بيان بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة الثورة السورية

img

يا شعبنا السوري العظيم

تمر ذكرى انطلاقة الثورة السورية اليوم بعد أن تم إسقاط نظام الطغيان والإجرام في الثامن من كانون الأول 2024، هذه الثورة التي أصبحت منارة لكل الشعوب ومثالاً يحتذى في العزيمة والإصرار على الحرية والكرامة مهما كان الثمن ومهما غلت التضحيات.

استمرت الثورة بأهدافها ومعانيها بكل الوسائل والأدوات وعبر مختلف الظروف الصعبة التي أحاطت بسوريا خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، فلم يتراجع الشعب السوري ولم يكل في نضاله ضد النظام البائد حتى كادت قوى النظام أن تنهار لولا الدعم الخارجي المتعدد الأطراف خاصة من إيران ووكلائها في المنطقة ومن روسيا بثقلها العسكري والديبلوماسي وأطراف دولية أخرى.

وحين قام الوطنيون السوريون الأحرار بتحركهم العسكري المنسق والمباغت في السابع والعشرين من تشرين الثاني ضمن ظروف إقليمية ودولية مواتية انفرط عقد النظام رغم امتلاكه قوة عسكرية كبيرة وأصابه الانهيار والتفكك بسبب وضعه الداخلي الهش الذي وصل إليه بفضل مقاومة الشعب السوري الطويلة والإصرار على أهداف الثورة السورية.

واجهت قيادة العمليات العسكرية وعلى رأسها هيئة تحرير الشام التحدي الكبير المتمثل بإدارة البلاد التي دمرها النظام البائد وأفقر شعبها وأفسد هياكلها الإدارية، ومؤسساتها الخدمية، حتى أصبحت على شفا الانهيار الكامل.

وفي حين استطاعت قيادة العمليات العسكرية بسرعة وكفاءة فرض السيطرة الأمنية بأقل الخسائر وبطريقة سلمية إلى حد كبير، فقد افتقرت للرؤية السياسية في تعاملها مع تحديات السياسة الداخلية والسير بالبلاد نحو الدولة الوطنية الديمقراطية المنشودة.

لقد كان بإمكان قيادة العمليات العسكرية الاستعانة بأهل الرأي والخبرة السياسية من الشخصيات والقوى السياسية الوطنية التي عملت خلال الثورة وبقيت موضع تقدير من المجتمع، لكنها لم تفعل، وفضلت الانفراد بالقرار، وتسبب ذلك بمرور سورية بحالة من الارتباك والضبابية بحيث لم يعد واضحاً للمواطن العادي إلى أين تسير البلاد، وما هو تصور قيادة العمليات للنظام السياسي البديل، وفيما إذا كانت تأثيرات تجربة الحكم والإدارة في إدلب ماتزال تشكل بوصلة للهيئة في الظروف الموضوعية المستجدة والمختلفة كل الاختلاف.

استطاعت قيادة العمليات العسكرية برئاسة الرئيس أحمد الشرع الاستجابة لتحديات السياسة الخارجية بانتهاج سياسة معتدلة ومتوازنة، لكنها لم تتمكن من التوصل لسياسة داخلية على ذات القدر من النجاح.

لقد حاولت ببطء الاستجابة للضغوط الخارجية في حقل السياسة الداخلية، لكن ذلك ظهر باستمرار متأخراً وغير كاف، فمؤتمر الحوار الوطني لم يكن بحجم التطلعات والضرورات الوطنية بقدر ما كان موجهاً لإرضاء الخارج، أما الإعلان الدستوري المؤقت فقد تبنى كل المسائل الخلافية التي يفترض مناقشتها ضمن جمعية تأسيسية منتخبة وايجاد توافق وطني حولها مما أحدث ردود فعل سلبية واسعة ساهمت في حالة التشتت السياسي والاختلاف والجدل.

لقد تأخر كثيراً تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، كما تأخر الإعلان الدستوري المؤقت والذي كان يفترض القيام به فور إسقاط النظام، مما سمح لفلول النظام أن تعيد تنظيم قواها المبعثرة بدعم من إيران وأذرعها، وأن تخطط وتنفذ محاولة انقلاب دموية مجرمة في الساحل (أدت إلى قتل أكثر من مئتين من عناصر الأمن العام والجيش) أمكن القضاء عليها بفضل تلاحم الشعب والحكم وما أظهره الشعب السوري من تصميم على الدفاع المستميت عن مكتسباته في التحرر من نظام الاستبداد الوحشي الإبادي.

رافق عملية مواجهة الفلول (المتموضعين بين المدنيين الذين تستروا عليهم خوفاً أو مجاراة لهم) انفلات أمني أدى لانتهاكات وتجاوزات وصلت لحد المجازر أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا من المدنيين الأبرياء وهو أمر مدان لا يمكن السكوت عليه ولا تبريره ولابد من محاسبة كل من ارتكب تلك الانتهاكات بطريقة قانونية وشفافة.

ينبغي التوقف عند النزعات الثأرية والطائفية التي حرضت تلك الانتهاكات، فليس كافياً إيقاع العقوبة بالمرتكبين ولابد من كبح تلك النزعات الشعبوية بتجريم التحريض الطائفي، وإطلاق حوار وطني مجتمعي، وتأمين مشاركة كل السوريين في الحياة السياسية الفعالة عبر النقابات والأحزاب، فالفراغ السياسي في المجتمع وانعدام المشاركة وتفرد السلطة يفسح الطريق أمام العنف والنزعات الثأرية والطائفية، كما يفسح الطريق لفلول النظام والعابثين بأمن واستقرار البلاد.

مازال الوضع الداخلي بحاجة لمراجعة سياسية شاملة، تعيد تصويب بوصلة الحكم نحو تشكيل مؤسسات تؤمن المشاركة السياسية الفعالة في فترة الحكم الانتقالية التي يبدو أنها ستستغرق عدة سنوات بدلاً من الانفراد بالقرار، كما تضع حداً للمخاوف من محاولات تشكيل الدولة وفق رؤية فريق من الإسلام السياسي بدلاً عن الدولة المدنية دولة المواطنة، دولة جميع الطوائف والمذاهب والقوميات.

كما ينبغي التشديد على ضرورة احترام الحريات العامة والخاصة والسماح بعقد الاجتماعات والندوات السياسية والحوار الوطني بين مختلف المكونات الاجتماعية وبينها وبين السلطة السياسية.

إن قدراً هاماً من التوتر السياسي الذي نراه اليوم والذي ينذر بتحوله لأشكال عنيفة عائد لمحاصرة وتقييد المجتمع المدني، وقد جرى بالفعل وفي عدة أماكن منع الندوات السياسية مما أدى لشعور بالإحباط، كما تم فرض قيادات نقابية بدلاً من أن يتاح للنقابات الحرية في اختيار قياداتها، وحتى الآن فإن نشاط الأحزاب السياسية مازال ممنوعاً من قبل السلطة.

لاقى الاتفاق مع قسد ارتياحاً شعبياً واسعاً لدى العرب والأكراد على حد سواء، فالشعوب قد ملت من الحروب وسفك الدماء وهي تتطلع نحو الحياة الحرة الكريمة والتعايش بسلام، لكن يبقى الالتزام بتطبيق الاتفاق، وأن يتم حصر السلاح بيد الدولة السورية، وذلك يسري على جميع القوى المسلحة في سورية بما في ذلك درعا والسويداء.

في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ سورية فإن إعادة بناء الدولة السورية الجديدة الديمقراطية العادلة، دولة جميع السوريين، يتطلب من أهل الحكم مراجعة النهج السياسي المتبع، ووضع اليد على الأخطاء، وتصحيحها، كما يتطلب قدراً كبيراً من الشعور بالمسؤولية لدى مختلف فئات الشعب، ولدى نخبه السياسية الوطنية. من أجل تجاوز الأخطار المحدقة، والوقوف بوجه المؤامرات الخبيثة التي يحلم أصحابها باستعادة السلطة الضائعة أو إدخال البلاد بالفوضى وعدم الاستقرار عقابا للشعب على انتصاره وتحرره.

عاشت ثورتنا العظيمة..

عاشت سورية حرة موحدة..

16 آذار 2025

حزب الشعب الديمقراطي السوري

الهيئة القيادية


الكاتب هيئة التحرير

هيئة التحرير

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة