ثورة الأسئلة السياسية في عالم الذكاء الاصطناعي

img

الأهرام – 8 أكتوبر 2026

يبدو الإنسان في حاجة إلى ثورة جديدة إلى جوار وحول وضد فيضانات سطحية، غالب ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي، هي ثورة الأسئلة حول مستقبله في عالم الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وفيضان الصور؛ ثورة أسئلة تدور حول تاريخه، ووجوده ومعناه ومستقبله، وميراث فلسفاته، وأديانه، وعقائده، ومساءلة أسئلته التي تأسست عليها إجاباته، والخروج من عوالم الإجابات التي توصل إلى بعضها الفلاسفة، والسياسيون، وعلماء الاجتماع والسياسة، والأنثروبولوجيا، والمؤرخون، والقانونيون، والمشرعون.

غالب تراثاتنا الإنسانية، على تعددها، لابد من مساءلتها في ضوء اجتياح الذكاء التوليدي الذاتي، فائق التطور، وهيمنة قلة قليلة جداً من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين على معامل تطوير الذكاء التوليدي، وأيضاً مراكز البيانات والمعلومات الضخمة في ظل تمدد الذكاء الاصطناعي إلى كافة المجالات وحقول التفكير، والإبداع التي كانت جزءاً من الفكر والمخيال والإبداع الإنساني في السرد الروائي، والسينما، والفنون التشكيلية، والهندسة، والطب… إلخ! نحتاج إلى مغادرة العقل الإنساني بعض سياجاته إلى عالم من الأسئلة المختلفة، والتحرر من الأساليب النمطية في التفكير والخيال والإجابات! ربما لا نحتاج إلى الإجابات السريعة، أو المستمدة والمستنسخة من الإجابات الفلسفية الحداثية وما بعد بعدها! لا سيما في مرحلة تحول فائق السرعة تضع كل المسارات الإنسانية السياسية في ظل رهانات الرأسمالية النيوليبرالية، وأباطرة الشركات الرقمية الكونية عند القمة في العالم، إلى مسارات تبدو من الصعوبة السيطرة السياسية والقانونية والأخلاقية عليها! مهما كانت المخاوف وإبداء الحاجة والقدرة على إبطاء تطورها والسيطرة على مخرجاتها.

ما مصير الدولة ما بعد القومية؟ في ظل تداخل وتمدد الروبوتات والبنيات الأساسية الرقمية والذكاء التوليدي الذاتي على سلطاتها وأجهزتها البيروقراطية، في سياقات حلول الأنظمة والبرامج التوليدية الذاتية محل عالم بيروقراطية الدولة القومية، وميراثها وتقاليدها وأساليب تفكيرها وعملها؛ أين ستذهب جيوش البيروقراطيات في الدول الأكثر تطوراً في شمال العالم؟ هل ستجد الصين، واليابان، والهند، ودول آسيا الناهضة، حلولاً لبيروقراطياتها الضخمة مع تطورها في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟ أين ستذهب هذه الكتل الضخمة من البيروقراطيات؟ إلى البطالة أم إلى أنماط جديدة من العمل؟ مع العلم أن عشرات الملايين لا يمكن إعادة تأهيلها لأسواق العمل لتغيره، ومعه أنماط الطلب المختلفة على الوظائفية، أو إلى عالم من الفراغ والوحدة؟ مفهوم السيطرة السياسي المرتبط بالهندسة الدستورية والسياسية والأخلاقية للدولة، هل سيستمر مع الروبوتات أم سيتم تجاوزه، وتسيطر هي على التنظيم الإنساني في المجالات السياسية، والأمنية، والعسكرية، والاستخباراتية، بل وفي النظام الاجتماعي؟

مفهوم السلطة/ السلطات الثلاث، في ظل الدور الذي ستلعبه الروبوتات، والرقمنة، هل ستستمر أم أن المفهوم سيتغير ويحل بديلاً عنه؟ في ظل سلطة لم تعد إنسانية خالصة في تفكيرها كما كانت، وفي أطر تنظيمها وهندساتها الرقمية، وإداراتها، بل وحفظ تراثها رقمياً؟

تفكير السياسي في السلطة التنفيذية، بعضهم بدأ في اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في فهم بعض المشكلات والأزمات وكيفية الوصول إلى مسارات لإيجاد حلول لها؟ من ثم الفكر السياسي في المستقبل المتوسط، والبعيد، هل سيغدو فكر الذكاء التوليدي الذاتي فقط؟ وأين البعد الإنساني في هذا الفكر المختلف، ومساحاته؟

صنع السياسات العامة، والقرارات والبرامج والقرارات ستغدو جزءاً من هندسات الذكاء الاصطناعي، في ظل بنيات رقمية فائقة ومتسارعة التطور الذاتي؟

في مجال السلطة التشريعية، الذاكرات الرقمية للتشريعات وتواريخها وهندساتها القانونية التنظيمية للنظام الاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم ستغدو جزءاً من بنية رقمية متطورة، في الفكر القانوني، بل وفي صياغة النصوص القانونية، وتفسيرها؟ والأهم لن تعود الفلسفات القانونية الوضعية، وتاريخها ما قبل الحداثي -الروماني والمسيحي-، والحداثي وما بعد بعده، هي التي سوف تتأسس عليها فلسفة الذكاء التوليدي الذاتي، بل تفسيره وتحليله للقوانين التي سوف تقترحها لمشرعي السلطة التشريعية، الذين سيلجؤون إليه فرادى أو أحزاب سياسية إن وجدت مستقبلاً؟

مفهوم الرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية، قد يحل محله رقابة أنظمة الذكاء التوليدي، من خلال رصد السياسات والبرامج والقرارات الحكومية، والسلوكيات البيروقراطية وتجاوزاتها، وانتهاكاتها للقانون، وخاصة البيروقراطية الأمنية في ظل أنظمة الرقابات المتعددة في الطرق، والمنازل، والأجهزة الحكومية، وأيضاً من خلال رقابة الأفراد، والجماعات في الواقع الفعلي، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي؟ السلطة القضائية أيضاً ستختلف أنظمتها، والدور الإنساني خلالها، سواء جماعة القضاة، أو الموظفين في المجال الإداري للقضاء والمحاكم! هل سيستمر الدور الإنساني في العمليات القضائية وإجراءاتها أم سيتداخل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة؟ المرجح أن البنية الرقمية القضائية تجددت نسبياً في بعض الأنظمة القضائية المقارنة الأوروبية والأمريكية، من حيث الدعاوى القضائية في جميع المجالات، وإعدادها وتصنيفها، وسيستمدد ذلك إلى تحليلها، وطبيعة مشكلاتها الواقعية، وطبيعتها القانونية، والمواد الناظمة لها في التشريعات، بل وفي المساهمة في إصدار الأحكام القضائية، وفي إعداد حيثياتها القانونية! وقد يؤدي ذلك إلى التأثير على نظام المحلفين في الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تأخذ به، أيضاً في مجال المحاكمات الجنائية! بدأت التغيرات في نظام المحاكمة عن بُعد من خلال الشاشات الرقمية، وهو ما حدث أثناء جائحة كورونا وفيروسها المتحور، في ظل نظام الإغلاق الكلي والجزئي في بعض الدول الأوروبية! لا شك أن هذا الاتجاه سيتعاظم مستقبلاً.

يمكن تصور دور ما في المستقبل المتوسط أو البعيد للروبوتات أو برامج للذكاء التوليدي في إجراء التحقيقات المنوطة بالنيابة العامة أو التحقيقات القضائية، أو في تحقيقات جهات الضبط؟

تطورات وأسئلة لا يزال بعضهم يتجاهلها تحت وقع الصدمات التكنولوجية، والأزمات الاقتصادية، والاضطراب في مراحل التحول من الإمبراطورية الأمريكية إلى عالم متعدد الأقطاب في طور التشكيل، وتمدد مفهوم العقل العفن Brain Rot – وفق مصطلح قاموس أكسفورد 2024 – كنتاج لعالم الإفراط في استهلاك المحتوى السطحي والتافه لمحتوى وسائل التواصل، والتشتت، والسطحية الرقمية، والصور الومضاتية، والقرارات، والنظرات الومضاتية على وسائل التواصل الاجتماعي. من ثم الجماهير الرقمية الغفيرة، لا سيما في جنوب العالم، وعالمنا العربي، تعيش أسيرة الومضة، واللحظة العابرة، وفي حالة من الهوس بإثبات وجودها الفعلي وهروباً منه من خلال وجودها الرقمي، أو من خلال المحادثات مع الـAI، والأنظمة الأخرى في تخيلاتها، أو تطوير وتجميل صور الذات لبثها على الحياة الرقمية، أو إثبات قدراتها العقلية، وآرائها المرسلة من خلال كتابات الشات جي بي تي أو غيره، أو لكتابة المقالات، والروايات، والقصص، أو الأطروحات والبحوث الجامعية.

الحياة الومضاتية للعقل العفن ناقص الانتباه والمشتت، والغائب عن التركيز والعمق، يبحث غالبُه عن الإجابات، والأسئلة النمطية، والسطحية والسريعة، سعياً وراء اطمئنان ما، لكنه بعيداً عن أسئلة المصير الإنساني في ظل التحولات فائقة السرعة، بل والتي ستغدو قريباً ومضاتية.

“العقل العفن” المشتت يعتقد أنه في حياته الرقمية أكثر حرية – على الرغم من خضوعه للرقابات من الشركات الكبرى، وأجهزة الأمن والاستخبارات، ورقابات الأفراد والمجموعات لهم – بينما تخضع منشوراته، وأفكاره، وآراؤه، وصوره، وفيديوهاته إلى برامج رقابة الشركات الكبرى، وأنها توظف رغباته لإعادة تشكيله فكراً وتشتتاً وسلوكاً، واستهلاكاً.

مفهوم الحرية والسلطة والقانون، هل ستستمر هذه الثلاثية قائمة، في ظل الذكاء التوليدي والروبوتات، حيث يخضع الفرد والجماعات، أسيرة دور هندسات الذكاء الاصطناعي؟ والأنظمة الرقابية والروبوتية، هل هي حرية البطالة والحياة في ظلها؟ هل هي حرية الفراغ؟ الحرية هنا تجاه من؟ الروبوتات؟ أم سلطتها؟ أم الشركات الكبرى الرقمية؟ أم تمرد إنساني ما، فردي أو جماعي؟! سيحدث يوماً ما؟!

في ظل “العقل العفن”، المشتت، ما هي انتماءات الفرد؟ هل لذاته أم لأحد أنظمة الذكاء التوليدي الذاتي؟ هل للأسرة التي تفككت مع تطورات الرأسمالية النيوليبرالية، أم للوظيفة؟ أم للشركة؟ أم للقومية؟ مفهوم الانتماء ذاته سينتهي، وتحل محله روابط أخرى، مثل العلاقة مع نظام للذكاء التوليدي… إلخ! الهوية الفردية تجاه من ستتحدد، أم أنه مفهوم سيغادر الحياة الجديدة المغايرة؟

هل ستصبح الكتابة المهجنة بالذكاء التوليدي في عديد المجالات إبداعاً؟ في ظل تمددها، هل العقل الإنساني عموماً، والعقل العفن، سيظل هو مركز الإبداع الإنساني أم سيصبح عقلاً معتقلاً أو مصادراً لصالح العقل الاصطناعي التوليدي؟

ثمة حاجة للأسئلة؛ لأنها ستظل هي المحرك للعقل الإنساني اليقظ، عقل قلة القلة المحدودة في عالمنا كله، التي ربما ستقاوم طغيان التطور الرقمي، والذكاء الاصطناعي!

التطورات الراهنة والمقبلة تبدو بعيدة نسبياً عن العقل شبه الجمعي للكتل الرقمية والفعلية الغفيرة في العالم العربي؛ لأن بلدان العسر، واليسر، يواجهان مشكلات كبرى من جراء سلطانها الاستبداد السياسي، والفشل النخبوي والسلطوي الحاكم، وأيضاً في هيمنة السكون في عالم الاستهلاك المفرط وإدمانه في دول اليسر، أو السعي وراء الخبز، والكفاف في دول العسر، وفي ما وراء كلا الدائرتين، اليسر والعسر، عالم من اليقين الجمعي بالثقافات الشعبية والدينية، والأساطير والمفاهيم الماورائية الجبرية، والقضاء والقدر والاستكانة إليها، بينما العالم يدلف سريعاً إلى ما بعد الإنسانية!


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة