سورية بين القوالب والصدمات: قراءة في واقع لا نراه

img

ثمة واقع لا تراه العيون بسهولة. لا يتشكل هذا الواقع فقط في السياسة، ولا في الانتماءات الفكرية والدينية، بل في طبقات الإدراك نفسها، في الطريقة التي يرى بها كل سوري العالم ويعيد إنتاج صور الآخرين، وفي التفاعلات اليومية التي قد تبدو بسيطة لكنها ملوّنة بالصدمات والخوف. وما زال يعيش صدماته اليومية بصمت الذهول، يختبر أشكالاً من الحياة عبر مزيج معقد من الخوف، اليقين الوهمي، والشكوك الداخلية. يعيد إنتاج قوالبه الخاصة كحصن يحميه من رؤية الحقيقة كاملة، وحصن يغلق أمامه أحياناً أبواب التغيير والفهم الحقيقي. القالب هنا ليس مجرد حماية، بل سجن نفسي يمنع أي فهم حقيقي لما يحدث حوله، ويخلق وهم السيطرة بينما كل شيء يتفلت من بين يديه، حتى أبسط القرارات اليومية تصبح اختباراً للولاءات والصدمات الماضية.

الانقسام السوري اليوم لا يمكن اختزاله في ثنائية “موالٍ مقابل معارض”. إنه شبكة معقدة من الولاءات، الانتماءات، المخاوف، والخيارات اليومية التي صاغتها سنوات العنف والهجرة والخسائر. هناك من يناصر السلطة، وهناك معارضون يختلفون في الأهداف والاستراتيجيات، وليسوا كتلة واحدة متماسكة. هناك انقسامات هوياتية واضحة: من الانتماء الوطني العام إلى الانتماءات الفرعية الطائفية، المناطقية، والإثنية. كل موقف، كل قرار، كل انفعال ينبع من تجربة مريرة وصدمات لم تُعالج بعد أو لم يجد لها الفرد وقتاً للشفاء. ما حدث سياسياً أعاد تشكيل الانتماءات الدينية والسياسية معاً، وأضاف إليهما كل تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الانتماء لا يقاس بالمعتقد فقط، بل بالتجربة، بالخوف، وبكيفية البقاء على قيد الحياة، على قيد الكرامة، في عالم لا توجد فيه ضوابط واضحة. وحتى داخل الأسرة الواحدة، قد يرى كل فرد العالم من منظوره المحدود، محاطاً بجدران معرفية تمنعه من رؤية الآخرين كما هم، فتتضخم الصور النمطية وتتحول إلى أعداء وهميين.

قبل الحرب التي شنها النظام الفار على السوريين، كان هناك شعور بهوية مشتركة جزئياً، قائماً على العيش المشترك والتاريخ المتقاسم، رغم الاختلافات البسيطة والتفاوتات الطبقية والثقافية. الحرب قلبت كل شيء. بعض الناس صار يرى الانتماء الديني والطائفي وسيلة للبقاء الوحيدة، بينما آخرون مازالوا يختبرون الانتماء الوطني كخيط ضعيف يربطهم بالوجود والحياة اليومية. الهجرة والتهجير أعادوا تشكيل التجربة لكل فرد: من عاش المحنة في الداخل ومن عاشها في الخارج، كل منهما يواجه واقعاً مختلفاً. العلاقات الأسرية تفتتت، الثقة بين الناس اهتزت، ومفاهيم الوطن والأمان والسلطة أصبحت رموزاً فضفاضة بلا محتوى ثابت.

الحرب تركت صدمة ثلاثية: التشريد القسري، فقدان الأمان، وسقوط منظومة القيم التقليدية أمام واقع مليء بالعنف والخسائر، وعدم الفهم، وعدم اليقين. هذه الصدمة لم تؤثر فقط في الأفراد، بل شكلت طريقة تفسير الواقع والتفاعل معه، حتى بعد أن هدأت أصوات الطلقات. مازالت كل محاولات التلاقي تصطدم بضعف الفهم والتفكيك، والقوالب المسبقة، تراجع الثقة بين الناس والمؤسسات، وإحساس الكثيرين بأن تجاربهم لم تُحتوَ بشكل عادل. وكل طرف يحرس صورته عن الآخر كما شكلتها له سنوات الألم والخوف، فتصبح أي محادثة، أي لقاء، اختباراً للولاءات والذكريات المؤلمة أكثر من كونها حواراً أو نقاشاً مفتوحاً.

داخل هذا الواقع، تكمن القوالب الإدراكية. كثير من السوريين يحملون صوراً جاهزة عن الآخر، معتقدات مسبقة، روايات متكررة، بدل أن ترتكز على التجربة المشتركة. الحرب، التي كان يمكن أن توحد، صارت أداة لتكريس الانقسام وتشتت أي إمكانية للتلاقي. كل قصة يرويها أحدهم عن “الآخر” تعيد إنتاج الصدمة القديمة، وتعزز الجدران المعرفية. حتى النكتة أو الدعابة قد تُعتبر تهديداً إذا اقتربت من هذا القالب، فتتحول الضحكة إلى حذر، والحديث إلى رقابة داخلية مشددة. ولم يعد يكفي القول تفاؤلاً: “سورية ستنجو” أو “اطمئنوا الأمور تحت السيطرة”.

هنا يظهر أثر ما يمكن تسميته بـ “عالمين سوريين”: عالم الداخل الذي يعيشه من بقي في الأراضي السورية، ويواجه واقعاً محمّلاً بالقصص اليومية للعنف والخوف، من الشارع إلى المدرسة إلى السوق، وعالم الخارج الذي يراه من هاجر، ويحاول بناء حياته بعيداً عن القنابل لكنه محمّل بالحنين والذكريات المؤلمة. كل عالم يشكل تصوراته عن الآخر عبر صدمة خاصة وتجربة مختلفة، ما يخلق فجوة معرفية تتوسع يومياً تجعل أي محاولة للتواصل أو لفهم الواقع صعبة ومعقدة، حتى في أبسط الحوارات اليومية.

ومن هنا تظهر مشكلات “أذان الطين، الحواجز العميقة التي تمنع الفهم المشترك: غياب أي تصور لعقد اجتماعي جامع يجعل كل طرف يبحث عن نظام بديل يعيد له شعور الانتماء والأمان. هشاشة الثقة بين الأفراد بعد سنوات من العنف والهجرة والصدمات تجعل أي محاولة للتقارب صعبة، وحتى المبادرات الصادقة تتعثر أمام سنوات من الخوف والريبة. القوالب الرمزية، الدينية والسياسية والمعرفية، التي كانت أدوات للتماسك، صارت أحياناً أدوات للانقسام، تعيد رسم الآخرين بطريقة مسبقة، تحجب التجربة الحقيقية عن عين كل شخص.

اليوم، السوريون لا يختلفون فقط في المواقف السياسية أو الانتماءات الفكرية والدينية، بل في قواعد رؤية الواقع نفسها. هذه القواعد، المتشكّلة عبر تاريخ من الصدمات والتجارب اليومية، تنتج أنماط فهم متباينة يصعب أن تلتقي دون تفكيك منهجي. الفهم الحقيقي لا يبدأ من منطلقات جاهزة، بل من قراءة مركبة تدرك أن ما يجمع الناس اليوم ليس اختلافاً في الرأي فقط، بل اختلافاً في طريقة النظر للحياة نفسها، في كيف يعي الفرد الخطر، كيف يصنف الصح والخطأ، كيف يختار الثقة، وكيف يقرأ الرموز اليومية المحيطة به.

تفكيك هذه القوالب اليوم لم يعد خياراً نظرياً؛ أصبح شرطاً أساسياً لأي حوار حقيقي، وأي علاج نفسي وحتى لأي محاولة لفهم الواقع السوري بشكل مستدام. أي محاولة لفهم الواقع دون النظر إلى البنية التي أنتجته ستبقى تدور في نفس الحلقة، وستعيد إنتاج الانقسامات نفسها، رغم كل الجهود. ما نحتاجه اليوم ليس إجابات جاهزة، ولا تبسيطاً يريح الضمير، بل قدرة على رؤية الواقع كما هو، بكل طبقاته، بكل صدماته، بكل قسوة حقيقته، قبل أن نحاول تغييره أو إيجاد حلول له.

الخطوة الأولى، إذاً، ليست اتخاذ موقف من هذا أو ذاك، بل البدء بتفكيك القوالب، فحص الطبقات، ومواجهة الصدمات المكبوتة. لا يكفي أن نقرر أن الواقع خاطئ أو غير منصف، بل يجب أن نراه بعيون واضحة، من الداخل والخارج، من كل زاوية، لنفهم كيف تشكلت المعتقدات، الولاءات، والخيارات، وكيف أعادت الصدمات رسم تصور الناس عن بعضهم البعض. هذا الفهم ليس مجرد معرفة، بل أداة للبقاء، وأداة لتشكيل أرضية للتلاقي المستقبلي، قبل أن يتحول الواقع إلى كابوس لا يمكن حتى تفسيره.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة