أقنعة اللغة الدينية في الحرب على إيران
في الإعداد للحروب استخدم بعض القادة العسكريين والسياسيين، ورجال الدين اللغة الدينية، والنصوص المقدسة الوضعية والسماوية في خطاباتهم السياسية، وذلك لتحقيق وظائف التعبئة السياسية والاجتماعية والدينية للجيوش، ووراءها شعوبها دعماً لها في ميادين القتال، واستخدمت اللغة الدينية التعبوية من الشعوب التي تعرضت للغزو والاحتلال، كأحد أدوات تماسكها ضد العدوان ومقاومته.
اللغة الدينية ومحمولاتها وأسانيدها من النصوص المقدسة كانت من أبرز علامات الحروب الصليبية، وصولاً إلى الصراع العربي الإسرائيلي، واللغة التوراتية الأسطورية العدوانية، وشرعنة الخروج على الشرعية الدولية، من اليمين الديني الصهيوني، والمسيحية الصهيونية الأمريكية، وتسويغ هيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط.
ومن ثم يبدو مثيراً استمرارية استخدام بعضهم للغة الدينية من ترامب، ووزير دفاعه وآخرين في إطار الحرب العدوانية ضد إيران.
إلا أن إمعان النظر التاريخي في السياسة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية يشير إلى استخدام السياسة البريطانية والأمريكية للدين في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، وحركات التحرر الوطني في ظل الثنائية القطبية، وهو ما يمثل أحد روافد اللغة الدينية لترامب، وأساطيرها “المقدسة” المسيحية الصهيونية، وكانت ولا تزال جزءاً من مسارات التوظيفات الإيديولوجية للصراع العربي الإسرائيلي، والنزاعات الإقليمية ما بعد الحرب الباردة، وصولاً إلى الحرب ضد إيران.
السؤال الذي نطرحه: هل تديين الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط جديداً في السياسة الكولونيالية والإمبريالية الأوروبية، والنيوإمبريالية الأمريكية؟ ثمة جذور تاريخية وراء هذه التوظيفات، يمكن لنا رصد بعضها فيما يلي:
1- في ظل الاستعمار الأوروبي للعالم العربي، لعب الدين دوراً أساسياً في مواجهة الحملة الفرنسية على مصر، من خلال الأزهر وعلمائه في التعبئة وشحذ الهمم لمواجهة الاحتلال الفرنسي، بقطع النظر عن صدمة الحداثة، والفجوات الواسعة بين التقدم الأوروبي وبين التخلف المصري والعربي، وانعكاسات ذلك على العقل المصري والعربي، وطرح أسئلة التخلف والتقدم وآثارها التاريخية.
2- استعاد الأزهر دوره الوطني تجاه الاحتلال البريطاني في مصر، وإزاء الاتجاهات التغريبية، وكذلك الإسلام في مواجهة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب، والإيطالي في ليبيا على سبيل المثال.
3- في الحالة المصرية، نشأت الجماعات السلفية والإخوان المسلمون، وهو ما دعمتهم بريطانيا والقصر في مواجهة الحركة الوطنية المصرية المعادية للاستعمار والمطالبة بالدستور.
4- السياسة البريطانية في توظيف بعض جماعات الإسلام السياسي ضد حركات الاستقلال الوطني انتقلت إلى السياسة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال بعض رجال المخابرات البريطانية الذين ذهبوا للعمل في المخابرات الأمريكية.
5- استخدمت الولايات المتحدة الدين في سياساتها الخارجية، وبناء بعض الأحلاف العسكرية في المنطقة العربية، مثل الحلف الإسلامي وغيره تجاه مصر الناصرية، ودعم الدول النفطية.
6- امتدت سياسة توظيف الإسلام في مواجهة الحركات القومية العربية والاشتراكية في مصر والعراق وسوريا البعثيين، وذلك لحصار النزعات الاشتراكية ونظم الطريق اللارأسمالي في التنمية، ومن ثم تجاه الجماعات والأحزاب الماركسية والقومية العربية، كجزء من السياسة الأمريكية تجاه الاتحاد السوفيتي السابق.
7- تم توظيف الولايات المتحدة لبعض الدول العربية النفطية في دعم الجماعات الإسلامية السياسية في مصر واليمن والسودان في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وأيضاً في دعم بعض الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية مثل تنظيم القاعدة في أفغانستان في مواجهة الاحتلال السوفيتي، وأدى ذلك إلى تحولات في استراتيجية القاعدة في التحول من العدو القريب إلى العدو البعيد، على نحو ما تم في ضرب أيقونات القوة الأمريكية في أحداث 11 سبتمبر 2001.
8- مع الثورة الإيرانية ونظام حكم الملالي وولاية الفقيه، تنامت اللغة الدينية وأقنعتها المقدسة في خطاب طبقة الملالي، والتركيز على المظلومية التاريخية الشيعية في التعبئة السياسية، وفي استخدام مصطلح الشيطان الأكبر في وصف الولايات المتحدة.
قامت الولايات المتحدة وبعض الدول العربية النفطية السنية بتوظيف المذهبية السياسية السنية في مواجهة المذهبية الشيعية والهلال الشيعي كأقنعة دينية في مواجهة طموحات التمدد شبه الإمبراطوري الإيراني في الإقليم العربي، من خلال بعض المكونات الشيعية في المنطقة الخليجية والعراق ولبنان واليمن.
9- استخدمت إيران بعض أذرعها الإقليمية في توظيف القضية الفلسطينية في سياستها الإقليمية، وفشل عملية أوسلو، وغطرسة القوة الإسرائيلية وسياساتها الاستيطانية، وتمدد اليمين الإسرائيلي، لا سيما بعد اتفاقات أبراهام، وتمدد اليمين الإسرائيلي المتطرف والعنصري في جذب قطاعات من الرأي العام العربي الداعم لها تجاه إسرائيل، وفي دعم المقاومة الإسلامية -حماس والجهاد الإسلامي- والجبهة الشعبية تجاه إسرائيل، خاصة بعد السابع من أكتوبر.
10- شكلت المذهبية السياسية وصراعاتها في الإقليم أبرز علامات التوترات المستترة والمعلنة في عديد من الأحيان بين إيران ودول الخليج والسعودية، وفي دور إيران في العراق وسوريا واليمن، ودعمت الولايات المتحدة وبريطانيا هذا التسييس المذهبي ورهاب الخوف الأمني، وذلك في توظيفه في صفقات السلاح وإقامة القواعد الأجنبية مع تركيا في دول الخليج.
11- تم توظيف اللغة الدينية المذهبية والمظلومية الشيعية وسردياتها التاريخية لحشد القواعد الشعبية الشيعية في لبنان واليمن وبعض دول الخليج والعراق، خاصة بعد إسقاط نظام البعث وصدام حسين. من ناحية أخرى كانت اللغة الدينية المذهبية السنية، ورجال الدين التابعون للسلطات الحاكمة، جزءاً من الحشد والتعبئة تجاه إيران والمكونات الشيعية في مجتمعات عربية انقسامية.
12- في أعقاب النكبة الأولى 1948 ونشأة إسرائيل، والثانية بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967، كانت اللغة الدينية تسيطر على بعض الفكر الديني والجماعات الإسلامية في مصر، ومع نظام يوليو 1952 والناصرية تغيرت هذه اللغة الدينية إلى لغة سياسية في تحليلها للصراع من منطلقات ولغة حركة التحرر الوطني المصرية والعربية والعالم ثالثية آنذاك. مع هزيمة يونيو 1967 حدث بعض من إحياء اللغة الدينية في تفسير الهزيمة العربية إلى جوار التحليلات الماركسية والقومية العربية والليبرالية.
13- مع حركة المد الإسلامي السياسي عادت اللغة الدينية تسيطر على اللغة الدينية وأسانيدها من المقدس والتاريخ وسردياته تجاه الصراع، ولا سيما مع الحركة الإسلامية الراديكالية في مصر والمنطقة العربية، لا سيما تنظيم القاعدة والسلفيات الجهادية.
14- أدى سيطرة اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل وحرب الإبادة والحصار الجماعي وتدمير البشر والحجر وفيضانات الدماء في قطاع غزة، إلى انفجار اللغة الدينية التوراتية الأسطورية الوضعية في خطاب نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، وأرييه درعي، والتحالف بين حزب الليكود وحزبي الصهيونية الدينية بالإضافة إلى أحزاب الحريديم، وهو ما كرس اللغة الدينية على اللغة السياسية الصهيونية، ومن ثم التحول من الصهيونية العلمانية التأسيسية لآباء الحركة الصهيونية إلى الصهيونية الدينية التوراتية، وتشبيه إيران بالعماليق كما ورد في سفر التثنية، وتزداد اللغة والمفردات التوراتية الأسطورية في خطاب اليمين المتطرف على نحو فاقم من تديين حرب الإبادة على قطاع غزة، وفي الحرب العدوانية على إيران.
15- اللغة التوراتية الأسطورية العدوانية تغذي اللغة الدينية لدى المذهبية السياسية الشيعية والسنية الشعبية، ولدى رجال الدين، وأيضاً لدى الجماعات الإسلامية السياسية، بعيداً عن اللغة السياسية للشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي العام والقانون الإنساني وقانون الحرب، ولغة العلاقات الدولية والتنظيم الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية.
16- من الملاحظ أيضاً أن اللغة التوراتية الأسطورية تمثل جزءاً رئيساً في بعض من لغة الجماعات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة وغيرها في بعض البلدان الغربية، وحضورها في أعقاب الحرب الباردة، لا سيما لدى ترامب ووزير دفاعه والسفير الأمريكي في إسرائيل وغيرهم، وهو سعي لإضفاء الشرعية الدينية للسياسات العدوانية الإسرائيلية الخارجة على القانون الدولي، وللتعبئة الدينية لمناصري هذا التيار لدعم إسرائيل في مواجهة بعض الاتجاهات الرافضة للعدوان والإبادة في قطاع غزة، والحرب اللامشروعة على إيران، وسط بعض من الأجيال الشابة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي وخارجهما في الولايات المتحدة.
17- سياسة تديين الحرب ضد إيران، أياً كانت نتائجها، من المحتمل ألا تؤدي إلى تغيير النظام، على الرغم من اضطراب اللغة السياسية وأهدافها لدى ترامب وإدارته، وأهدافه من ورائها الداعمة لمفهوم “الخطر الوجودي” لإسرائيل وفق نتنياهو، كجزء من لغته التعبوية للإسرائيليين ولليمين الديني المتطرف، ومحاولاته تجاوز المساءلة السياسية عن الفساد، وقراراته بعد السابع من أكتوبر والحرب على إيران، والسعي لإعادته للسلطة بعد الانتخابات القادمة.
تديين اللغة والصراع بها في الحرب مع إيران غير المشروعة سيفتح الأبواب على سعتها أمام احتمالية تمدد جديد لبعض الجماعات الإسلامية الراديكالية الجديدة، والذئاب المنفردة، وربما جماعات مذهبية شيعية راديكالية ستمارس نشاطاتها العنيفة في المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة، وستدعم وتعبئ الاتجاهات الدينية الشعبية الطقوسية كقاعدة تجنيد لجماعات جديدة في ظل الاضطراب الإقليمي بعد نهاية الحرب على إيران.
المصدر: الأهرام