في الذكرى 15 للثورة السورية

img

تمر اليوم 18 آذار/مارس، الذكرى الخامسة عشر لانطلاقة الثورة السورية العظيمة، التي تُوِّجت بإسقاط نظام الأسد المستبد الفاسد، وإنهاء مرحلة قاتمة ومرعبة في تاريخ سوريا امتدت لحوالي 6 عقود تحت حكم البعث وعائلة الأسد المجرمة.

نتذكر الشهداء الأبرار الذين ضحوا بأغلى ما عندهم من أجل الحرية والكرامة، نتذكر تضحيات السوريات والسوريين التي تحتاج لمجلدات لعرضها من معاناة في السجون والتعذيب على أيدي جلادي عصابة الأسد، ومن نزوح بالملايين هرباً من القصف والقتل بالبراميل والكيماوي وبكل الوسائل الوحشية الممنهجة لإبادة الإنسان السوري وتغيير بنية المجتمع الديموغرافية وتدمير البنية التحتية وكل مقومات الحياة، إلى غرق الآلاف في البحار هرباً من جحيم الأسد، إلى جلب ميليشيات طائفية قتلت السوريين باسم شعارات متخلفة منبعها نظام الملالي الإيراني الذي يصارع هذه الأيام مصيره، ومعه حزب الشيطان اللبناني الذي هو أيضاً يعد أيامه الأخيرة، وذلك يحقق مقولة “الله يمهل ولا يهمل”.

السوريون اليوم يشعرون بأنهم أحرار، فما جرى من إسقاط للنظام وإعادة سورية إلى أهلها وإلى العرب والعالم، حدث لا يقدر بثمن، بعد أن كانت سمعة سورية في الحضيض في عهد الأسد الذي حولها إلى مركز لصناعة وتجارة الكبتاغون، وبعد أن كانت مملكة للرعب، فتحولت إلى بلد آمن مفتوح لكل أبنائه يستقبلهم بالترحاب دون أن يتعرضوا للتحقيقات الأمنية والاعتقالات العشوائية.

وقد اعترف العالم كله بسورية الجديدة وبأن السوريين شعب حر يعيش على أرضه الطيبة. وكل ذلك لا يعني أننا تجاوزنا الصعاب والتحديات.

فمرحلة البناء والإعمار أصعب من الحرب. فبينما احتاج تحرير سوريا لحوالي 11 يوماً وهروب السفاح من دمشق، فإن بناء البلاد والاقتصاد والإنسان، هي مهمات لا يمكن إنجازها بسرعة، بل تحتاج لسنوات.

ووجد السوريون بلادهم مدمرة ومنهكة بسبب سياسة عصابة الأسد على مدى أكثر من 5 عقود.

سورية كانت لعقود خارج التاريخ من حيث التطور والتقدم والخدمات والفكر والثقافة والاقتصاد، واليوم تجابه البلاد بحكومتها وشعبها تحديات هائلة، منها إنجاز تحقيق الأمن والاستقرار وتوحيد البلاد وإلغاء الميليشيات ذات الأجندات اللاوطنية وحصر السلاح بيد الدولة السورية التي فيها حكومة واحدة وجيش سوري واحد وبلاد موحدة يحرسها أبناؤها. وأمامنا كسوريين مهمات تحسين الواقع المعيشي والبدء بإعمار اقتصادي واجتماعي شامل، وهذا يحتاج لقدرات مالية كبيرة وعدت بعض الدول الشقيقة والصديقة تقديم الاستثمارات للمساهمة في إعادة البناء، ولكن الأحداث الإقليمية الأخيرة عرقلت هذا الأمر. وبنفس الوقت نتساءل: أين رجال الأعمال السوريين الذي من واجبهم الاستثمار في وطنهم لدفع عجلة التنمية الضرورية؟

وتتخذ الحكومة السورية سياسة عقلانية متزنة حيال الأوضاع في الداخل والخارج. فهي تسعى لتجنب أي تورط في صراعات دموية ويهدد المصالح الوطنية.

فنرى مثلاً أن سياسة الدولة في محافظة الحسكة، بالرغم من حساسية الوضع والواقع المر الذي خلقته عصابة قسد الإرهابية من قمع وإفقار وحرمان الناس من أبسط الخدمات وإهانة المواطنين بكافة مكوناتهم، إلا أن الدولة وبصبر طويل ونظرة استراتيجية تحتوي قسد وأخواتها لكي تفككهم وتنهي وجودهم ككيانات وتسود الدولة في كل مكان في المؤسسات الحكومية والجيش والأمن والاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء، وتنتهي أسطورة قسد وروج آفا المزعومة.

وانطلاقاً من أن محافظة الحسكة جزء أساسي ومهم من سورية، من واجب الحكومة الاستماع لنداءات أهلنا في محافظة الحسكة من عرب وكرد وسريان آشوريين لحمايتهم من الاعتقالات والقنص والعديد من الممارسات المعادية للمواطن ابن الجزيرة السورية. ويجب عدم تقديم شخصيات لها تاريخ إجرامي لتقلد مناصب حكومية، فهذا يدنس سمعة المؤسسات ويسيء إلى كرامة ضحايا هؤلاء المجرمين. ويجب تحرير كل المعتقلين وإشراف الأمن العام على السجون.

نحمد الله أن سوريا يقودها اليوم شخص مثل الرئيس أحمد الشرع الذي يدير البلاد بحكمة وعقلانية ووطنية، وهو يمشي في حقل ألغام ويعمل على حفظ أمن وسلامة البلاد، ويعيد الصورة المشرقة لسورية في كل مكان.

من جانب آخر، هناك ملاحظات وتمنيات لمؤسسات الدولة في البلاد نقولها من باب الحرص الوطني ومن باب الخوف على سورية وقيادتها، وليس من باب التشويش والمتاجرة والبحث عن مكاسب خاصة.

تحتاج سورية إلى انفتاح على الناس الوطنيين الشرفاء، على القوى والشخصيات السياسية الوطنية المعروفة بإخلاصها ومقارعتها لنظام الأسد على مر عقود، والاستفادة من الكفاءات العلمية السورية ذوي الخبرات المعروفة للمساهمة في بناء سورية الجديدة. ومن أجل ذلك يجب بناء قاعدة معلومات لتلك الخبرات للسوريين في الداخل والخارج.

سورية لكل السوريين وليست ملكاً لشخص أو فئة كما كان يعتبرها الأسد الهارب.

سورية تبنى بسواعد كل أبنائها دون تمييز على أساس الانتماء السياسي أو الاجتماعي أو الديني أو الطائفي.

سورية بلد حضاري عريق غني بتراثه الثقافي والديني والفكري والسياسي، ويجب أن تستوعب الجميع كل حسب طاقته ومؤهلاته تحت شعار الوطن للجميع.

مر على التحرير قرابة السنة و3 أشهر، وحان الوقت للتعامل مع السوريين بعيداً عن الشعارات والمهرجانات والمؤثرين والإعلاميين وبعض المصفقين. اليوم يجب وضع أسس وطنية شفافة للتعامل مع السوريين بشكل مؤسساتي بعيداً عن الممارسات الشخصية والشعبوية، وأن يعطى الخبز للخباز.

نقدر جهود كل من ناضل وكافح من أجل تحرير سوريا من ثوار ونخب ومقاتلين، ولكن اليوم يجب أن تكون الأولوية للكفاءات الوطنية النزيهة الخبيرة التي يجب أن تنقل خبراتها للشباب للمساهمة الحقيقية ببناء سورية المستقبل.

سورية تحتاج لإعادة بناء شاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وتعليمية وفكرية، ويجب أن يحق لكل سوري أن يشارك في ذلك البناء كل حسب قدراته.

أتذكر حديثاً للراحل خيري الذهبي الكاتب والروائي والمثقف السوري الكبير، قال لي مرةً إن حزب البعث عندما استلم السلطة نصب شباباً ممن انتسبوا للحزب على رأس المؤسسات الثقافية وهم ليس لديهم خبرة بالثقافة، وإنما لديهم الولاء والتصفيق للبعث، فماذا حصل؟ حصل تدمير ممنهج وتقزيم للثقافة في سورية، علماً أن سورية هي بلد الثقافة والتاريخ والحضارة. وهذا مثال واحد.

تحية لشباب سورية الذين فجروا الثورة وضحوا بأغلى ما عندهم من أجل مستقبل كريم للسوريين جميعاً.

الرحمة على أرواح شهداء الحرية والكرامة.

وتحية لنساء سورية الماجدات اللاتي سطرن صفحات من البطولات إلى جانب الرجل للوصول إلى هذه الأيام الجميلة بدون أسد وبدون أي ظلم واستبداد.

عاشت سورية حرة كريمة وطناً آمناً لكل أبنائه.


الكاتب الدكتور محمود الحمزة

الدكتور محمود الحمزة

أكاديمي وسياسي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة