفاء بتعهداتها في ظل وضع استثنائي تعيشه البلاد بعد سقوط النظام البائد، الذي خلّف دولة منهارة منخورة بالفساد.

لقد مثّلت تصريحات وزير الاقتصاد والصناعة نفحة تفاؤل، حيث راهن على الداخل الوطني، من خلال استقطاب الخبرات السورية واستنهاضها، والعمل من أجل ولادة سورية الجديدة، هي دعوة الإحساس بحب الوطن كما يجب أن يكون، لا كما كان مجرد شعارات مفرغة من أي محتوى حقيقي، نأمل أن يتجسد هذا الرهان على أرض الواقع.

وهكذا، يفرض وضع الاقتصاد ومؤشراته السلبية نفسه على أجندة الحكومة الانتقالية، يتجلى ذلك في عدد الملفات الواجب متابعتها كانهيار القوة الشرائية والنقص الحاد في احتياطي العملات الأجنبية، وانعدام الأمن الغذائي، وانكماش سوق العمل، والدمار الكبير في البنية التحتية، وتضرر قطاعات إنتاجية في ظل العقوبات.

قرار الرئيس الأمريكي ترامب برفع العقوبات الاقتصادية، ولقائه مع الرئيس الشرع بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وما أعقب ذلك في أنطاليا من لقاء وزيري خارجيتي سورية وامريكا بحضور وزير خارجية تركيا بالإضافة للقاء الشرع مع الرئيس الفرنسي ماكرون سيفتح آفاقاً كبيرة لجذب الاستثمارات المحلية والعربية والتركية والغربية. على أنّ هذه الإمكانية مرهونة بمدى قدرة قيادة المرحلة الانتقالية التعاطي المجدي على حل جملة من العقد والتحديات المباشرة بما فيها وجود المقاتلين الأجانب وذوي النزعات الجهادية، والدمار القائم في معظم البنى التحتية، والوضع المعيشي الصعب وتحدي النازحين واللاجئين، حيث تبلغ أعدادهم قرابة 12 مليون، منهم أكثر من 5 ملايين نازح داخلي، وأكثر من 6 ملايين لاجئ، وهم عبء كبير يتطلب برامج عريضة وعملية تعاون إقليمي ودولي. إنّ هذه التحديات الجسام تتطلب موارد مادية وبشرية وصلاحيات واسعة للوزراء، ودعم لوجستي عربي واقليمي ودولي في ظل النقص الشديد بالموارد.

والأمر يتطلب إنشاء هيئة خاصة لمتابعة عودة النازحين واللاجئين، تتولى التنسيق مع الجهات المانحة والأممية والدول المعنية فيما يتعلق بقضايا ومتطلبات عودة اللاجئين والنازحين من جهة، وتلك التي تطلقها منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بعودة النازحين واللاجئين الآمنة والطوعية.

كما أنّ العدالة الانتقالية باتت تفرض نفسها على أجندة العمل الحكومي وقد صدر مؤخراً قرارٌ بتشكيل هيئة مستقلة لها، وهي ضرورية لإعادة بناء الثقة وتحقيق السلم الأهلي، كي لا تبقى حالة التوتر بين المكوّنات المختلفة. باعتبارها ليست انتقامية أو انتقائية، تحظى بموثوقية مجتمعية من خلال إشراك منظمات المجتمع المدني في إعدادها من جهة، وتهيئة بيئة قانونية ونظام قضائي حيادي واحترافي على مستويات مركزية ومحلية، ولا ضير من التعاون مع جهات دولية متخصصة لها خبرتها في مجال العدالة الانتقالية.

ويعد تحدي التوافقات الوطنية الرئيسة حول طبيعة النظام السياسي العقبة الأكبر أمام القيادة الجديدة، إذ إنه يشمل التشاركية التوافقية في السلطة، والموقف من الحريات الفردية والعامة، والتغلب على نزعات العصبية والثأر والانتقام التي برزت في الأشهر الأخيرة. ويعتبر الابتعاد عن تجربة الاعتماد على اللون الواحد عاملاً هاماً في كسب الثقة والانفتاح على المجتمع.

‎كلّ هذه التحديات تؤكد على ضرورة أن تصدر الحكومة بياناً للمواطنين عن برنامجها خلال المرحلة الانتقالية، وهي خمس سنوات، حسب الإعلان الدستوري، يتضمن الخطوط العامة للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعمل بموجبه، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي تنشده، وأن تحدد المراحل الزمنية لإنجاز برنامجها، وأن يتضمن آليات المتابعة ومعايير القياس.

وعلى مستوى آخر، تطرح السياسة الخارجية تحديات لا تقل خطورة عن الوضع الداخلي، خاصة وسط نظام أمن إقليمي غير مستقر وقيد التشكُّل، على طريق نظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

‎إنّ حساسية المرحلة الانتقالية، والانهيار شبه الكامل لأوجه الدولة والمجتمع السوري، يستدعيان الانطلاق من حاجيات هذا الداخل، وتبنّي سياسات تتوافق مع متطلبات الخارج، الإقليمي والدولي، الداعم، والاتجاه نحو سياسات وطنية بامتياز في قضايا النهوض بالدولة.

‎ بحيث نقتنع أنّ الدولة فضاء عمومي لكل المواطنين يحكمه القانون المتوافق عليه، مما يفترض تقديم أهل الكفاءة والوطنية والمصداقية على أهل الولاء.

وفي كل الأحوال لاشكَّ أنّ من المبكّر إصدار أحكام قيمة مسبقة على الحكومة، فالسوريون ينتظرون تجسيد ما أعلنه الرئيس والوزراء من رؤى وبرامج، ويأملون أن تدرك قيادة المرحلة الانتقالية ضرورة الابتعاد عن الاصطفافات الأيديولوجية لصالح التشاركية، بهدف توظيف كل إمكانيات المجتمع السوري، البشرية والاقتصادية، لإعادة إعمار سورية المستقبل.

سادساً: التمرد المسلح بالساحل السوري، المجازر، أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء:

1- إنّ الأحداث المؤلمة والمجازر المروعة لتي شهدها الساحل السوري خلال شهر آذار الماضي والصدامات المسلحة التي حدثت في ضواحي دمشق والسويداء أواخر شهر نيسان الفائت تأتي في سياق توترات إقليمية ودولية متصاعدة، عقب اختلال موازين القوى إثر هزيمة إيران وخسارتها للنفوذ في سورية، إلى جانب تراجع الدور الروسي مقابل تمدد النفوذ الإسرائيلي، الذي لا يبدي ثقة بالسلطة السورية الجديدة ويواصل استباحة الجغرافيا السورية. لقد كان متوقعاً أن تتحول سورية إلى خاصرة رخوة تُستغل في استعراضات القوة، وزعزعة الاستقرار، وتصفية الحسابات، في ظل ضعف البنى الاجتماعية والاقتصادية، والإرث الثقيل للنظام البائد الذي عمّق الانقسامات الطائفية، إضافةً إلى تردد المجتمع الدولي في رفع العقوبات الاقتصادية، مما فاقم من هشاشة الوضع الداخلي.

– بدأت أحداث الساحل السوري في 6 آذار/مارس 2025 عندما هاجمت مجموعات مسلحة كبيرة مرتبطة بالنظام السابق بشكل منسق ومتزامن مواقع عسكرية ومدنية وطرقاً في أربع محافظات سورية، وهي اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة. تركزت معظم الهجمات والاشتباكات اللاحقة في محافظتي اللاذقية وطرطوس. – انتشر المسلحون في نقاط عديدة على طول طريق M1، الذي يربط حمص باللاذقية مروراً بطرطوس وبانياس وجبلة، وعلى طريق M4 الواصل بين حلب واللاذقية.

– تعرضت قوات الأمن العام لاستهداف في أكثر من عشرة كمائن خلال توقيت متزامن، أبرزها كان في ريف جبلة، سلسلة الكمائن والهجمات ضد مواقع أمنية ومدنية في محافظتي اللاذقية وطرطوس، شملت عمليات إطلاق نار على الطرقات ومحاولات لاستهداف مراكز الشرطة والجيش والشرطة العسكرية وكانت البداية في الكمين المحكم في قرية بيت عانا شرق منطقة جبلة في محافظة اللاذقية حيث قُتل 13 عنصراً من الأمن العام التابع لوزارة الداخلية، كما استهدفت المجموعات المسلحة مستشفيات في ريفي اللاذقية وطرطوس، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالبنية التحتية.

– رافق بداية الأحداث إصدار بيان أعلن عن إنشاء المجلس العسكري لتحرير سورية بتاريخ 6 آذار 2025، وقعه عميد سابق في الجيش السوري اسمه غياث دلا.

دفعت الهجمات السلطة الانتقالية إلى طلب التعزيزات العسكرية من الفصائل والمجموعات العسكرية المتمركزة في مناطق أخرى والتي كانت تخضع شكلياً لوزارة الدفاع لكنها على الصعيد العملي لم تندمج في بنية جديدة رغم أنها أعلنت عن حل نفسها في مؤتمر النصر أواخر شهر كانون الثاني/يناير كما جرى إعلان النفير العام والدعوات من المساجد في أكثر من منطقة ومحافظة كان هناك خشية من نجاح العملية العسكرية التي ارتكزت على أعداد كبيرة من ضباط وعناصر سبق أن أجرى معظمهم تسويات مع الإدارة العامة وسبق لتصريحات المسؤولين الإيرانيين عن التحريض والتبشير بتمرد واسع في الأراضي السورية كما أن روسيا التي تحتضن كبار مجرمي العهد السابق وعلى رأسهم بشار الاسد أظهرت موقفاً محايداً ولعبت قاعدة حميميم الروسية المجهزة على استقبال أعداد ضخمة من اللاجئين والفارين.

أسفرت المواجهات الدامية بين 6 و10 مارس عن سقوط مئات القتلى من المدنيين، جرى توثيق مئات منهم في تقرير لشبكة “الشبكة السورية” حصيلة الضحايا إلى 1,332 شخصاً منذ 6 آذار، مشيرة إلى أن قائمة الضحايا ليست نهائية وقابلة للارتفاع مع وصول وثائق جديدة. (قتل منهم 1334 شخصاً بينهم 60 طفلاً و84 سيدة على خلفية تصاعد أعمال العنف في مناطق الساحل السوري، حيث وثقنا 889 شخصاً بينهم 51 طفلاً و63 سيدة على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية في الساحل السوري، 445 شخصاً بينهم 9 أطفال و21 سيدة على يد المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد) كما أكدت منظمة العفو الدولية مقتل أكثر من 100 مدني من الطائفة العلوية في مدينة بانياس، ووصفت ما حدث بأنه “عمليات قتل انتقامي ممنهجة” تستدعي فتح تحقيقات كونها ترقى إلى جرائم حرب. في تقريره، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان (رامي عبد الرحمن) مقتل أكثر من 973 مدنياً، معظمهم من العلويين، في سلسلة من الهجمات عبر عدة محافظات، وأفاد المرصد بارتفاع حصيلة ضحايا “مجازر الساحل” إلى 1676 شخصاً، حصلت في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص. مشيراً إلى أن السلطة الانتقالية شكلت لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في هذه الأحداث.

من جانب آخر أسفرت الهجمات عن مقتل 310 من قوات الأمن و250 من قوات المتمردين، بالإضافة إلى 803 مدنيين وفقاً لتقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، و973 مدنياً وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

بعد قدوم التعزيزات العسكرية للسلطة الانتقالية إلى المدن الساحلية، شنت عمليات تمشيط واسعة لطرد المقاتلين الموالين للأسد وإعادة فرض السيطرة على الطرق الرئيسية والمنافذ البحرية. وقد أُعيد فتح الطرق تدريجياً بعد 72 ساعة من بدء العمليات، مسجلة عودة نسبية للأمن، إلا أن القلق والخوف سيطر على الأجواء بعد تكشف جرائم ومجازر ارتكبت بحق المدنيين في المناطق القريبة من محاور الاشتباكات العسكرية (بلغت 62 مجزرة حسب المرصد السوري و64 مجزرة حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان) نفذ معظمها عناصر أو تشكيلات عسكرية مؤيدة للسلطة الجديدة معبأة بأحقاد طائفية وعقلية ثأرية في سياق النفير العام.

على الصعيد الدولي، طالبت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بتحقيقات مستقلة حول “أحداث الساحل” للوقوف على ملابسات القتل الطائفي وعمليات الانتقام ضد المدنيين، ووُصفت التحركات بأنها اختبار لجدية الحكومة الانتقالية في حماية جميع مكونات المجتمع السوري دون تمييز ديني.

كشفت أحداث الساحل الدور الخطير لما يمكن ان يحصل نتيجة الاحتقان الموجود في المجتمع السوري المتراكم خلال خمسة عقود بسبب النهج الطائفي الذي اتّبعته العصابة الأسدية في توريط الطائفة العلوية بمواجهة الشعب وأيضاً ما تراكم من أحقاد لدى المجموعات المتشددة غير المنضبطة التي تغذيها نزعة الانتقام الطائفية وما يشكله ذلك من تهديد للسلم الأهلي. إن حصول مجازر بحق المدنيين المسالمين ذات بعد انتقامي وطائفي يشكل وصمة عار بالوجدان السوري.

لقد تحقق، ولو جزئياً، هدف الأطراف الساعية لإفشال مشروع بناء الدولة عبر استثمار معضلة الأقليات، مستفيدة من أخطاء السلطة الجديدة، وبطء استجابتها في كشف الجناة ومحاسبة مرتكبي المجازر الانتقامية.

رغم تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في أحداث الساحل، فإن التمديد لمدة ثلاثة أشهر دون إصدار تقرير أولي أثار استياءً واسعاً. إذ إن تقديم تقرير مرحلي بنتائج ملموسة، يُبنى عليه اتخاذ قرارات فورية بحق المتورطين، كان ضرورياً لكسب ثقة الشارع ومنع الإفلات من العقاب.

2- شهدت مناطق صحنايا وجرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، بالإضافة إلى قرى في محافظة السويداء، تصعيداً أمنياً خطيراً منذ 28 نيسان/أبريل 2025، فيما يُعرف بـ “اشتباكات جنوب سورية”. اندلعت هذه الأحداث على خلفية تسجيل صوتي منسوب لرجل دين درزي يُزعم أنه يحتوي على إساءة للنبي محمد، ما أثار موجة غضب واسعة. رغم نفي رجل الدين المذكور مسؤوليته عن التسجيل، إلا أن التوتر تصاعد بسرعة وحصلت أحداث مؤسفة بحق طلاب السويداء في السكن الجامعي في حمص واللاذقية.

مجريات الأحداث والانتهاكات:

جرمانا: بدأت الاشتباكات في28 نيسان/أبريل، بهجوم مسلح على حاجز محلي، مما أدى إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة أكثر من 12 آخرين. فرضت الفصائل المحلية إجراءات أمنية مشددة، بما في ذلك إقامة حواجز وتقييد الحركة داخل المدينة.

صحنايا وأشرفية صحنايا: في 29 نيسان/أبريل توسعت الاشتباكات إلى هذه المناطق، حيث تعرضت نقاط أمنية لهجمات بأسلحة خفيفة وقذائف RPG. في 1 أيار/مايو، قُتل رئيس بلدية صحنايا، حسام ورور، وابنه على يد مسلحين مجهولين. كما تدخل الطيران المسير الإسرائيلي في صحنايا.

السويداء: في 30 نيسان/أبريل، اندلعت مواجهات في قرى إيرا، رساس، والصورة الكبيرة، حيث تعرضت هذه القرى لقصف مدفعي وهجمات بالأسلحة الثقيلة من قبل القوات الحكومية. (كما تم تدمير ضريح ومتحف عائد للضابط السابق لدى النظام البائد عصام زهر الدين في الصورة الكبيرة).

أسفرت الأحداث والاشتباكات التي حصلت خلال ثلاثة أيام عن مقتل أكثر من 100 شخص (حسب المرصد لحقوق الإنسان 119 ثمانية منهم مدنيين) والضحايا عرف منهم 20 من الأمن العام والباقي من قوات رديفة لوزارة الدفاع، ومن المسلحين المحليين ومن فصائل عسكرية درزية.

الاتفاقات ومحاولات التهدئة: في 29 أبريل، تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية وممثلين عن المجتمع الدرزي لتهدئة الأوضاع في جرمانا، يتضمن محاسبة المسؤولين عن العنف ومكافحة التحريض الطائفي. وفي 1 أيار/مايو، عُقد اجتماع في السويداء ضم قادة دينيين وزعماء فصائل محلية، أسفر عن بيان مشترك يرفض أي شكل من أشكال الانفصال ويدعو إلى تفعيل دور وزارة الداخلية والقضاء المحلي.

سابعاً: اتفاق 10 آذار/مارس مع قسد ومستقبل الأوضاع في مناطق سيطرتها:

التعامل مع قسد التي تسيطر على أقسام مهمة من ثلاث محافظات سورية كانت ولازالت من أهم المعضلات التي تواجه الحكومة الانتقالية ومشروع بناء الدولة.

يُعد الاتفاق الذي أُبرم في 10 آذار/مارس بين الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية والجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سورية الديمقراطية (قسد)، من أبرز محطات التحول السياسي في سورية ما بعد سقوط النظام. ويأتي هذا الاتفاق في لحظة حساسة، تتقاطع فيها التحولات الدولية والإقليمية مع تعقيدات الداخل السوري، ما يجعل من الاتفاق فرصة واختباراً في آنٍ معاً.

مضمون الاتفاق وأبعاده يُشير إلى تفاهم مشترك حول النقاط التالية:

• الاعتراف المتبادل بالتمثيل السياسي لكلا الطرفين ضمن إطار سورية موحدة.

• ضمان حقوق الأكراد الثقافية والإدارية في إطار لامركزي لا يهدد وحدة الدولة.

• التعاون في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية في شمال شرق سورية.

• البدء بتشكيل لجان مشتركة لدمج الإدارة الذاتية في مؤسسات الحكم الانتقالي، مع الحفاظ على خصوصية المجالس المحلية.

رغم مضي أكثر من شهرين على توقيع الاتفاق أعلاه والعراقيل التي توضع لعدم تنفيذه إلا أن جملة عوامل تساعد في الوقت الراهن على تنشيطه والالتزام به أولها انعقاد مؤتمر حزب ألب ك ك PKK الأم والتخلي عن الكفاح المسلح وتسليم أسلحته إلى الدولة التركية ومعلوم أن الجناح العسكري لحزب PYD السوري هو القائد الفعلي لقسد الذي فرع من حزب PKK التركي.

والثاني المتعلق بالانسحاب الأمريكي من منطقة شمال شرق سورية والذي قطع شوطاً كبيراً على صعيد التنفيذ. ومعلوم ان الدعم اللوجستي الأمريكي هو الأساس في قوة قسد.

والثالث التقارب السوري الأمريكي التركي الذي برز واضحا في لقاء وزراء خارجية الدول الثلاثة مؤخراً في أنطاليا في أعقاب لقاء الرئيسين ترامب والشرع.

ثامناً: المشهد السوري بعد ستة أشهر من المرحلة الانتقالية:

بعد مرور ستة أشهر على تسلّم السلطة الانتقالية، واللقاء بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي ترامب وقبلها بأيام مع الرئيس الفرنسي ماكرون: شهدت سورية تحولاً نوعياً تمثل برفع العقوبات الدولية، مما فتح الباب أمام دعم اقتصادي أولي وتزايد الحضور الدبلوماسي.

إن من أهم التحولات:

• رفع العقوبات أتاح تدفّق المساعدات وفتح قنوات مع المؤسسات المالية.

• لقاء الشرع – ترامب مثّل اعترافاً دولياً بالحكومة الانتقالية.

• تحركات إقليمية إيجابية نحو إعادة الإعمار والتطبيع الجزئي.

وهناك تحديات واستحقاقات كثيرة تفرض نفسها سبق أن أشرنا لبعضها ،أولها:

– ضرورة المضي في انفتاح سياسي مسؤول يشمل كافة المكونات تدار فيه حوارات وطنية واسعة لبناء عقد اجتماعي جديد، وبناء حياة سياسية مقوننة بمشاركة الجميع تحترم فيه جميع الحقوق الثقافية.

– استمرار تأثير إرث النظام السابق ومراكز الفساد ما يتطلب تسريع الإصلاح الإداري وبناء دولة قانون فعالة.

الإسراع في تدوير عجلة الاقتصاد والاستفادة من طاقات وإمكانيات السوريين في الخارج.

– إعادة بناء الاقتصاد دون المساس بمبدأ العدالة الاجتماعية وحل مشاكل اللاجئين والمهجرين وربط ملفهم بإعادة الإعمار. ومراقبة المساعدات وضمان توزيعها العادل بعيداً عن الفساد.

– ضعف البنى الأمنية في بعض مناطق الجغرافيا السورية مما يتطلب اعادة النظر بالسياسات المتبعة على صعيد وزارة الدفاع والشرطة والاستفادة من الخبرات والكفاءات السابقة خاصة من الضباط المنشقين.

– تعقيدات الملف الكردي، رغم اتفاق 10 آذار مع مظلوم عبدي والقلق التركي يتطلب الوصول الى حل متوازن للملف الكردي يضمن الحقوق ضمن وحدة الدولة وهذا يكفله نظام ديمقراطي يحترم بالدرجة الأولى حقوق المواطنة والحقوق الثقافية واللغوية ونظام لا مركزية إدارية فعال.

– تباطؤ العدالة الانتقالية وغياب المحاسبة الجادة تسبب بإرباكات كثيرة مما يتطلب من هيئة العدالة الانتقالية التي صدر قرار تشكيلها مؤخراً أن تبلور كيانها بشكل مستقل وفق الكفاءات التي تحتاجها بعيداً عن الانتقائية وتطرح خطتها وتباشر عملها كي لا يفلت المجرمون من العقاب.

من جانب آخر لابد من رؤية مناخ الحريات العامة لا سيما حرية التعبير الذي تحقق على نطاق واسع من قيام المنتديات الى الجمعيات المدنية الى الانشطة السياسية والمدنية ولا بد من تثمين مبادرات التطوع التي يقوم بها سوريون في الداخل والخارج.

الخاتمة:

إن المرحلة الانتقالية الحالية تمثل فرصة تاريخية للشعب السوري، الذي عانى طويلاً من القمع ومصادرة حقوقه وانسانيته وذاق ويلات المآسي والالام على مدى عقود لأن ينهض من جديد، لتأسيس جمهورية الاستقلال الثاني فإما أن ينجح الشعب بفرض ارادته بقيام دولة سورية جديدة مدنية وديمقراطية، أو يعاد إنتاج الفوضى والاستبداد.

في هذه اللحظة الانتقالية المفصلية التي تشهدها سورية، يؤكد حزبنا على جوانب من رؤيته ومهامه لمواكبة التغيير السياسي والوطني وبناء الدولة على اسس جديدة، بعد رفع العقوبات الاقتصادية والاعتراف الدولي الواسع بالسلطة الانتقالية والرئيس أحمد الشرع:

• الدفاع عن وحدة سورية ورفض أي شكل من أشكال التقسيم.

• دعم اللامركزية الإدارية ضمن إطار الدولة الواحدة.

• دعم بناء قضاء مستقل بمعايير دولية، واعتماد اعلام موضوعي يتوخى الحقيقة.

• التأكيد على ما ورد في الاعلان الدستوري من احترام حقوق الانسان والوقوف بوجه الانتهاكات.

• دعم وتعاون مع الهيئة الوطنية المعنية بالمعتقلين والمنفيين او المفقودين التي صدر قرار تشكيلها مؤخراً.

• دعم الانتقال نحو الديمقراطية ورفض أي عودة للاستبداد.

• محاربة الفساد وتأسيس دولة قانون ومؤسسات شفافة.

• إطلاق الحياة السياسية واصدار قانون للأحزاب وضمان الحريات العامة.

• التأكيد على أهمية صياغة دستور جديد يكون ثمرة حوارات وطنية يقوم على أسس المواطنة وفصل السلطات يحظى بأوسع توافق وطني.

• تكريس مبدأ الانتخاب في اختيار المسؤولين في المجالات النقابية والمهنية والمجالس المحلية والبلدية والهيئات الاجتماعية والسياسية.

• تفعيل العدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب.

• إعادة بناء الاقتصاد على أسس تطوير قوى الانتاج مع تحقيق للعدالة الاجتماعية.

• دعم استقلالية النقابات وهيئات المجتمع المدني على أسس ديمقراطية، وتشجيع المبادرات والعمل التطوعي.

• دعم الفئات المهمشة: النساء، العمال، ذوي الإعاقةـ وتوفير الشروط المناسبة لعودة اللاجئين على نطاق واسع.

• دعم العملية التربوية على أسس وطنية وعصرية بعد تعرضها للخراب على أكثر من صعيد.

• انتهاج سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة تدعم السلام والاستقرار في المنطقة.

• رفض التدخلات الأجنبية ومقاومة إعادة الوصاية.

إن حزب الشعب الديمقراطي السوري يعمل على إعادة هيكلة منظماته وتوسيع حضوره الشعبي وجذب الطاقات الشابة والانفتاح على القوى الوطنية والديمقراطية والتعاون معها لاستكمال ما هدفت اليه ثورة الحرية والكرامة والعدالة بعد النصر الذي تحقق بزوال نظام الأسد البائد. ويؤكد التزامه بالثوابت الوطنية والديمقراطية وبالنضال الشعبي السلمي المنظم، ويرفض الصمت أو المساومة، داعياً إلى تحمّل المسؤولية في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ سورية.

مكتب السياسة

حزب الشعب الديمقراطي السوري/الهيئة القيادية


الكاتب الهيئة القيادية

الهيئة القيادية

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة