هل مجلس الشعب يمثّل الشعب أم هو أداة وظيفية بيد نظام الأسد؟

تمهيد
أصدر رأس النظام بشار الأسد المرسوم رقم 99 ت 11/5/2024. والقاضي بتحديد 15/7/2024 موعداً لإجراء الإنتخابات التشريعية لأعضاء ما يُسمّى بمجلس الشعب. وتم تحديد المقاعد المخصصة لكل من قطاع. العمال والفلاحين بـ 127 مقعداً، وقطاع باقي فئات الشعب بـ 123مقعداً، وبذلك يكون العدد الإجمالي 250 مقعداً.
يشغل منها حزب البعث لوحده 166 مقعداً، يجري تسمية المرشحين لها من فروع الحزب بالمحافظات، و17 مقعداً لبقية أحزاب الجبهة الموالية للبعث يتم انتقائها بالتشاور والتوافق بين قادة هذه الأحزاب والبعث تحت مسمى أو ما يعرف بقوائم الوحدة الوطنية، والجميع يمر عبر الفلترة الأمنية، و67 مقعداً للمستقلين.
والجدير بالذكر بأن هذه الدورة التشريعية هي الرابعة التي تأتي بعد انفجار بركان الغضب السوري المطالب بالحرية والحقوق والكرامة في أواسط آذار لعام 2011، بوجه طُغمة الأسد المجرمة والفاسدة من رحم الألم والقهر.
وأيضاً هي الدورة التشريعية الرابعة التي ستجري سنداً لأحكام الدستور الحالي الصادر بتاريخ 27 شباط لعام 2012، والذي ألغى حصرية تفرّد حزب البعث بقيادة الدولة والمجتمع بعد إلغاء المادة الثامنة من الدستور السابق التي كانت تمنحه هذا الحق منفرداً، ليتساوى مع بقية الأحزاب الأخرى في المكانة والحقوق والصلاحيات وفق أحكام الدستور النافذ حالياً الصادر في 27 شباط لعام 2012.
وقانون الأحزاب رقم 100 لعام 2011، الذي وضع جميع الأحزاب على مسافة واحدة، ودون أن يُعطي لأي حزب أي دور استثنائي أو صلاحيات دون بقية الأحزاب الأخرى.
لكن الواقع العملي يقول لم يكن لا للدستور ولا لقانون الأحزاب أية مفاعيل على حزب البعث، إذ بقي يمارس نفس الصلاحيات والامتيازات والدور الاستعلائي والوصائي على الدولة والمجتمع، فلم يكن أي تغيير لنسب التمثيل في المجلس بالدورات التشريعية الثلاث الماضية ولا في هذه الدورة، إذ بقي حزب البعث يحتفظ لوحده بـ 166 من مقاعد مجلس الشعب البالغة 250.
يعني (نصف المقاعد+41)، بما يتناقض مع أحكام الدستور النافذ، وقانون الأحزاب المومأ إليه أعلاه.
وهذا ليس بغريب فوجودهما هو للديكور فقط، مثل وجود عشرات القوانين والمراسيم الإشتراعية التي صدرت على الورق وليس لها أية مفاعيل على أرض الواقع الفعلي مثل قانون تجريم التعذيب وعلى سبيل الذي أصدره رأس النظام برقم 16 لعام 2022، وهو لا زال يمارس التعذيب في سجونه حتى الموت.
حيث ورد في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان بتاريخ 1/6/2024 بأن 13 مدنياً بينهم طفل قضوا تحت التعذيب في سجون النظام في الشهر السابق مايو/أيار فقط.
لأن هذه الطغمة الباغية ومنذ اغتصابها للسلطة، لا تحترم قانون ولا دستور، حوّلت سورية الحضارة والعراقة والتاريخ لمزرعة مملوكة لها ومنهوبة، تمارس الحكم بالقوّة العارية والتوحش خارج إطار القانون، وفي ظل غياب أي مرجع فعّال صالح للتذكير أو تقبّل الشكوى حينما يجري التغوّل على حقوق الناس وامتهان كراماتهم.
فهل يقوم مجلس الشعب بدوره في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية والدفاع عن حقوق الناخبين؟
هنا لا أريد أن أتوسّع كثيراً بما لا يتسع له هذا المقال، لكنني سأكتفي بالإضاءة على بعض الخروقات الواضحة والفاضحة لنظام طغمة الأسد بما يدخل في موضوع هذا البحث، وهل مارس ما يُسمّى بمجلس الشعب دوره في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية؟ لنر ذلك:
1- تم إلغاء المادة الثامنة من الدستور السابق، وهذا يعني إلغاء الرخصة التي كانت ممنوحه لحزب البعث بتفرّده بقيادة الدولة والمجتمع، وسحبها منه، واستُبدلت في الدستور الجديد لعام 2012 بالفقرة الخامسة من المادة الثامنة كالتالي:
م8:
5- لا يجوز تسخير الوظيفة العامة، أو المال العام لمصلحة سياسية، أو حزبية، أو انتخابية.
لكن البعث خرق أحكام الدستور، وخالف مقتضيات هذه الفقرة؟ واستمر في تسخير الوظيفة العامة والمال العام لمصالح سياسية وانتخابية. وبقي يغرف ويهرف من الميزانية العامة للدولة ليغطي أجور مقراته التي يشغلها، ورواتب موظفيه ومتفرغيه، وتغطية كل نشاطاته وأعماله واحتفالاته، وكأن شيئاً لم يحدث؟ تماماً؟ كما حافظ على نسبة تمثيله ومقاعده بمجلس الشعب بما يخالف أحكام الدستور؟ ومجلس الشعب هو الغائب الحاضر عن كل هذه الخروقات؟ لم يبحث أو يتطرق لهذه المخالفة الدستورية؟ ولم تكن يوماً على جدول أعمالة في أي جلسة من جلساته عبر الدورات الثلاثة المنصرمة؟.
2- المادة 5 فقرة – و- من قانون الأحزاب رقم 100 لعام 2011، حظرت على الأحزاب القيام بنشاطات عسكرية، وجاء فيها:
م5:
و- ألّا ينطوي نشاط الحزب على إقامة أي تشكيلات عسكرية علنية أو سرية، أو استخدام العنف بأشكاله كافة، أو التهديد به، أو التحريض عليه.
فهل تقيّد حزب البعث بذلك، والتزم بمقتضيات تلك الفقرة؟
طبعاً لا.. وفي خرق واضح لها أنشأت القيادة القطرية لحزب البعث وتحت إشرافها في عام 2013، مجموعة من الكتائب العسكرية المسلحة من البعثيين في معظم المدن والمحافظات السورية تحت مُسمّى كتائب البعث وغيرها من تسميات، ووضعتها تحت قيادة مركزية واحدة في دمشق، وخصصت لها نفقات مالية من ميزانيتها، لملاحقة المتظاهرين السلميين وقتلهم بالتنسيق مع القوات العسكرية والأمنية لنظام الأسد.
بمعنى أن حزب البعث مارس ويمارس دوراً عسكرياً خارجاً عن القانون، وبخلاف ما تقتضيه أحكام هذه الفقرة وعلى رؤوس الأشهاد، ومع ذلك لم يصدر عن المجلس الموقر أية إشارة لاتصريحاً ولا تلميحاً لهذا الخرق الفاضح والواضح، ولم يطرحه على جدول أعماله في أي جلسة من جلساته.
3- رغم كل الجرائم الموصوفة، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، التي ارتكبها نظام الأسد بحق السوريين خلال الدورات الثلاث الماضية، حيث تفنن بقتلهم جوعاً وتعذيباً وحرقاً في السجون والمعتقلات، وبالبراميل المتفجرة، وبالكيماوي، وبكل الطرق الخسيسة التي تفتّقت عنها مخيلته الإجرامية، وملأ الأرض السورية مقابر جماعية بأجسادهم، وهدم مدنهم، وباع ثرواتهم لروسيا وإيران، وهجر أكثر من نصف السوريين عن أرضهم، وكل هذا لم يحرّك ضمير هذا المجلس المركون في ثلاجة الموتى.
لم يحتج؟ لم يعترض؟ لم يطلب مساءلة المؤسستين الأمنية والعسكرية حول كل هذه الجرائم ومسؤوليتهما عنها، لا بل لم يُقدم أي عضو من مجلس التصفيق هذا على الاستقالة احتجاجاً، لا بل استمر وبكل مناسبة إظهار وتأكيد دعمه لقتلة الشعب الذي يدعي تمثيله.
4- رغم تدهور الأوضاع المعيشية والفقر المعمم الذي طال أكثر من 90% من السورين، وقذف بهم إلى مادون خط الفقر. ورغم فشل كل السياسات الحكومية التي ساهمت في تعميق الكارثة بدل وقفها. وعصابات المافيا والسرقة والنهب لأموال السوريين وممتلكاتهم مستمرة، وبرعاية وتغطية مكشوفة من الحلقة الضيقة المتربعة على هرم هذا النظام.
رغم كل هذا لم يستخدم المسمى بمجلس الشعب حقه وصلاحياته باستجواب الحكومة أو أحد وزرائها وحجب الثقة عن أي أحد منها؟
الاستنتاجات
لا شك بأن نظام طغمة الأسد حوّل كل مؤسسات الدولة العامة والمجتمع بكل أشكالها السياسية والتمثيلية من اتحادات ونقابات ومؤسسات وبكل مستوياتها الى مؤسسات ديكورية فاقدة الروح والقرار. وربطها بخيوط الاستبداد المُحكمة، وأعاد إنتاجها لتكون استطالات أمنية، وفي أحسن الأحوال استطالات سلطوية تؤدي نفس الدور، وتعزف نفس اللحن، فهي أذرعه الأخطبوطية المتصلة بجسده والتي تؤمّن حمايته استمراره في السلطة، لا وظيفة لها رغم اختلاف مسمياتها إلّا إنتاجه في كل أعمالها وممارساتها وسياساتها، وعلى سبيل المثال:
– ألم تقم مؤسسة القضاء التي يلجأ لها المواطنون لطلب العدالة والإنصاف، بظلم الناس بدل إنصافهم؟
هذه المؤسسة التي أصدرت آلاف الأحكام الجائرة والقاسية بالسجن والإعتقال بحق الناشطين السياسيين والأدباء والمفكرين لعشرات السنوات على خلفية مواقفهم السياسية، وتنفيذاً لأوامر أمنية.
– ألم تمارس فروع اتحاد الطلبة بالجامعات السورية دور فروع الأمن منذ انطلاقة الثورة؟. وقامت باعتقال الآلاف من الطالبات والطلاب، والاعتداء عليهم وتسليمهم للفروع الأمنية على خلفية مواقفهم السياسية. واشتركهم في المظاهرات السلمية والاحتجاجات ضد النظام؟.
– ألم تُقدم إدارة الجامعات في دمشق وغيرها من المدن السورية على فصل الطلاب والطالبات خارج القانون وبتعليمات أمنية على خلفية مشاركتهم بالاحتجاجات السلمية؟.
– ألم يقوم الجيش المعني بحماية حدود الوطن والدفاع عن الأرض والشعب، بهدم المدن والقرى والبنى التحتية وقصف المدارس والأسواق والمراكز الصحية وقتل الناس بالطائرات والمدافع والصواريخ وكل صنوف الأسلحة؟
وما يُسمّى بمجلس الشعب هو إحدى هذه المؤسسات الصورية المحكومة أمنياً، جميعها تتكامل مع بعضها بعضاً في الدور والوظيفة لتٌعطي نظام طغمة الأسد شرعية مزوّرة، وتُجمّل قبحه بهدف استمراره على رأس الحكم لأطول مدة.
فصل المقال:
مجلس الشعب في حقيقته هو مجلس للعبيد والأدوات الرخيصة الساقطة، لا يصل إليه غير الوصوليين والمصفقين المطبلين، وضعاف النفوس المرضي عنهم أمنياً؟.
هم في حقيقتهم أدوات رخيصة تفوح منها رائحة القذارة.
من أراد الوصول لمجلس الشعب في مملكة الرعب والخوف والقتل والجريمة المسماة سورية الأسد، عليه أن يتقدّم بأوراق ارتزاقه، وأول ما يتوجّب عليه فعله، هو إثبات عبوديته للنظام القاتل والفاسد، والتغني بكرمه وفضائله، وإتقانه لثقافة التطّبيل والارتزاق الرخيص.
فمن سعى لترشيح نفسه إلى مجلس الدمى هذا في الدورات الثلاث الماضية، وفي هذه الدورة الرابعة والتي ستجري بعد أسابيع قليلة، سواء فاز بمرتبة مُرتزق، أم لم يحالفه الحظ بذلك وسقط في امتحان العبودية والارتزاق.
هؤلاء جميعهم هم الأكثر وضاعة ورخصاً، البلاد في حالة انقسام وطني وأخلاقي وإنساني، وهم يبيعون أنفسهم لقاتل ناسهم ومجوّع أطفالهم بثمن بخس ورخيص، فهم مخلوقات مشوّهة تشكو أمراض نقص المناعة الوطنية والأخلاقية، لا أمل بشفائهم ولا نتوجه إليهم بخطابنا هذا.
لقد أبدع عبد الرحمن الكواكبي في وصفهم بكتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” إذ لا يحمّل الحاكم فقط مسؤولية الاستبداد، وإنما لهؤلاء العبيد المرتزقة بأدوات الحاكم القذرة التي تساعده في استمرار حكمه.
بل نتوجه للسوريات والسوريين جميعاً بعدم الانسياق والمشاركة في هذه الانتخابات المزيفة التي تُسهم في إطالة عمر النظام. ولكل من لازال يحمل في قلبه ونفسه ضمير حي وحلم باستعادة سورية وتعقيمها من كل أوساخ وشرور الاستبداد والقتلة، لنعيد بنائها من جديد وبهمة حرائرها وأحرارها دولة للحق والقانون والمواطنة المتساوية.