بداية النهاية للجمهورية الإسلامية في إيران
الأسلحة النووية، الصواريخ الباليستية، الأذرع الإيرانية، تغيير وجهة النظام، هذه هي الأهداف السياسية الأربعة للعملية العسكرية الواسعة المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
أما الأهداف العسكرية الأولية للحملة فتتضمن حسب الرئيس ترامب: تدمير الصواريخ البالستية الإيرانية، القضاء على بنية صناعة هذه الصواريخ، والقضاء على الأسطول البحري الإيراني لمنع إيران من تنفيذ تهديدها بإغلاق مضيق هرمز الحيوي لمرور ناقلات النفط والغاز العملاقة. وفي النهاية، القضاء على التهديد الوجودي الذي يشكله نظام الجمهورية الإسلامية على السلم في المنطقة والعالم لو امتلك القنبلة النووية.
ما يحدث اليوم هو استمرار للاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي وضعت عقب عملية (طوفان الأقصى) التي شنتها حماس من غزة على شمال إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 والتي أودت إلى 1500 ضحية من العسكريين والمدنيين الإسرائيليين، قررت إسرائيل بأن نمط التعايش المقرر منذ عدة عقود، والذي يقول بأنّ إسرائيل محاطة بأعداء، وبأنه في النهاية هذا الوضع مسيطر عليه، وأن التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي قادر في أي لحظة على ردع أي هجوم يمكن أن يشن عليها، هذا الموقف الاستراتيجي أصبح غير صالحاً للعمل به منذ السابع من أكتوبر 2023 واستبدل من قبل الأغلبية الحاكمة، باستراتيجية جديدة تقول: من اليوم وصاعداً، لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل وجود ميليشيات مسلحة معادية على حدودها (حماس، حزب الله، الميليشيات الإيرانية في سورية قبل سقوط النظام)، وبعيداً من حدودها (الميليشيات الشيعية في العراق، الحوثيين في اليمن)، أي كافة الأذرع الجمهورية الإسلامية في المنطقة، يمكن أن تقوم يوماً في الاعتداء مجدداً على إسرائيل بشكل مفاجئ، كما حدث في السابع من أكتوبر، والذي تسبب في ساعات قليلة في الفوضى الأمنية على الحدود الإسرائيلية مع غزة، وأسفر عن مقتل المئات من الإسرائيليين؛ ويوجد على هذه الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة توافق عريض من كافة تيارات المعارضة الإسرائيلية، وبالتالي توافق واسع في المجتمع الإسرائيلي.
وبالتالي، كان القرار الاستراتيجي الجديد هو في القيام في مرحلة أولى بتدمير كافة الميليشيات المعادية لإسرائيل بدءاً من الحدود، أي حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، ولاحقاً الميليشيات الشيعية في العراق وميليشيا الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى ضرب كل المواقع الإيرانية في سورية قبل التحرير، وأدى في النهاية إلى القضاء على حسن نصر الله وعدد كبير من زعامات حماس العسكرية والسياسية، وسقوط النظام السوري في الثامن من ديسمبر 2024، حيث لعب الإسرائيليين دوراً كبيراً في إضعاف النظام بضرب كل الميليشيات الشيعية على الأراضي السورية.
وفي حزيران من العام الماضي، بدأت المرحلة الثانية من الاستراتيجية الجديدة، أي ضرب مركز هذه للأذرع، أي نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، عن طريق استهداف قياداتها العسكرية والسياسية، وإضعاف ما أمكن من برنامجها النووي لتأخير حصول الجمهورية الإسلامية على السلاح النووي، بالإضافة إلى ضرب برنامج الصواريخ الباليستية الطويلة الأمد، وكذلك العديد من مراكز القيادة والتحكم. وقد ساهمت الولايات المتحدة في هذه المرحلة الثانية من الصراع مع الجمهورية الإسلامية بضرب بعض مواقع التخصيب الإيرانية التي تقع تحت الأرض عن طريق طائرات الـ ب2 الجبارة.
لقد اكتفت إسرائيل في هذه المرحلة الثانية من استراتيجيتها الجديدة بوقف الهجمات بعد اثنا عشر يوماً، وبضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، فسحاً للمجال للمفاوض الأمريكي في إقناع الإيرانيين بأن لا سبيل أمامهم سوى التخلي عن البرنامج النووي، وكذلك برنامج التسلح بالصواريخ الباليستية، انتظاراً لوصول الإدارة الأمريكية لقرار استراتيجي في التخلص نهائياً من نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.
لماذا تطرح فكرة تغيير النظام إسرائيلياً وأمريكياً؟ أظن أن السبب الأساسي هو في عدم الثقة في النظام الإيراني، بسبب سياسة المماطلة وكسب الوقت التي مارسها هذا النظام منذ بدء المحادثات بشأن الملف النووي الإيراني عام 2000، وقد فشلت كل محاولات الغرب في تغيير سلوك هذا النظام الذي يقوده رجال الدين، والدليل الأكثر جلاءً هو إخفاء النظام مواقع سرية لتخصيب اليورانيوم بدرجات أعلى من الدرجات اللازمة للطاقة النووية المدنية، أي 2 ـ 3%، بالرغم من كل ادعاءات النظام بأن القنبلة النووية محرمة دينياً.
تبقى الأهداف العسكرية الأولية للحملة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ـ مع الموافقة الضمنية من دول الخليج العربي، ودول أخرى صديقة للولايات المتحدة الأمريكية (الأردن، مصر، المغرب) بالرغم من التصريحات العلنية المعارضة للحل العسكري ـ في أسبوعها الأول هو القضاء على النشاط الصاروخي للجمهورية الإسلامية، وضرب كل إمكانيات إيران العسكرية لغلق مضيق هرمز الاستراتيجي، والذي يمر فيه 20% من البترول والغاز المسيل.
وما سيتم من إجراءات عسكرية في المرحلة الثانية من العملية العسكرية المشتركة هي لصالح تهيئة الظروف لنجاح الانتفاضة الشعبية الكبرى، بالإضافة إلى دعم وتنظيم وتوجيه المعارضة الإيرانية المسلحة ضد النظام الإيراني في قلب الحكم، أو الدفع لحدوث تغيير جذري من قلب النظام تقوم به الفئات التكنوقراطية والعسكرية في النظام للتفاوض على الشروط الأمريكية الأربعة، أي لا تخصيب لليوروانيوم في إيران، وقف برنامج تطوير الصواريخ الباليستية طويلة المدى، وقف الدعم للأذرع الإيرانية، والانفتاح السياسي، مع ضمان حصول إيران على الطاقة النووية للأغراض المدنية ضمن شروط معينة للمراقبة اللصيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.
هل هذا السيناريو قابل للتحقق في الأيام والأسابيع القادمة؟ هو أحد السناريوهات الممكنة، لكن لا يمكن تجنب السيناريو الأسوأ وهو الحرب الأهلية الداخلية، وتحول إيران إلى دولة فاشلة.
وفي كافة الأحوال والسيناريوهات السيئة، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق النظام الإيراني الذي أقفل كل إمكانيات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الإيراني منذ ما سمي بـ (الثورة) الإسلامية عام 1979، وتسبت في تسييس الإسلام الشيعي، والتطييف السياسي للمجموعات الشيعية في أكثر من بلد عربي، وإشعال الفتن والحروب الداخلية في لبنان والعراق وسورية واليمن.