عشر سنوات كأنها البارحة.. عمر قشاش الرجل الذي لم يغادر ذاكرتنا

img

عمر قشاش “أبو عبدو”، أحد أبرز الوجوه النقابية واليسارية في مدينة حلب وسوريا عموماً، ورمز من رموز الدفاع عن الطبقة العاملة، ارتبط اسمه بالنضال الاجتماعي والسياسي ومقاومة الاستبداد بكل أشكاله، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين “نقابةً متنقلةً” تدافع عن العمال في الشوارع والحدائق وأروقة المؤسسات الرسمية، بعدما أفرغت سلطة الأسدين النقابات من دورها الحقيقي في حماية مصالح الشغيلة.

عمر قشاش الذي ولد في حي البلاط الفوقاني الشعبي في مدينة حلب القديمة ضمن أسرة كبيرة تعيش من جهد العمل اليدوي، لم تتح له فرصة التعليم النظامي، فتعلّم القراءة والكتابة في الكُتّاب، وبدأ العمل مبكراً وهو في الثالثة عشرة من عمره في مطابع حلب، حيث احتك بالكلمة المطبوعة وبالصحف والكتب، الأمر الذي ساهم في تنامي وعيه الاجتماعي والسياسي. كما عمل لفترة مع والده في مقالع الحجارة، متحمّلاً قسوة العمل وهو في سن مبكرة، قبل أن يعود إلى مجال الطباعة الذي شكّل بداية ارتباطه بالحركة العمالية.

مع تصاعد الصراعات الاجتماعية في سوريا بعد الاستقلال، وجد قشاش نفسه قريباً من قضايا العمال، فانضم إلى الحزب الشيوعي السوري الذي كان آنذاك أبرز الأحزاب المدافعة عن حقوق الطبقة العاملة، وبفضل نشاطه وإخلاصه لقضايا الشغيلة، لم يعد مجرد عاملٍ في المطبعة، بل أصبح تدريجياً أحد أبرز النقابيين في حلب، وكان له دور أساسي في تأسيس الاتحاد المهني لعمال الطباعة في المدينة عام 1951، كما شارك في نشاطات الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا، حيث عُرف بمواقفه الرافضة لمحاولات السلطة تحويل النقابات إلى أدوات سياسية تابعة لها بدل أن تكون مؤسسات مستقلة تدافع عن العمال.

وبالرغم من تعرضه للتعذيب أثناء اعتقاله خلال سنوات الوحدة بين مصر وسوريا، فإنه رفض التخلي عن مبادئه، وخلال سنوات السجن استثمر وقته في التعلم، فدرس اللغة الفرنسية وأصول اللغة العربية، كما عُرف بين رفاقه المعتقلين بروحه التضامنية وتفانيه في خدمة الآخرين، وبعد خروجه أرسله الحزب إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفية، ثم انضم إلى اللجنة المركزية للحزب عام 1965، وانتُخب عضواً في مكتبها السياسي في المؤتمر الثالث عام 1969.

غير أن حياته السياسية لم تكن بعيدة عن الملاحقة والسجن. فقد اعتُقل مرةً أخرى عام 1978 وبقي في السجن حتى عام 1980، ثم أُعيد اعتقاله في العام نفسه مع عدد كبير من قيادات الحزب وكوادره، ليقضي نحو خمسة عشر عاماً في السجن حتى عام 1995، وقد بلغ السبعين من العمر، ليعود إلى نشاطه أكثر إصراراً وصلابةً، مواصلاً الدفاع عن حقوق العمال وفضح الفساد وتسلّط أجهزة الدولة الأمنية والبيروقراطية، منتقداً هيمنة السلطة على النقابات وتحويلها إلى مؤسسات تابعة لها.

اشتهر قشاش ببيانه السنوي الذي كان يكتبه ويوزعه كل عام بمناسبة الأول من أيار، عيد العمال العالمي، تعبيراً عن وفائه للطبقة العاملة التي انتمى إليها. استمر في إصدار هذا البيان حتى سنواته الأخيرة. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم يتردد في إعلان دعمه لمطالب الحرية والكرامة، فاعتُقل في 30 نيسان من ذلك العام وهو في الخامسة والثمانين من عمره أثناء توزيعه بيان عيد العمال الذي أدان فيه قمع المتظاهرين.

عرفه رفاقه ومحبيه إنساناً متواضعاً ومحباً للحياة، مترفعاً عن المصالح الشخصية، ومدافعاً صادقاً عن الفقراء والمستضعفين، كما عُرف عنه تمسكه بالمبادئ ورفضه المساومة، حتى عندما كان ذلك يعني التخلي عن امتيازات أو مواجهة السجن والملاحقة. وفي الأشهر الأخيرة من عمره، وقد أنهك المرض جسده، انتقل إلى مدينة سلمية، بلدة زوجته وأميرته المربية الفاضلة مهتندة، هذه المدينة التي احتفت بوجوده وأكرمته بما يليق بتاريخه النضالي، قبل أن يرحل في 10 آذار 2016، تاركاً وراءه سيرةً نضاليةً طويلةً جعلته أحد رموز الحركة العمالية السورية.

لقد مثّل عمر قشاش نموذجاً للمثقف العضوي المرتبط بقضايا الناس، إذ بقي حتى رحيله فعالاً داخل حزب الشعب الديمقراطي السوري ورئيساً للجنة التحكيم الوطنية، ومثالاً للنقابي الذي عاش هموم العمال ودافع عنهم على الدوام، تاركاً أثراً عميقاً في ذاكرة الحركة العمالية السورية وفي وجدان كل من عرفه وتأثر بتجربته.

أختم كما في مرات سابقة بما كان قد كتبه الراحل الكبير الدكتور عبدالله حنا عن أبو عبدو بعيد رحيله:

في سلمية، ذات الجذور التاريخية، وفي هذه الأيام الحزينة، يرقد جثمان إنسانٍ ممن كانوا في عداد “من لا تاريخ رسمي لهم”، من صانعي “التاريخ من الأدنى”، من “المستضعفين في الأرض”، والحالمين بمستقبل زاهر للبشرية.


الكاتب فهمي يوسف

فهمي يوسف

عضو الهيئة القيادية في حزب الشعب الديمقراطي السوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة