سورية جريح الحرب فوق الجسر الزلق

img

تخيّل جريح حربٍ لم يبقِ في جسده موضعاً إلا ومرّ عليه الألم. بعض عظامه رُدّت إلى أماكنها، لكن الالتحام لم يكتمل، وأخرى ما زالت سائبة، عضلاته خضعت للجراحة، غير أنها لم تستعد ذاكرتها الحركية. جهازه العصبي ما يزال يتوجس من كل ارتجاج، وكأن الصدمة الأولى لم تغادره تماماً. هذا الجريح لا يُطلب منه أن يركض، ولا حتى أن يمشي؛ أقصى ما يُنتظر منه أن يقف مستنداً إلى عكازٍ متين.

ثم تخيّل أن هذا الجريح وُضع على جسرٍ طويل، أرضه زلقة، تحته فراغ، وفوقه عاصفة لا تهبّ من اتجاه واحد، بل تتنازعها رياح متقابلة، كأن السماء نفسها صارت ساحة اشتباك.

هذه ليست صورة شعرية فحسب؛ إنها توصيف مكثف للحظة السورية.

سورية (الجريح) اليوم لا تواجه أزمة عابرة، بل تقف في تقاطع استراتيجيات كبرى. فالمواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد خلافاً قابلاً للاحتواء ضمن حدود مدروسة، بل أخذت شكل صراعٍ يتسع أفقياً وعمودياً، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الطموحات الجيوسياسية، وتُستثمر فيه كل ثغرة في بنية الإقليم.

غير أن فهم العاصفة يقتضي تفكيك منطقها.

إيران، في سلوكها الاستراتيجي، لا تتعامل مع المواجهة بوصفها معركة خط مستقيم، بل شبكة ساحات مترابطة. توسيع رقعة الاشتباك ليس انفعالاً، بل عقيدة حرب عنوانها: “خلط الأوراق” فكلما زادت الجبهات وتداخلت، تشتت الخصم؛ كلما تعددت بؤر النار، تآكلت القدرة على التركيز. إدخال أكبر عدد ممكن من الساحات في الصراع يبدو، من زاوية تحليلية، جزءاً من هندسة حربٍ معدّة سلفاً، قوامها إرباك الخصم فأغلب الساحات التي يتم التحرش بها لا تريد – حتى الآن – الدخول في الصراع، ولكن يجب الدفاع عنها وعلى الأقل إقناعها بقبول تلقي التحرشات واستمرار الحرب معاً. في هذا التصور، لا تبقى الحدود خطوطاً فاصلة، بل تتحول إلى مسامات يمكن النفاذ منها، ولا تبقى الدول الهشة كيانات مستقلة تماماً، بل تغدو نقاط تماس قابلة أكثر للإدراج في معادلة الردع.

في المقابل، ترى إسرائيل (القائد الحقيقي) في اللحظة الراهنة فرصة استراتيجية استثنائية. فدرجة التماهي الأمريكي مع الرغبات الإسرائيلية بلغت حدّاً غير مسبوق، إلى أن تبدو فيها الإرادة الأمريكية أقرب إلى الامتداد السياسي للإرادة الإسرائيلية وليس العكس. هذا الوضع الذي يمكن أن يسمى – بفرط الانسجام – يمنح تل أبيب إحساساً بأن اللحظة مؤاتية لفرض وقائع كانت، في أزمنة أخرى، تحتاج إلى حسابات أكثر تحفظاً. إنها لحظة “فرصة كبرى” في الذهن الاستراتيجي الإسرائيلي: إعادة تعريف قواعد الاشتباك، توجيه ضربات تعيد رسم الخرائط، أو على الأقل تعيد رسم خرائط النفوذ. وسورية ليست ببعيدة عن الأهداف، وليست خارجها.

بين استراتيجية إيرانية تقوم على إشعال أكبر عدد من الساحات، ورغبة إسرائيلية في استثمار ذروة الدعم الأمريكي، يتشكل ما يشبه حجري رحى هائلين. الأول يدفع نحو التمدد الأفقي للنار، والثاني يسعى إلى استثمار اللحظة لفرض وقائع قصوى. وما بين الحجرين، يمكن أن تُسحق كيانات أكثر تماسكاً من سورية، فكيف ببلدٍ ما يزال في طور الاستشفاء؟

هنا يصبح السؤال السوري سؤال قدرة قبل أن يكون سؤال موقف.

أي مؤسسات وطنية في سورية يمكن أن تواجه؟

أي جيش تملكه سورية اليوم كي تنشره بكفاءة على حدود العراق وحدود لبنان بآن إذا تحولت تلك الحدود إلى خطوط اشتعال؟ أي منظومة لوجستية متماسكة تستطيع أن تؤمّن انتشاراً طويل الأمد في جغرافيا أنهكتها سنوات الحرب؟

وأي بنية قيادية موحّدة، مكتملة الاحتراف، قادرة على إدارة اشتباك متعدد المستويات دون أن يتفكك التوازن الداخلي؟

ثم، ما هي المؤسسات السياسية التي تستطيع أن تتخذ قراراً عالي الكلفة في لحظة إقليمية معقدة وتحظى بإجماع وطني حقيقي حوله؟ أي سلطة تشريع فاعلة، أي قضاء مستقل، أي جهاز رقابي متكامل، يمكن أن يحوّل قرار الحرب أو الحياد إلى قرار دولة، لا قرار ظرف، أو قرار فرد؟

السؤال ليس طعناً في الإرادة، بل اعترافٌ بالفجوة بين الرغبة والقدرة.

الدولة التي مازالت في طور “السيولة السياسية البنيوية” لم تُنجز بعد إعادة بناء عقدها المؤسسي، ولم تُحكم توزيع الصلاحيات فيها، ولم تُستكمل فيها مأسسة القرار العسكري ضمن إطار مدني واضح، لا تستطيع أن تتصرف كما لو أنها تملك فائض قوة استراتيجياً. لهذا ستضطر لأن تكون تحت مظلة أخرى.

في لحظات العاصفة، نعم يمكن أن يميل المجتمع إلى البحث عن يدٍ قوية تمسك بالدفة. تستند إلى الشرعية الثورية أو الكاريزمية التي تكتسب جاذبيتها القصوى حين تضعف أو تغيب الشرعية القانونية-العقلانية. لأن الخوف يولّد توقاً إلى الحسم، والحسم يُترجم غالباً في صورة تركيز القرار. غير أن تركيز القرار، إن لم يُحط بسياج مؤسسي واضح، قد يحمي اللحظة لكنه لا يؤسس للاستدامة. والأهم أن معدلات الخطأ تترفع.. جداً.

المشكلة أن الأرض الزلقة لا تُصبح أكثر صلابة بالصراخ أن لدينا كاريزما فوقها.

والجريح لا يستعيد عافيته بنفخ الصدر أو بإعلان القوة.

سورية اليوم لا تواجه خياراً بسيطاً بين الاشتباك والحياد، بل معضلة مركبة: كيف تحمي نفسها من أن تتحول إلى ساحة إضافية – عسكرياً أو سياسياً – في استراتيجية توسيع الساحات، وكيف تحمي نفسها أيضاً – عسكرياً أو سياسياً – من أن تُستثمر كجغرافيا في لحظة استثمار إسرائيلي قصوى، وهي في الوقت ذاته لم تُنهِ –  بل لم تبدأ – بعد إعادة بناء مناعتها الداخلية؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لكيان في طور التعافي هو أن يُدفع إلى معركة تُدار بعقول أخرى غير عقوله، وعلى إيقاع حسابات لا يملك التحكم بها. فحجرا الرحى لا يميزان بين من دخل طوعاً ومن زُجّ به زجاً؛ إنهما يدوران وفق منطق القوة الصلبة، ويطحنان ما يقع بينهما.

لهذا، فقد اتضح اليوم بالدليل أن بناء الدولة في سورية فعلاً دفاعياً بامتياز. المأسسة ليست ترفاً فكرياً، بل درعاً وقائياً. جيش وطني محترف، موحّد القيادة، والأهم أن يكون ذو “عقيدة وطنية صافية” وخاضع لرقابة مدنية واضحة، ليس شعاراً، بل شرط سيادة. أجهزة أمنية منضبطة بالقانون ليست تفصيلاً إدارياً، بل ضمانة ألا يتحول الداخل إلى هشاشة إضافية. مؤسسات سياسية قادرة على إنتاج قرار متوازن، ليست ديكوراً دستورياً، بل صمّام أمان في زمن الاندفاعات الإقليمية. والأهم هو فهم أن وجود الأجهزة لا يعني وجود المأسسة.

فكل قاعدة واضحة تُرسَّخ هي لوحٌ يُضاف إلى الجسر الزلق.

وكل آلية مساءلة حقيقية هي قبضة إضافية تمنع الانزلاق الجماعي.

وكل توزيع منضبط للصلاحيات هو توازنٌ يخفف أثر العاصفة.

سورية، في قلب هذه الرياح المتقاطعة، لا تحتاج إلى بطولة خطابية، ولا إلى انخراط انفعالي في صراع تتجاوز كلفته قدرتها الراهنة. تحتاج إلى وعي دقيق بحدودها، وإلى سياسة تحفظ لها مسافة أمان حتى يلتئم الجرح. فالجريح الذي يعرف أنه في طور الاستشفاء أقدر على النجاة من ذاك الذي يتوهم أنه تعافى قبل الأوان.

سورية اليوم ليست مجرد خريطة أو خطوط حدودية، إنها جريحٌ حيّ على جسرٍ طويلٍ زلق، تتقاطع تحت قدميه رياحٌ متناقضة من كل جانب: من الشرق الإيراني الذي يوسّع ساحاته ويزرع النار، ومن الغرب الإسرائيلي الذي يستثمر كل تماهي أمريكي ويغتنم الفرص، ومن الداخل ركام الحرب الذي ترك أثره على كل حجر. كل خطوة على هذا الجسر تُختبر، وكل اهتزاز يحمل خطر الانزلاق، وكل هزّة تكشف هشاشة الأرض تحت أقدامها.

سورية اليوم، جريح الحرب على جسر زلق، تواجه رياحاً متناقضة من الخارج والداخل، من إيران التي توسع ساحاتها، ومن إسرائيل التي تستثمر التماهي الأمريكي، ومن ركام الحرب الذي يعمّ البلاد. كل خطوة تحمل مخاطر الانزلاق، وكل اهتزاز يكشف هشاشة الواقع.

لكن الوطن لا يحفظ بالأحاديث الإعلامية أو الوحدة الظاهرية، بل بتضافر كل خير فيه، من كل تياراته وآرائه السياسية، وليس فقط من أقربهم إلى سلطة هي أصلاً مؤقتة. الوطن للجميع، وخير من فيه، هو من يربط كل فعل بالواقع اليومي للناس، ويحوّل هشاشة الجسر إلى أرض صالحة للبناء، وعجز الجريح إلى قدرة على الحركة.

كل مؤسسة تُبنى، وكل قاعدة تُرسخ، وكل قرار يُتخذ ضمن ضوابط واضحة، هو خطوة نحو حماية حقيقية. العاصفة، مهما كانت ضارية، اختبار صارم: من يحمي الداخل، من يحوّل الانقسامات إلى تعاون، ومن يمنع الفراغ من الهيمنة؟ هؤلاء يمنحون سورية القدرة على الصمود والبقاء. ويحوّلون جريح الحرب إلى كيان قادر على البناء والمواجهة، وطناً يضم الجميع، لا لمن اقترب أكثر من السلطة، بل لمن أحب سورية وعمل لها بلا هوادة.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة