الانقسام الاصطناعي: لا تصرخ داخل الضجيج

img

سؤال كان يشغل رأسي وربما رأس كثيرين.. كيف يمكن أن تُضبط وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تتحول فعلياً إلى أداة إيجابية – كما هو اسمها – في نشر الرأي، والتواصل الفعلي، بدلاً من تحولها إلى ساحة حرب، ووسيلة للانقسام، وبث السموم والعدوى؟ لهذا استشرت أكثر من مختص، أبحث عن خلاص أو حتى رأي، وطبعاً كانت النتيجة أن أغرقت بوابل من التفاصيل والمعلومات الفنية التي لا أفهم أغلبها، ولكني استطعت أن ألخص المحصلة بالتالي:

في عصرنا الرقمي، يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي مثل (فيس بوك- اكس – تيك توك.. وغيرها) التي يفترض أنها صممت لتكون أدوات للتواصل ونشر الرأي وتبادل الأفكار، وتسهيل الاتصال بين الناس بشكل أسرع من أي وقت مضى. ولكن الواقع يكشف أن هذه المنصات، بدل أن تظل أدوات إيجابية للتفاعل والنقاش، أصبحت فضاءات يمكن أن تقع فيها بسرعة في دوامة من الغضب والانقسام والمعلومات المضللة، غالباً دون أن يدرك المستخدم مدى تأثير ذلك على وعيه وسلوكه الاجتماعي. هذه الدوامة لا تظهر في اللحظة نفسها، لكنها تتشكل تدريجياً عبر كل تفاعل، كل إعجاب، وكل تعليق، مما يجعل فهم هذه الآلية خطوة أساسية للخروج من المطب الرقمي واستعادة السيطرة على وقتك ووعيك، بدل أن تتحول إلى مجرد متلقي سلبي لما يُقدَّم لك.

المنصات المجانية لا تبيع لك التطبيق نفسه، بل تبيع انتباهك للمعلنين. كل دقيقة تقضيها على المنصة، كل منشور تقرأه، كل فيديو تشاهده، وكل إعجاب أو تعليق أو مشاركة تقوم بها، هي بيانات ثمينة تُحوّل إلى سلعة مالية. وكلما بقيت أطول، رأيت المزيد من الإعلانات، وكلما تفاعلت أكثر، أصبحت ملفاتك الرقمية أكثر دقة. أما المحتوى المستفز، الذي يثير الغضب أو الخوف أو الانفعال، فهو الأكثر قدرة على إبقائك متفاعلاً، لأن المنصات تعرف أن ردود الفعل السريعة والمشحونة بالعاطفة تزيد من فرص بقائك على التطبيق لساعات إضافية. وهكذا، تجد نفسك مغلفاً بعالم مصمَّم خصيصاً ليبقيك داخل دائرة التفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب راحتك النفسية أو وعيك الواقعي، مع شعور زائف بأنك تختار ما تشاهده بحرية.

الخوارزمية، وهي البرنامج الذكي الذي يحدد ما يظهر لك بالضبط، تراقب كل شيء: إعجاباتك، وتعليقاتك، ومدة مشاهدة الفيديوهات، وحتى المنشورات التي تتجاهلها أو تتخطاها. من خلال هذه المراقبة الدقيقة، تبني المنصة ملفاً رقمياً عن ميولك واهتماماتك، ثم تبدأ بتقديم المحتوى الذي من المرجح أن يبقيك أطول، حتى لو كان مستفزاً أو مثيراً للجدل أكثر من كونه مفيداً. النتيجة أنك تشعر أنك تختار ما تراه، بينما في الواقع، يتم اختيار المحتوى لك بعناية لضمان بقائك داخل دائرة معينة من المعلومات والانفعالات، بحيث تصبح عاداتك الرقمية جزءاً من دائرة تأثير خفية تتحكم بما تفكر فيه وتشعر به.

في الحالة السورية، تصبح هذه الآلية أكثر خطورة وتعقيداً، لأنها لا تنقل الانقسام الحاصل فقط، بل تعيد إنتاجه وتكثفه، وتسرّع من انتشار الخطاب الطائفي على نحو لم يكن ممكناً في السابق. حادثة بسيطة – مثل تصريح سياسي، خلاف محلي، أو خلاف عائلي يُنشر على وسائل التواصل – قد تتحوّل بسرعة إلى حكم شامل على جماعة كاملة أو انتماء طائفي معين. المنشور المستفز يحصل على تفاعل مرتفع، فتقوم الخوارزمية برفع انتشاره، ويعلق المستخدمون بغضب أو تأييد أو دفاع، مما يحوّل المحتوى إلى “حقيقة نفسية” لدى الجميع، وتبدأ عملية تكريس الانقسام في العقل الجمعي للمستخدمين. ومع كل حادثة جديدة، تتكرر العملية، فتتشكل دائرة تضخيم مستمرة للقوالب الذهنية مثل نحن/هم، الضحية/الخائن، “المعتدل” مقابل “المتطرف”، وما إلى ذلك. هذه العملية تجعل الانقسام يبدو طبيعياً وبديهياً لدى الكثيرين، بينما الواقع الفعلي على الأرض أكثر تعقيداً وتنوعاً بكثير. ما يبدو على الشاشة وكأنه صراع جماعي تاريخي متجذر هو غالباً حادثة فردية أو سياق محدود أُعيد إنتاجه رقمياً بطريقة مبسطة ومشحونة بالعاطفة، بحيث تتحول أحداث يومية عادية إلى معارك رمزية على الانتماءات والهوية.

على سبيل المثال، يمكن أن يُثار نقاش حول تصريح سياسي لشخصية عامة، فتبدأ التعليقات في مهاجمة انتماءه الطائفي أو السياسي، ويُشارك المستخدمون صوراً ومقالات قديمة تُربط بنفس الانتماء، فتنتشر بسرعة حلقات من الغضب المتبادل، ويصبح النقاش عن الشخصية أو الحادثة مجرد غطاء للصراع الطائفي المكثف، وكل ذلك يُضخم عبر الخوارزميات بشكل غير واعٍ من قبل المستخدمين أنفسهم.

لكن هناك طرق للخروج من هذا المطب الرقمي، ويمكن لأي مستخدم أن يبدأ بتطبيقها تدريجياً. أولها عدم تغذية الخطاب المستفز: تجاهل المنشورات التي تثير الغضب، لا تعلق، لا تشارك، ولا ترد على الاستفزازات، فكل تفاعل مع هذه المنشورات يعزز انتشارها ويزيد من نفوذها على الخوارزمية.

ثانياً، تفاعل بوعي مع المحتوى المفيد: اقرأ بعناية، وأعجب أو علق فقط عندما يكون ذلك داعماً للفهم والتحليل وليس الانفعال، وركّز على الأمثلة الواقعية والتحليل والنقاش الهادئ. استخدم أدوات المنصة لصالحك، مثل كتم أو إلغاء متابعة الحسابات المزعجة، أو استخدام ميزة “غير مهتم” لتقليل ما يصل إليك من محتوى ضار أو مستفز. قسم وقتك وحدد فترات للتصفح، فترات راحة يومية تقلل من تأثير الخوارزمية على وعيك، وتجعل التجربة أكثر وعياً وانتقائية. ركّز على الجمهور القابل للتفكير، حتى لو كنت على خلاف معه، بدل محاولة إقناع المتطرفين، وكرر الفكرة بصيغ مختلفة وأمثلة متنوعة لتعزيز نفس الرسالة بدون الانفعال، فالقوالب لا تُكسر من مرة واحدة، بل تحتاج تراكماً وصبراً وانضباطاً في التفاعل.

باختصار، وسائل التواصل لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد إنتاجه بطريقة تختصر التعقيد لصالح الانقسام، وفي الحالة السورية يُستغل هذا لتسريع وإعادة إنتاج الخطاب الطائفي بشكل متسارع ومبالغ فيه، ما يجعل بعض الأحداث اليومية تبدو كأنها صراعات تاريخية ممتدة. لكن بإمكانك استعادة السيطرة على تجربتك الرقمية: تجاهل المستفز، ركّز على المحتوى المفيد، كرّر التفكير والتحليل، واستخدم المنصة لصالح وعيك بدل أن تصبح أداة لتكريس القوالب. لا تصرخ داخل الضجيج، بل غيّر طريقة فهم الناس للضجيج نفسه، وهكذا تتحول من متأثر بالمنصة إلى فاعل واعٍ ومتحكم بتجربته الرقمية، قادر على حماية وعيه ومحيطه الاجتماعي من الانقسام الاصطناعي.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة