الجوع إلى السلطة: حين تتحول السياسة إلى فخّ تاريخي
في التاريخ السياسي لا يكون الجوع دائماً جوعاً إلى الخبز. أحياناً يكون الجوع أشد خطورة وأكثر تعقيداً: جوع إلى السلطة. وهو جوع لا يصيب الأفراد وحدهم، بل قد يصيب حركات كاملة، بل تيارات فكرية بأكملها. وعندما يحدث ذلك يصبح المشهد السياسي معرضاً لسلسلة من المفارقات القاسية؛ إذ يتحول السعي إلى الحكم من مشروعٍ للتغيير إلى فخٍّ تاريخي يُنصب بعناية لمن يسارع إليه.
في العقود الأخيرة برزت هذه الظاهرة بوضوح في تجربة الحركات الإسلامية السياسية. فالكثير من هذه الحركات نشأ في الأصل داخل فضاء الدعوة أو الاحتجاج الأخلاقي على السلطة، لا داخل فضاء بناء الدولة الحديثة. ومع ذلك، وحين فتحت التحولات السياسية أبواب الحكم فجأة في دول الربيع العربي على وجه خاص، اندفعت قطاعات واسعة منها نحو السلطة اندفاع الجائع نحو الطعام، دون أن تتوقف طويلاً أمام سؤال جوهري: هل نملك بالفعل الأدوات السياسية اللازمة لحكم دولة عصرية؟
المشكلة هنا ليست في الرغبة في السلطة بحد ذاتها؛ فالسياسة في جوهرها هي إدارة السلطة. لكن المعضلة تكمن في الفجوة العميقة بين التراث الفقهي الذي تشكلت ضمنه هذه الحركات، وبين تعقيدات الدولة الحديثة. فالفقه الإسلامي، على غناه الكبير في مجالات التشريع والأخلاق والتنظيم الاجتماعي، لم ينتج عبر تاريخه الطويل منظومة مؤسساتية أو أدوات سياسية معاصرة لإدارة الدولة الحديثة بمفهومها البيروقراطي والدستوري المعقد. لقد كان الفقه يتعامل مع سلطة قائمة، يضبطها بقيود شرعية، أو ينصحها أو يقيّدها أخلاقياً، لكنه لم يكن مضطراً إلى تأصيل أو تصميم الدولة نفسها. إلا في حالة معاصرة واحدة هي – للمفارقة – النموذج الذي يرفضه سواد المسلمين، والمقصود دولة الولي الفقيه.
ومع ذلك، فإن هذا الوعي النقدي نادراً ما كان حاضراً بقوة في لحظات الاندفاع نحو الحكم. فحين فُتحت أبواب السلطة في أكثر من بلد، تحولت تلك اللحظة إلى اختبار قاسٍ. دخل الإسلاميون إلى المجال التنفيذي للدولة وهم يحملون رصيداً تعبوياً كبيراً، لكنه لم يكن بالضرورة مصحوباً بأدوات إدارة سياسية أو مؤسساتية قادرة على التعامل مع اقتصاد معقد، وبيروقراطية مترهلة، ومجتمعات متعددة المصالح والهويات.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود هذا الاندفاع وحده. فالمشهد الدولي نفسه لم يكن غائباً أو محايداً تجاه هذه اللحظة. بل إن القوى الكبرى التي ترسم موازين النظام العالمي تدرك جيداً طبيعة هذه الفجوة. ولذلك ظهر نمط من السياسات يقوم على استثمار هذه اللحظة بدل منعها.
فبدل إقصاء الإسلاميين بشكل مباشر – وهو خيار مكلف سياسياً – يصبح الحل الأكثر براعة هو السماح لهم بالوصول إلى السلطة. ليس لأنهم الخيار المفضل، بل لأنهم الخيار الأكثر قابلية للاستنزاف. عند هذه النقطة يتحول الجوع إلى السلطة إلى أداة سياسية بيد قوى أكبر. فالحركة التي تتوق إلى الحكم تصبح مستعدة لقبول شروط كثيرة في سبيل الوصول إليه، بل وقد تجد نفسها تدير دولة مثقلة بالأزمات دون أن تمتلك الأدوات الكافية لحلها.
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المشهد: مرحلة التوريط
فحين تتولى هذه القوى إدارة السلطة، تواجه بسرعة واقع الدولة الثقيلة: اقتصاد مأزوم، مؤسسات ضعيفة، شبكات مصالح متجذرة، وتوقعات شعبية هائلة صنعها الخطاب التعبوي الطويل. ومع كل تعثر تبدأ صورة الحركة في التآكل. شيئاً فشيئاً تتحول الشرعية التي منحتها الجماهير للحركات الإسلامية – والتي تأسست غالباً على صورة الجهاد أو التضحية أو النقاء الأخلاقي – إلى عبء سياسي ثقيل.
الجماهير التي صفقت يوماً للبطولة الرمزية سرعان ما تبدأ بمحاسبة السلطة الجديدة وفق معيار مختلف تماماً: معيار القدرة على الحكم. وهنا يتكشف التناقض المؤلم بين شرعية الثورة وشرعية الإدارة.
في هذه اللحظة يصبح الفشل السياسي ليس مجرد احتمال، بل نتيجة شبه متوقعة. وحين يحدث ذلك يكون المشهد قد اكتمل: حركة متعبة في السلطة، مجتمع محبط من التجربة، ونخب فكرية وسياسية لم تنجح في بناء بدائل مؤسساتية قادرة على ملء الفراغ. عند هذه النقطة يظهر الحل الذي يجري تسويقه بعناية: الحاجة إلى الرجل القوي.
فبعد تجربة سياسية مضطربة، وبعد انهيار أو تراجع للثقة بالمؤسسات، وغياب أو عزلة للنخب، يبدأ الخطاب العام في البحث عن شخصية قادرة على إعادة النظام بسرعة. الرجل القوي، في هذا السياق، لا يُقدَّم بوصفه خصماً للديمقراطية فحسب، بل بوصفه المنقذ من الفوضى. إنه القادر – كما يقال – على اتخاذ القرارات الصعبة دون تردد، وعلى فرض الاستقرار، حتى لو كان الثمن التضييق على الحريات أو تقليص أو تجميد دور المؤسسات.
غير أن هذه الصورة لا تنشأ من فراغ. لأنها عادةً ما تكون نتيجة سلسلة من الإخفاقات: غياب أو ضعف المأسسة، سطحية النخب، هشاشة أو هلامية الحركات السياسية وميلها للصراعات على السلطة قبل أن تبني أدوات الحكم. في مثل هذا السياق يصبح الرجل القوي خياراً يبدو للكثيرين عقلانياً، حتى لو كان في حقيقته تعبيراً عن أزمة أعمق في بنية الدولة والمجتمع.
إلا أن المفارقة الكبرى أن هذا الرجل القوي لا يعمل في فراغ دولي. فهو غالباً جزء من معادلة أوسع. إذ إن القوى الكبرى التي سمحت بتجربة الإسلاميين في الحكم – أو على الأقل لم تعرقلها – تجد في صعود هذا النموذج السلطوي استعادة لشريك أكثر قابلية للتفاهم معها. رجل قادر على اتخاذ القرارات الصعبة، وقادر كذلك على تنفيذ ما يُطلب منه في النظام الدولي دون تردد. دون أن يدرك أحياناً أنه لا يملك الأدوات العصرية للسلطة، ولكن في المقابل يحصل هذا الرجل أو المجموعة على ما يحتاجونه للبقاء: الحماية من الجوع السياسي. الجوع إلى السلطة، كما الجوع إلى الخبز، يمكن أن يعود في أي لحظة. لذلك تصبح الحماية الدولية أو الإقليمية جزءاً من معادلة بقائه. وهكذا يكتمل المشهد في دورة سياسية تكاد تتكرر في أكثر من مكان:
- جوع إلى السلطة يقود إلى اندفاع غير محسوب،
- اندفاع يفضي إلى تجربة حكم مرتبكة،
- تجربة مرتبكة تفتح الباب أمام الفشل،
- وفشل يمهّد الطريق لعودة السلطة الصلبة – المستبدة – باسم الاستقرار.
في نهاية المطاف لا تكون المشكلة في الإسلاميين وحدهم، ولا في القوى الدولية وحدها، ولا حتى في فكرة الرجل القوي بذاتها. المشكلة الأعمق تكمن في غياب المشروع المؤسسي القادر على تحويل الطاقة السياسية للمجتمع إلى بناء مستقر للدولة.
فالدولة الحديثة لا تُدار بالحماسة، ولا بالشعارات، ولا بالشرعية الرمزية وحدها. إنها تحتاج إلى مأسسة راسخة، ونخب واعية بدورها، وثقافة سياسية تدرك أن السلطة ليست غنيمة تُنال، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب معرفة دقيقة بأدوات الحكم المعاصرة. وحين يغيب هذا الوعي، يصبح الجوع إلى السلطة بداية طريق طويل من المفارقات التاريخية، لا نهايته.