رسالة سياسية

حزب الشعب الديمقراطي السوري/الهيئة القيادية – مكتب السياسة -15 آب 2024
تتضمن رسالتنا عدة محاور ذات علاقة مباشرة بالتغيّرات المحيطة بالمسألة السورية، بداية من محاولة النظام الإيحاء بإجراء إصلاحات داخل بنيته، وامتناعه عن الانخراط المباشر مع قوى الممانعة بعد الحرب الإسرائيلية في غزة. كما تابعنا وحللنا مواقف القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري، ومدى أدوار هذه القوى في الميدان السوري، بعد أن أضحى صندوق بريد لتوجيه الرسائل وتصفية الحسابات فيما بينها، وبالتالي توظيفها لتحقيق مكاسب استراتيجية في سورية وعموم منطقة الشرق الأوسط. وتوقفنا عند مأساة اللاجئين السوريين، وحراكي الكرامة في السويداء وشمال حلب، وانتقاد أغلب السوريين لمؤسسات المعارضة الرسمية، وحاولنا استشراف مستقبل الصراع.
- أهداف التغيّرات الشكلية في مؤسسات النظام:
حاول النظام الالتفاف على أزمته العميقة مع الشعب السوري من خلال إعلان شكلي بتغيّرات في بنية مؤسساته، علماً أنه لا يسيطر سوى على مايقارب ستون بالمائة من مساحة البلاد، مدعوماً من إيران وروسيا، فيما تتقاسم السيطرة على القسم الباقي قوات سورية الديمقراطية ” قسد “، المستندة إلى دعم أميركي، و”هيئة تحرير الشام” السلفية في إدلب، وهناك شريط حدودي غير متصل تسيطر عليه قوات من الجيش التركي بمساعدة فصائل عسكرية محلية تابعة لها، إضافة إلى انتشار مجموعات من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ومن مليشيات إرهابية في أكثر من بقعة من البلاد.
ويمكن اعتبار انتخابات “مجلس الشعب” الأخيرة إحدى مظاهر تحايل النظام على التغيير الحقيقي، كما عهدناه طوال العقود الماضية، حيث لم يكن أمام السوريين في مناطق نفوذه سوى المشاركة الشكلية تحت ضغط الخوف، أو فقدان الأمل من أي شفافية، أو القناعة بأن صوت السوري لا يُساوي شيئاً أمام عمليات التلاعب والتزوير والقوائم المُعدّة مسبقاً، واقتناعهم بأن مهمّة مجلس الشعب التهليل لمنجزات السلطة، وتنفيذ أوامرها، وتمثيل مسرحية هزلية وهمية حول الديمقراطية.
ويُصدِّر النظام مشهد الانتخابات إلى الخارج في محاولة منه للهروب من استحقاقات تنفيذ القرار 2254، الذي يقتضي عملية انتقال سياسي حقيقي من خلال انتخابات نزيهة وشفافة تحت رقابة دولية، وتشرف عليها هيئة حكم انتقالي.
ومن جهة أخرى، حاول استثمار حرب غزة للحصول على إعادة تعويمه عربياً ودولياً، خاصة على ضوء رسائل التحذير التي وصلته من أميركا وإسرائيل، التي مفادها عدم تدخله. إذ حاول أن يوازن بين الضغوط الإيرانية التي تدعوه إلى الانخراط بدعم محور المقاومة من جهة، وتجنّب ردود الفعل الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى. بما يشير إلى أنه قابل لتغيير سلوكه، ومنفتح على التطبيع مع إسرائيل، بانتظار مكافأة المجتمع الدولي له.
- مواقف القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري:
خاضت إيران معركة النظام ضد الشعب السوري، منذ بداية حراكه في عام 2011، وقد اعتمدت على الحرس الثوري الإيراني وأذرعها؛ حزب الله اللبناني والميليشيات والعراقية والأفغانية والباكستانية لإبقاء النظام. أما إسرائيل، فقد رأت أنّ مصلحتها تكمن في بقاء سلطة آل الأسد، التي التزمت الهدوء على جبهة الجولان طوال أربعين سنة، إضافة إلى عدم ردِّها على الاعتداءات المتكررة على سورية منذ عام 2013، وقد رأت في الصراع مناسبة لإضعاف سورية دون سقوط النظام ودون انتصاره، وكان اهتمامها الرئيسي ينصبُّ على منع تمركز إيران وأذرعها بالقرب من الجولان المحتل، وأيضاً ضرب مواقعها في سورية ومنعها من نقل الأسلحة إلى حزب الله عبر العراق وسورية، وكذلك ضرب مراكز تصنيع السلاح الإيراني حيثما وجدت في الجغرافية السورية.
ومن جهة أخرى، تدرك إيران الرغبة الأميركية في عدم التصعيد في الشرق الأوسط، إضافة إلى استمرار المرونة تجاهها ومحاولة توظيف أدوارها في الرؤية الأميركية لمستقبل المنطقة. وضمن هذا السياق، تحاول أن تكرّس نفسها قوة ذات وزن إقليمي، بل حارساً للممرات المائية الهامة للتجارة الدولية، للتلويح للقوى الكبرى، استعداداً لليوم التالي بعد حرب غزة.
ولكن ثمة إرادة إقليمية ودولية للحدِّ من نفوذها، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي وسواحل البحر المتوسط التي تتداخل مع إسرائيل، التي نجحت في اغتيال كبار قادة الحرس الثوري في سورية، وقادة ” حزب الله ” في لبنان، ووصلت إلى إسماعيل هنية في طهران.
ولكن يبدو أنّ إيران تطمح إلى مدِّ نفوذها إلى الأردن، لذا نجدها حريصة على بقاء أذرعها في الجنوب السوري، للضغط على إسرائيل، إضافة إلى محاولة استكمال هلالها الشيعي، الذي حذّر منه الملك الأردني منذ سنوات، إضافة إلى محاولاتها لإنشاء طريق خاص يربطها في البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسورية. لذلك أصبح وجودها في سورية يهدد مصالح إسرائيل والغرب، ويبدو أنّ فقدانها لصبرها الاستراتيجي يعود إلى شعورها بأنّ وجودها في سورية غير مرغوب فيه.
أما تركيا، القوة الإقليمية المهمة إلى جانب إيران وإسرائيل، فهي تملك مزايا عديدة في سورية مقارنة بهما، من أهمها، إضافة إلى إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، الموقع الجغرافي الذي يمتد على ما يزيد عن 900 كيلو متر في جنوبها. وقد شهدت سياساتها تجاه الصراع في سورية، طوال الثلاثة عشر عاماًالماضية، تأرجحاً بين تأييد التغيير السياسي واحتضان ملايين اللاجئين السوريين، إلى الانخراط في مسار آستانا ذي التصميم الروسي، بالرغم من عدم تطابق سياساتها مع الطرفين الآخرين في المسار. وبقيت أولوية سياستها في سورية عدم السماح لقوات سورية الديمقراطية ” قسد ” بإنشاء كيان انفصالي في شمال شرق سورية. وعلى الصعيد الدولي، توظيف التقارب مع أميركا للحصول على ضوء أخضر لترتيب مصالحها الأمنية في شمال شرق سورية، مستفيدة من نجاح إيران في فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة.
ولدى تركيا أهداف عدة تسعى إليها من وراء تطبيع العلاقات مع النظام السوري، على رأسها الحاجة للتنسيق الثنائي لاحتواء خطر الإدارة الذاتية وارتدادات أي سياسة أميركية مستقبلية تجاه سورية، فضلاً عن انتزاع اعتراف رسمي من النظام ينظم التواجد العسكري التركي في الشمال ويضبط أمن الحدود، إلى جانب الرغبة التركية بإعادة تموضعها في الملف السوري لتصبح أقرب إلى وسيط بين النظام والمعارضة، وما يمكن لذلك من تسهيل عودة اللاجئين من تركيا إلى سورية، فضلاً عن اعتبارات اقتصادية تتعلق بمعادلات خطوط التجارة والتنمية إقليمياً، وإن كان الأمر يواجه العديد من التحديات.
ومن شأن التطبيع التركي – السوري أن يساعد موسكو على تخفيف النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة وخاصة في سورية، حيث يهدد ما كسبته روسيا من التدخل في الحرب السورية عام 2015 ودعمها بقاء الأسد.
ويأمل النظام السوري، استخدام التطبيع مع تركيا أداة ضغط لإنهاء رهان قسد على واشنطن، ودفعها إلى العودة إليه بشروطه. كما يأمل في أن يسمح الانفتاح على تركيا في تحسين أوضاعه الاقتصادية الصعبة، وفي تشجيع دول أخرى على أن تحذو حذو تركيا.
ويشكل العامل الإقليمي والدولي أيضاً عامل دفع إضافي باتجاه تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق. يبقى أن التحدّيات التي تواجه التطبيع كبيرة جداً، أبرزها واقع أنه من دون حل سياسي لن يكون هناك أمن ولا رخاء اقتصادي، ولا حل لقضية اللاجئين، أو المسألة الكردية، ولا استعادة للسيادة على كل شبر من الأرض السورية، ولا خروج للقوات والتنظيمات والمليشيات الأجنبية، حتى لو قدّمت تركيا ” رأس ” المعارضة السورية، ثمناً للتطبيع. لذلك يمثل الحل السياسي العقدة التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات لإنهاء الأزمة مع سورية وفيها، وهذا معطى موضوعي لا يمكن تجاوزه.
أما الحكومات العربية، فقد اتسمت مواقفها تجاه الصراع في سورية بالعطالة منذ سنة 2012، ولكنّ أغلبها اليوم يتجه نحو إعادة العلاقات الديبلوماسية مع النظام، وفي الوقت نفسه تدعو إلى إنجاز حلٍّ سياسي طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254. فبالرغم من الحضور الباهت للرئيس السوري في مؤتمر القمة العربية في البحرين، فثمة برود في مسيرة التطبيع العربي مع النظام، بسبب عدم استجابته للطلبات العربية: تسهيل عودة اللاجئين، والحدِّ من النفوذ الإيراني، ومكافحة المخدرات، وتحريك الملف السياسي. خاصة بعد أن منحت تداعيات حرب غزة فرصة للعرب للتحرك في اتجاه مسار سياسي للمسألة السورية، بالتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري، قبل أن يسقط المشرق العربي كلّه في قبضة النفوذ الإيراني.
أما على الصعيد الدولي، فقد اتسمت السياسات الأميركية بإدارة الملف السوري وليس البحث الجدي عن مخارج سياسية له، بل تجميد الصراع، وتوظيفه في ترتيباتها لمنطقة الشرق الأوسط. ومنذ بداية الحراك الشعبي السوري في عام 2011 الذي تحول إلى ثورة شعبية بقي جوهر سياساتها “تغيير سلوك النظام” في اتجاه تطبيق القرار 2254، من خلال إبقاء العقوبات الموجهة ضد رموزه، ولكنّ إدارة الرئيس بايدن الأميركية عطلت قانون “منع التطبيع” مع النظام السوري.
أما السياسات الروسية فقد اتسمت بدعم النظام من بداية الحراك الشعبي السوري، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر في عام 2015. واتخذت من سورية مدخل لنفوذها في الشرق الأوسط، واعتبارها ساحة لمنافسة الولايات المتحدة الأميركية، خاصة بعد غزوها لأوكرانيا. وفي محصلة هذه السياسات بقيت روسيا داعمة للنظام، الذي يضمن لها مصالحها.
كما كانت حريصة على توازن علاقاتها مع الفاعلين الإقليميين في الصراع السوري، أي تركيا وإسرائيل وإيران. آخذة بعين الاعتبار ذيول غزوها لأوكرانيا، الذي أدى إلى التراجع النسبي لنفوذها، كما أدى إلى تزايد تعاونها مع إيران، على صعيدي تزويدها بالطائرات المُسيّرة الإيرانية، إضافة إلى مساعدتها في الالتفاف على العقوبات الغربية، مما صعّب عليها إمكانية الضغط على إيران المتواجدة على الميدان السوري.
ولكنها منذ بداية حرب غزة وجدت نفسها في مواجهة تحدي التنافس الإيراني – الإسرائيلي، فهي لا يمكن أن تتجاهل المخاوف الأمنية لإسرائيل، وفي الوقت نفسه، حاجتها إلى إيران على الأرض السورية، بالرغم من عدم رغبتها في السماح لإيران بزيادة نفوذها هناك، مما قد يؤدي إلى خلل التوازن بين القوى الإقليمية الأخرى، أي تركيا وإسرائيل والعرب، أي أنها مع استمرار نفوذ إيران، ولكن شريطة أن تكون ضعيفة.
بالنسبة لإسرائيل كانت حريصة على التنسيق العسكري معها في سورية، التزاماً بالاتفاقات الأمنية الثلاثية، الأميركية والروسية والإسرائيلية، التي تمت في صيف عام 2018، التي كانت تضمن لإسرائيل تنفيذ هجوماتها على مواقع إيران وأذرعها في سورية، وأيضاً منع إطلاق الصواريخ من الجولان. حيث بدأت القوات الروسية بتسيير دوريات عسكرية بعد أن تمركزت الميليشيات العراقية واللبنانية والفلسطينية التابعة لإيران في الجنوب السوري.
أما بالنسبة لمصالحها في سورية، فكانت حريصة على أن لا ينتقل الصراع إليها، طالما أنّ مصالحها لم تُنتهك. وبذلك تحاول تحقيق مصالحها مستفيدة من تداعيات حرب غزة. ومن هنا فإنّ إيران قلقة من التفاهم الروسي مع القوتين الإقليميتين الأخيرتين، أي إسرائيل وتركيا، وأيضاً لإدراكها بأنّ الاستراتيجيات الجديدة المحتملة في اليوم التالي لحرب غزة ستطرح مسألة النفوذ الإيراني في المنطقة، بما فيها سورية.
ومن جهة أخرى، لا تنفصل عملية استقدام روسيا للأسد مؤخراً، وبدون بروتوكول رسمي، عن سياق الانتخابات الأميركية القادمة، لتأكيد على أنّ الأسد والملف السوري في قبضتها، وما شجعها على هذا السلوك هو ارتياحها النسبي في الحرب الأوكرانية إذ أحرزت تقدماً ميدانياً واضحاً فيها منذ أن تركزت الأنظار الأميركية على حرب غزة. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ روسيا ترجح فوز ترامب الذي يشكل نجاحه تهديداً لتماسك سياسات حلف شمال الأطلسي تجاه موسكو.
لقد أرادت روسيا، من خلال رسالة استقدام الأسد وكأنه موظف لديها، وهذا قد يكون بداية لفتح باب المقايضات مع الرئيس الأميركي القادم وتركيا معاً على تقليص نفوذ إيران في سورية.
أما الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، فقد بقيت محافظة على تأييدها لعملية الانتقال السياسي في سورية، وكانت أولوياتها ضغط اللاجئين على سياساتها الداخلية. ومن جهة أخرى، منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، بعد أن انحاز الأسد إلى جانب روسيا، اتجهت نحو عدم ترك سورية ساحة لنفوذ بوتين. ولكن الخطوة الإيطالية في إرسال سفير إلى دمشق جاءت لتكسر الحظر الأوروبي والأميركي، لا سيما العزلة السياسة والاقتصادية التي بدأت بالاشتداد أكثر مع هدوء الميدان العسكري وثبات خطوط التماس في آذار/مارس عام 2020، في وقت ربط الاتحاد الأوروبي عودة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق بإحراز تقدم في العملية السياسية، بينما لم تأتِ العودة الإيطالية صادمة للأوروبيين. والمعلومات المتوافرة أن خطوة إيطاليا تتعلق بتدفق اللاجئين السوريين عبر المتوسط. مع العلم أنّ هناك سبع دول أخرى تؤيد خطوة إيطاليا، وكلها تعاني أيضاً مشكلة اللاجئين، وهي دول مرور في وسط أوروبا مثل المجر والنمسا والتشيك وسلوفاكيا وغالبيتها تحكمها حكومات يمينية معارضة جداً لقدوم اللاجئين، وكانت لها دوماً مواقف مختلفة ومتشددة في هذا الموضوع خلافاً للدول الأوروبية الأخرى.
ولكن في المحصلة، فإنّ الانفتاح الأوروبي يحتاج إلى قرار من المفوضية،والموضوع كان خلافياً داخل الاتحاد الأوروبي، وليس هناك توافق حوله، بالرغم من عدم وجود أية ردود فعل عن الدول الفاعلة في الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا، ورغم معارضة الحكومة وغالبية الأحزاب في ألمانيا للمبادرة، إلا أنّ بعض السياسيين الألمان يدعون إلى إعادة النظر في العلاقات مع نظام الأسد.
- تصعيد العداء ضد اللاجئين السوريين:
ليس مصادفة أن نشهد موجة تصعيد جديدة ضد اللاجئين السوريين في مناطق جغرافية متفرقة بتوقيت واحد معاً، بهدف إجبارهم على العودة إلى سورية، في وقت تُسارع فيه الدول المنخرطة في الصراع لتعويم بشار الأسد، وعودة العلاقات معه، متجاهلة جذور الصراع ومسبباته والعوامل التي أدت إلى لجوء السوريين إلى تركيا ولبنان والأردن وأوروبا.. حيث نشهد تسيساً لملف إنساني، يجعل من السوريين ورقة مساومة بين الدول المنخرطة في الصراع ومحطة لمقايضات مختلفة، حيث تنظر بعض الدول إلى الجموع السورية الكبيرة لديها ورقة ضغط وابتزاز على دولة أخرى، بغية مصالح خاصة تحدث على حساب مصير السوريين، وهذه بحد ذاتها جريمة كبرى. ففي تركيا السوريون مستهدفون، سواء كانوا متمتعين بقانون الحماية المؤقتة أو مهاجرين بصورة غير شرعية، مما يهدد بإلحاق أضرار كبيرة بالسوريين والأتراك في الوقت نفسه، ويمكنها أن تتحول إلى حالة من الكراهية بين الشعبين اللذين ما يجمع بينهما أكبر بكثير ممّا يُفرّقهما. وتؤكد الاعتداءات الأخيرة على السوريين وممتلكاتهم في أكثر من مدينة تركية، وما رافقها من ردود فعل ضد الوجود التركي في شمال غرب سورية، ضرورة عدم ترك المسألة تتفاعل أكثر من ذلك. خاصة أنها ارتبطتبرغبة تركية في معاودة الاتصال مع الأسد وإعادة العلاقات تحت سقف المصالح والمطالب لكل جانب.
ومما لا شك فيه أنّ مسؤولية هجرة السوريين وتشرّدهم في شتى أرجاء العالم، تقع على النظام السوري، وهو الذي يجب أن تسلط عليه الضغوط من أجل إنهاء مأساتهم، ولكنّ تجارب الأعوام السابقة كشفت أنّه يريد مقايضة هذه الورقة كي يحصل على مقابل سياسي ومالي.
- حول الموجة الثانية من الحراك الشعبي السوري:
بعد أيام يكون الحراك الشعبي في السويداء قد أتم سنة كاملة على انطلاقته، وعلى الرغم من مجمل عوامل النجاح، سواء من جهة التنظيم أو الحفاظ على السلمية أو انسجام الشعارات والمطالب مع تطلعات عموم السوريين في الأشهر الأولى من الموجة الأولى سنة 2011 التي عبرت عنها ثورة الحرية والكرامة ، وكذلك انسجامها مع القرارات الدولية ذات الصلة بعملية الانتقال السياسي، إلا أنّ واقع الحال يؤكد أنه لن يبلغ كل ما يريد في المدى القريب المنظور، ولكن ما هو مؤكد هو إيمان الكثيرين بأنّ هذا الحراك سيكون نواة لسيرورة جديدة تستلهم ثوابت ثورة السوريين، ولكنها تجدد وتطور من أساليب مواجهة نظام الاستبداد.
ففي يوم 25 تموز الماضي تمكن الحراك الشعبي من انتخاب كيان سياسي يمثل الحراك السلمي سياسياً وإعلامياً، وبهذا تكون الاحتجاجات السلمية التي انطلقت منذ منتصف شهر آب من العام الفائت قد أثمرت منجزاً طالما انتظره عموم السوريين.
كما جاء اعتصام الكرامة في الثاني عشر من شهر تموز الماضي متجسّداً بمظاهرات شعبية حاشدة في كل من إعزاز وعفرين، مجسداً انعطافة جديدة في سيرورة الاحتجاجات الشعبية لعدة أسباب، لعل أبرزها: الجانب التنظيمي والإداري الذي يحصّن حركة التظاهر من الجنوح لغير ما ترمي إليه، ثم المطالب العامة والحاسمة المتمثلة في رفض السوريين لأي حلول تفضي إلى تكريس سلطة الأسد، ولعلَّ الأهم من ذلك في المحاولات المتكررة بما فيها الأخيرة، ونأمل ان تحقق نجاح، بالإعلان عن خارطة طريق ، تتضمن خطة لإنشاء كيان سياسي لقيادة الثورة السورية كبديل عن الكيانات الرسمية الوظيفية التي باتت عبئاً على القضية السورية، وذلك بحسب البيان الذي صدر عن الجهات القائمة على الحراك، مما يحيل إلى مسألتين مهمتين: أولاهما تتجسّد بإحساس كبير بالمسؤولية من جهة أن الحراك ليس معنياً بالتعبير عن الاحتجاج الشعبي فحسب، بل يطمح إلى خطوات عملية أخرى، أي يهدف إلى إرساء منهج عمل للمرحلة القادمة، وتتجسّد ثانيتهما بالشروع لإيجاد قيادة تنبثق من الحراك الداخلي ذاته.
ومن الملفت للانتباه أنّ ثمة ما يجمع بين موجات الاحتجاج الشعبي، عبر تموضعاتها الجغرافية المختلفة، سواء من جهة إجماعها على التمسك بحق السوريين في عملية التغيير السياسي ورفض العودة إلى سورية الأسد ما قبل 2011، أو من جهة إصرار السوريين على استعادة المبادرة الوطنية والمشاركة الفعالة في صياغة مستقبل بلادهم. إذ إنّ اعتصام الكرامة في الشمال السوري كان قد خطا خطوة باتجاه إنتاج قيادة سياسية تستمد شرعيتها من خلال تماهيها مع هموم وتطلعات السوريين وتحسس معاناتهم وليس من استقوائها بالخارج وتماهيها مع أجنداته، ولعله إذا ما أُنجزت هذه الخطوة وتكللت بانتخاب قيادة سياسية للحراك على غرار العملية في السويداء، فإنّ من شأن ذلك أن يجعل التنسيق بين القيادتين الجنوبية والشمالية أمراً ممكناً، بل واجباً توجبه المصلحة الوطنية ليكون الرد المطلوب على ما يستهدف قضية السوريين، مع دعم الجاليات السورية في الخارج، سواء من جهة حملات التطبيع المتلاحقة والمتسارعة مع نظام الأسد، أو من جهة تهافت الكيانات الرسمية واستمرارها في التماهي مع الإرادات الإقليمية والدولية بغية الحفاظ على مصالحها الذاتية الضيقة.
إنّ عودة السوريين إلى الحراك السلمي، بعد سنوات طويلة من غيابه، ما هي إلّا إعلان واضح بأنّ التظاهر والاحتجاج للمطالبة بالحقوق هو المنجز الذي لا يمكن التخلّي عنه، فضلاً عن كونه الرأسمال المتبقي من عوامل القوة لدى جمهور الثورة.
وهكذا، يبدو واضحاً أنّ الشعب السوري مخذول من ممثلي المعارضة الرسميةالذين سطوا على قراره ومصيره، من الأطراف كلّها، التي سعت في أدائها وسياساتها لإرضاء الجهات الداعمة لها، ووضعت نفسها في مكان اليد الفاعلة في الأرض نيابة عنها، لقد استثمروا في حَراك الشعب السوري، وحرفوه عن مقاصده المُحقّة والنبيلة. خذلته المُعارَضة وخذله النظام، ومطلوب منه اليوم أن يلبس ما يفصّلونه برعاية الأطراف التي احتلّت جيوشها البلاد، وسطت على السيادة السورية. مما يفرض على الشعب السوري الاعتماد على الذات في مواجهة المُشكلات الواقعية، وإقامة علاقات مع الخارج وفقاً للمصلحة الوطنية السورية.
- آفاق عملية الانتقال السياسي:
بعد إهمال المسألة السورية من قبل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وتركها ساحة لعمل المليشيات التابعة لإيران. كما ثمة تقدير يذهب إلى أنّ انشغال العالم بحربي غزة وأوكرانيا قد أدى إلى تراجع الاهتمام بالصراع في سورية، ولكننا نرى أنّ ما رتبته الحربان أدت إلى اصطفافات إقليمية ودولية جديدة، عنوانها الرئيسي هو المصالح الاقتصادية وتأمين الممرات التجارية، مما يتطلب العمل على مخارج مقبولة للصراعات القائمة في الشرق الأوسط، سيكون لسورية موقعاً فيها.
وينطوي التطور الإيجابي للعلاقات التركية – المصرية على إمكانية انخراطهما الجدّي، بالتعاون مع أميركا والسعودية، في فتح أفق ما لحل سياسي في سورية، ضمن إطار التفاعلات في منطقة الشرق الأوسط، بما لا يعرّض المنطقة لمخاطر ديمومة الصراع فيها ، بل يساعد على فتح أفق جديد للتعاون الإقليمي، وتحديد شكل العلاقات العربية – الإسرائيلية، ومستقبل ترتيبات الشرق الأوسط الجديد.
فبعد أن سالت دماء مئات آلاف السوريين من أجل التغيير الوطني الديمقراطي أضحى هذا التغيير على جدول الأعمال السوري، رغم كل ماجرى من تهميش للقضية السورية، وبغض النظر عن التعقيدات الشديدة المحيطة بالوضع السوري والمآل الصعب الذي بلغه، لذلك من المهم محاولة رؤية محتوى ومضامين ومستويات هذا التغيير وصوغ أسئلته: كيف يمكن أن يتحقق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية؟ أي كيف يتم تفكيك النظام الشمولي والدولة الأمنية؟ ومواجهة التمزق في النسيج الوطني، وكيف يعاد إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية تشكل أساساً للتغيير بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة؟