هل ستسهم حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في تراجع نظام القطب الواحد؟

img

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 ومعسكره الاشتراكي فقد النظام العالمي توازنه السابق، والذي كان مؤسساً على ثنائية قطبية تضم الاتحاد السوفييتي الشيوعي كقوة عظمى من جهة، والولايات المتحدة زعيمة الغرب من جهة ثانية.

وبالرغم من التوتر المستمر بين القطبين، والذي كان يُعبر عنه بالحرب الباردة، فقد أمّن التوازن السابق درجة من الاستقرار، بحيث تفادت البشرية الدخول في حرب عالمية ثالثة، كما أتاح ذلك التوازن مساحة لعمل منظمات الأمم المتحدة وتوسيع نطاق نشاطاتها لتشمل مختلف أوجه الحياة الإنسانية، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة الصحة العالمية، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وغيرها.

لكن انهيار النظام العالمي ثنائي القطب بتفكك الاتحاد السوفييتي وخروجه من دائرة المنافسة مع الولايات المتحدة وضع العالم أمام ما يُعرف بنظام القطب الواحد، حيث الهيمنة فيه للولايات المتحدة الأمريكية.

وبخلاف ما خبرته البشرية من تحولات النظام العالمي عبر الحروب، فقد جاء نظام القطب الواحد كوريث واقعي للنظام العالمي ثنائي القطب بعد خروج أحد قطبيه من ميدان القوة والتأثير العالميين.

تقاطع ذلك التحول الدراماتيكي مع تعاظم القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة، وولادة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، والعولمة الاقتصادية والثقافية التي اكتسبت فائض قوة من ترابط العالم جغرافياً عبر المواصلات الحديثة، وعبر فضاءات الإنترنت وثورة وسائل التواصل.

لكن تعاظم هيمنة القطب الواحد أضعف المؤسسات الدولية التي بدأت تفقد شيئاً من استقلالها، كما سمح بصعود تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذي أراد تحويل القطبية الأحادية إلى “نهاية للتاريخ”، وما يشي به ذلك من تكريس الهيمنة الأمريكية على العالم بصورة نهائية وحاسمة عبر إعادة تشكيل العالم عن طريق الحروب.

جاء الفشل في حرب العراق وأفغانستان ليضع حداً لصعود ذلك التيار، ثم جاء الصعود الاقتصادي والتكنولوجي الكبير للصين واستعادة روسيا لمكانتها كدولة عظمى ليضع نظام القطب الواحد أمام تحديات جديدة.

كشفت الأزمات الاقتصادية خلال العشرين عاماً الماضية عن مخاطر النظام العالمي الجديد، خاصة أزمة انفجار فقاعة سوق العقارات في الولايات المتحدة عام 2008 وتحولها لأزمة مالية عالمية أسفرت عن خسائر للاقتصاد العالمي قُدّرت بـ2 تريليون دولار.

شهدت السنوات العشر الأخيرة تراجعاً في مركز الولايات المتحدة كقطب كلي الهيمنة على العالم، لكن ذلك لم يكن يعني ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. فمركز الصين السياسي في الساحة العالمية ما زال بعيداً عن أن يجعلها منافساً جدياً للهيمنة الأمريكية، كما أنها ما زالت تبدي كثيراً من الحذر في صعودها السياسي العالمي مقابل صعودها الاقتصادي القوي. أما روسيا فهي تتطلع إلى استعادة مكانتها كقطب عالمي، لكنها مقيدة إلى حد كبير بالحرب الأوكرانية، وتعاني من أثر العقوبات الاقتصادية والخسائر البشرية والاقتصادية التي لحقت بها بسبب تلك الحرب، وبالتالي فهي ليست متحمسة لتفعيل دورها السياسي العالمي.

يمكن التفكير بالاتحاد الأوروبي كقطب سياسي عالمي مستقل، لكن ليس في المرحلة الراهنة، أما الآن فهو ما زال أسير تحالف وثيق يُبقيه تابعاً للقطب الأمريكي رغم بوادر التململ والرغبة في الخروج عن تلك التبعية.

تراجع نظام الهيمنة الأمريكية الذي يُسمى مجازاً بالنظام العالمي أنشأ فراغاً في القوة في أماكن متعددة في العالم، مما شجع القوى الإقليمية على إشغال ذلك الفراغ. لكنه أدى إلى تنافس بين تلك القوى على توسيع هيمنتها الإقليمية خارج حدودها القومية، وهذا ما أوصل بعض المناطق الساخنة مثل منطقتنا إلى تحويل التنافس إلى حروب محلية.

لكن اللافت أن اشتعال تلك الحروب المحلية جرّ القطب العالمي الأوحد نحو المشاركة بالحرب إلى جانب هذه القوة الإقليمية أو تلك، وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها منخرطة في صراعات عملت جاهدة لتبتعد عنها من قبل.

في حالة خروج الولايات المتحدة من الحرب الإيرانية الراهنة بدون انتصار واضح، فذلك سوف يُفسر على نطاق واسع باعتباره هزيمة وتراجعاً في مركز الولايات المتحدة العالمي.

معنى ذلك أن نظام القطب الواحد سيزداد تراجعاً، لكن علينا أن لا نفرح كثيراً، فالبديل لن يكون نظاماً متعدد الأقطاب أكثر عدلاً، بل ربما ازدياد الفوضى في مرحلة انتقالية تتصف بالسيولة بين أفول نظام عالمي ينهار ببطء وبين ولادة نظام عالمي بديل لم تتضح معالمه بعد.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة