تحديات التحوّل الديمقراطي وكيفيات نجاحه في سورية* (2-4)

img

ثالثاً: أهم تحديات التحوّل الديمقراطي في سورية

تهدد سورية تحديات كثيرة تشمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ما يتطلب جهوداً مركّزة أبعد من الخطابات ومشاعر التفاؤل، الموسومة بأنها ليست ذات صلة مباشرة بالوقائع. وعلى صعيد التحوّل الديمقراطي فإنّ ثمة خمسة معايير أعلنتها مجموعة “الإيكونوميست” البريطانية: العملية الانتخابية والتعددية، أداء الحكومة، المشاركة السياسية، الثقافة السياسية الديمقراطية، الحريات المدنية، إذ كانت سورية من أواخر الدول في سنة 2023 على صعيد هذه المعايير. وإزاء هذا الواقع فإنّ السؤال الرئيسي هو: كيف يمكن نجاح التحوّل الديمقراطي في سورية بعد التغيير؟ خاصة أنّ تجارب شعوب عديدة نجحت في هذا التحوّل حين أدركت نخبها أهمية التوافق المجتمعي على أهمية الديمقراطية للنهوض والتقدم.

ولا شكَّ أنّ سورية التي تتشكل من فسيفساء ديني وطائفي واثني وقبلي “يصبح فيها بناء الديمقراطية تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل ما زرعه النظام السابق من أحقاد بين أبناء المجتمع، وخلّفته الثورة من دمار وضغائن وضياع جيل كامل لم يحصل على التعليم، وعدم وجود تجربة سابقة عند المواطنين السوريين في ممارسة الديمقراطية”[11].

ولا شكَّ أنّ ديمومة الاستبداد لستة عقود، إضافة إلى تحوّل الحراك الشعبي السوري من السلمية إلى العسكرة والأسلمة المتطرفة، وبالتالي تغييب شعارات الحرية والكرامة التي انطلق هذا الحراك من أجلها في آذار/مارس 2011، قد عمّق من التحديات السابقة الذكر.

ثمَّ أنّ موقع سورية الجيوسياسي يطرح تحدّي الاستقطابات الإقليمية والدولية، وجعلها ميداناً لتنافس قواها الرئيسية، مما قد يعيق إمكانية التحوّل الديمقراطي.

وهكذا، يمكن أن نحدد أهم تحديات التحوّل الديمقراطي في سورية، كما يلي:

1- وهم سهولة التحوّل

يتوهم بعض السوريين بأنّ عملية التحوّل الديمقراطي ستكون سهلة بعد إسقاط النظام التسلطي، ولم يدرك الكثيرون أنّ تشظّي المجتمع، بعد الخيار الأمني للنظام السابق وعسكرة الثورة، سيجعل أمراء الحرب عقبة كبيرة بحيث لن يكون سهل أن يسمحوا بإنجاز هذه العملية. ثمَّ أنّ المنتفضين في عام 2011 الذين رفعوا شعار الحرية لم يكن أغلبهم على دراية بمضامينها، ولا عن النظام السياسي البديل للنظام التسلطي، ولذلك فإنّ فرضية التحوّل الديمقراطي آلياً يكتنفها الغموض، ولم يكن لها أساس في الواقع السوري المعاش.

2- تركة الدولة التسلطية

خاصة وأنّ ديمومة الاستبداد لستة عقود قد غيّب الثقافة السياسية الحديثة عن أغلب السوريين، من خلال الخطاب الشعبوي للنظام وحلفائه وقانون الأحكام العرفية والاعتقال التعسفي لنشطاء الشأن العام، إضافة إلى قصور وعي التيارات السياسية الرئيسية القومية واليسارية والإسلامية. وكذلك تغييب منظمات المجتمع المدني المستقلة واستبدالها بمنظمات شعبية تأتمر بأمر الأجهزة الأمنية، إذ إنّ دستور سنة 1973 اعتبر حزب البعث هو “قائد الدولة والمجتمع”، بحيث أصبح كل نشاط مدني مستقل معرّض للتهديد من هذه الأجهزة، بل الاعتقال والإخفاء القسري. وهكذا، تمت إعادة تشكيل الرؤية السياسية لأغلب السوريين، بحيث أصبح المخالفون لهذه الرؤية “غير وطنيين وخونة”.

لقد أدَّى الاستهلاك المتكرر لشعارات سياسية منفصلة عمّا يعيشه السوريون في الواقع، طوال ستة عقود، إلى حالة من الشك بكل ما يتعلق بالخطاب السياسي. وكذلك ” افتقاد السوريين لتقاليد العمل الجماعي والمُؤسساتي نتيجة احتكار السلطة الأسدية للفضاء الثقافي- السياسي العام، ونتيجة لتحريم منظمات المجتمع المدني وإلغاء التعددية الحزبيّة والانتخابات الديمقراطية التنافسية، إضافة إلى استمرار فرض قانون الطوارئ على مدى عقود طويلة[12].

ما أدى إلى “انقسام المجتمع السوري خلال تلك الحقبة إلى شرائح ثلاث: الأولى خضعت لسيطرة النظام وانضمت إلى مؤسساته البعثية البديلة (نقاباته وجمعياته واتحاداته البعثية)، والشريحة الثانية ارتأت الصمت والابتعاد عن أي نشاط مدني حقوقي، أما الشريحة الثالثة فهي التي تجرأت على معارضة سياسات البعث، وكان مصيرها إما الاعتقال، أو الفرار خارج سورية”[13].

ومن جهة أخرى يعاني المشهد السياسي اليوم من تعدد التشكيلات والمنصات، التي مازالت تردد خطابات ماضيها، ولم تتحول إلى أحزاب برامج تستجيب لحاجات الشعب السوري، كما يغيب عنها التوافق على وحدة العمل المشترك.

3- محدودية الثقافة الديمقراطية لدى النخب السورية

يفتقر أغلب السوريين ونخبهم إلى ثقافة ديمقراطية، بما هي مؤسسات وقيم حق الاختلاف وقبول الآخر. بل خلال الأربعة عشر عاماً للثورة تمَّ فرض أنماط من الثقافة المعادية للديمقراطية في مناطق نفوذ سلطات الأمر الواقع الأربعة. إذ ساد اعتقاد قاصر لدى الأغلبية مفاده أنّ الديمقراطية مجرد انتخابات فحسب تؤدي إلى انتصار الأغلبية الدينية السائدة، متناسين الأركان الأساسية الأخرى.

ما يجعلنا نتساءل: هل يمكن إنجاز عملية التحوّل دون ترسّخ ثقافة سياسية ديمقراطية التوجه؟

وفي هذا السياق، نشير إلى رأي عزمي بشارة في محاضرته الافتتاحية في “مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية” للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لعام 2023، تحت عنوان “ملاحظات عامة حول الثقافة السياسية والانتقال الديمقراطي”، إذ فنّد الرأي القائل بـ “عدم إمكانية نظام ديمقراطي في بلداننا بحجة عدم وجود ثقافة ديمقراطية”، لكنه لا يغفلها بل لا يجعل منها معوّقاً لعملية التحوّل، وداعياً إلى توفّر الحدَّ الأدنى منها لدى النخب، لدفع مجتمعاتنا نحوها بالتدريج “ليس لبناء الديمقراطية من جديد، بل لتبنّي النظام الديمقراطي الجاهز، مشدّداً على التزام الديمقراطية رغم الخلافات الحزبية، وعدم تبكير الصراع على السلطة، قبل أن تستقرَّ الديمقراطية، لأنّ ثقافة الشعب في ظلّ النظام غير الديمقراطي، لا تتقبّل الصراعات الحزبية المبكّرة، التي تُظهر وكأنّ النظام الديمقراطي نظام من الفوضى، وأنّ السياسيّين يتبعون المصالح”[14].

4- قصور وعي التيارات السياسية

هي تيارات ذات أيديولوجيات شمولية بطبيعتها وبنيتها وتوجهاتها في الواقع، وإن اختلفت حواملها الاجتماعية وشعاراتها المعلنة، إذ بقيت “على تضاد مع الفكر الديمقراطي، ومعيارية الدولة المحايدة الحديثة، وحقوق الإنسان”[15].

فمنذ السنوات الأولى للحراك الشعبي في عام 2011 بدا قصور وعي التيارات السياسية الرئيسية، خاصة القومية واليسارية، إذ لم تستطع أن تؤثر في شباب الحراك من داخله، ما أدى إلى اعتماده على قواه الخاصة بتشكيله تنسيقيات الثورة. وأيضاً سار بعضه وراء “مشايخ الحارة”، الذين لم يعرفوا معاني الثقافة السياسية الحديثة وتحوّلات العالم المعاصر، بل اكتفوا بإطالة ذقونهم وحفظ بعض الآيات والأحاديث المنزوعة من سياقاتها، ورفعوا شعار “الإسلام هو الحل” على حدّ تعبير الكاتب معقل عدي.

*- مقاربة نُشرت على ثلاث حلقات في مجلة “الإصلاح” الصادرة عن “منتدى الفارابي للدراسات والبدائل” بتونس، بدءاً من 1تموز/يوليو 2025.


[11]– ثائر أبو صالح، الديمقراطية وأهم معوّقاته/النموذج السوري، منصة “الحوار المتمدن”، 28 كانون الأول/ديسمبر 2025.

[12]– حمزة رستناوي، في توصيف ثقافة السوريين ودورها في السياسة، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 12 – كانون الأول/ديسمبر 2023.

[13]– ماسة الحمصي، المجتمع المدنيّ في سورية.. فترة حكم حافظ الأسد (الجزء الأول)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة – 11 كانون الأول/ديسمبر 2023.

[14]– عزمي بشارة، أفكار في الثقافة السياسية والانتقال الديمقراطي، صحيفة “العربي الجديد” –11 آذار/مارس 2023.

[15]– بسام العيسمي، أهمية الأخذ بكامل الشرعة العالمية لحقوق الإنسان المترابطة، مركز حرمون للدراسات المعاصرة – 26 آذار/مارس 2024.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة