المؤتمر الوطني بين الشعار والواقع
يحدث أحيانا أن يستقل الشعار عن الواقع فيصبح هدفا بذاته، في حين أن الأصل فيه أن يكون وسيلة وأداة لتحقيق الهدف.
وحين يستقل الشعار عن الواقع يغدو كيانا مجوفا يمكن استغلاله لأهداف مغايرة تماما لما يفترض أنه وضع من أجله.
فشعار مثل “الوحدة والحرية والاشتراكية” عندما تم فصله عن الواقع أصبح مؤهلا للتغطية على حكم الطغمة العسكرية كما حصل في النظام البائد.
لذا ينبغي دائما فحص الشعار بدلالة الواقع، وليس بدلالة اللفظ وسحره المجرد.
وفي السياق السياسي الراهن، ومنذ إسقاط النظام البائد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر عام 2024، فقد طرحت فكرة المؤتمر الوطني بعدة مناسبات، أولها كان عقب سقوط النظام مباشرة من قبل ديمستورا، ضمن مسعى أممي لتأطير التغيير السياسي وفق أجندة سابقة على إسقاط النظام وضعت كحل سياسي بين النظام والمعارضة، وهكذا كان المؤتمر الوطني يعني جلوس المعارضة مع النظام على طاولة دائرية في ظل حكومة مؤقتة ذات صلاحيات تامة.
أي تجاهل السياق الذي تم فيه إسقاط النظام، وانهيار الجيش، وتسلم هيئة تحرير الشام السلطة في دمشق، والعودة لنقطة الصفر مع تعديلات محدودة.
بالطبع لم يكن لمثل تلك الدعوة أي فرصة للتحقق في الواقع، وكأنها كانت تستبطن عودة بشار الأسد من موسكو ليجلس على طاولة المفاوضات، وعودة جيشه بعد أن انفرط عقده بصورة تامة. لقد كانت مثل تلك الدعوة نكتة سمجة ما لبث أن جرفتها الوقائع نحو سلة المهملات.
وفي سياق لاحق تجددت الدعوة لمؤتمر وطني عام، في حين كان يسود البلاد حالة تقسيمية برعاية دول متعددة، وفي ظل انعدام وجود قوى سياسية وطنية حقيقية فاعلة تملك قواعد اجتماعية على الأرض بعد أن دمر النظام البائد الحياة السياسية لعشرات السنين.
وهذا بالضبط ما يفسر تردد الدعوة للمؤتمر الوطني بين دعوة لمؤتمر وطني للحوار ودعوة لمؤتمر وطني عام يكون بمثابة مرجعية دستورية.
وهناك فرق جوهري تم طمسه في ذلك الوقت بين مؤتمر حوار وطني يكون إطارا لإنشاء حوار حول سورية المستقبل بين النخب السورية والفعاليات المجتمعية يمتد لفترة زمنية غير محددة ويقدم في النهاية توصياته للسلطة الانتقالية، وبين مؤتمر وطني بديل عن جمعية تأسيسية منتخبة مهمته وضع دستور للبلاد.
وضمن ذلك التردد والغموض قامت السلطة الانتقالية بأخذ المبادرة، فعقدت مؤتمرا لم يكن مؤتمر حوار وطني بالمعنى الذي ذكرته سابقا، ولم يكن أيضا مؤتمرا وطنيا عاما كبديل للجمعية التأسيسية، بل كان شيئا هجينا أنتج توصيات مهدت لإعلان دستوري هجين أيضا بين الإعلانات الدستورية المؤقتة المتعارف عليها عقب التغييرات السياسية الكبرى والانقلابات، والذي يختصر عادة بعدة بنود وينهي العمل بالدستور السابق مع الإشارة لمرجعية دستورية أخرى “دستور عام 1950 مثلا”، وبين دستور مؤقت يحاول أن يغطي المرحلة الانتقالية.
هكذا تم دفن الدعوة لمؤتمر وطني عام للحوار أو لغير الحوار.
لكن الدعوة عادت للظهور بعد مرور عدة أشهر على إسقاط النظام كطريق وحيدة لتوحيد سورية عقب أحداث الساحل ثم السويداء، وما كان سائدا من الاعتقاد بديمومة احتلال قسد للجزيرة السورية.
وفي هذا السياق فقد كانت الدعوة لمؤتمر وطني عام تعني في الحقيقة الاعتراف بقوى الأمر الواقع وجمعها على طاولة مستديرة لإعادة تشكيل دولة سورية فدرالية أو ما يشبه ذلك.
أي جمع قسد وتيار الهجري، ومن يعتبر ممثلا للعلويين مثل غزال غزال، وممثلا لهيئة تحرير الشام للاتفاق على تقاسم سورية تحت مظلة دولة فدرالية.
هذا هو المعنى غير المعلن للدعوة لمؤتمر وطني عام، بغض النظر عن المكياجات التي يمكن أن تسوقه كعمل وطني ديمقراطي تشارك فيه نخب سورية تلهث خلف مناصب لم تحصل عليها وتعتقد أنها حق مكتسب لها بعد كل ذلك النضال.
أما اليوم فماذا تعني الدعوة لمؤتمر وطني عام بعد تحرير الجزيرة والانتهاء عمليا من قسد كقوة عسكرية، وبعد ترسخ سلطة الدولة السورية على 90% من سورية، والاعتراف التام دوليا بسورية الدولة الواحدة، وبداية انهيار المشروع الانفصالي في السويداء بعد فقدان أي دعم دولي؟
قولوا لنا ما هي مهمة المؤتمر الوطني العام؟
هل هي وضع دستور دائم للبلاد؟ إذن فأنتم تريدون استبدال الجمعية الوطنية المنتخبة ديمقراطيا، والتي تضم الممثلين الشرعيين عن الشعب السوري كمواطنين — وليس كممثلين لطوائف أو قوميات — صاحبة الحق وحدها في وضع دستور دائم للبلاد، بمؤتمر عام لن يكون أساس عقده سوى تمثيل المكونات الاجتماعية السورية، أي تحويل المكونات الاجتماعية إلى مكونات سياسية، أي السير باتجاه قوننة الانقسامات الطائفية والعرقية في نسخة مطابقة لبرلمان العراق ولبنان.
وإذا لم يكن ذلك هو الهدف فقولوا لنا ما هو الهدف؟
هل هو الحوار الوطني؟
الحوار الوطني ضرورة دائمة، ولا يمكن اختزاله بمؤتمر لثلاثة أيام، بل ينبغي أن يؤسس له بهياكل وطنية حوارية تبدأ من أصغر قرية سورية وحتى العاصمة دمشق، وتكون مستقلة عن الدولة ومفتوحة وعلنية.
أما مجرد الدعوة لمؤتمر وطني عام دون تحديد مهامه ووظيفته وما ينتظر منه كمخرجات، فهي مثل الدعوة لوليمة دون تحديد مكانها ولا زمانها ومن سيقيمها وما هي مناسبتها.
بعبارة أخرى هي عودة لاستخدام شعار مبجل لأهداف غير واضحة، يمكن أن يساء استخدامها في مرحلة لا تحتمل الغموض واللعب بالشعارات.
ما تحتاجه سورية اليوم هو ترسيخ الحريات العامة، وإحياء الحياة السياسية، وتفعيل دور المجتمع المدني بتحرير النقابات كهيئات مستقلة تماما عن السلطة، وإصدار قانون للأحزاب والصحافة الحرة، وإجراء انتخابات بلدية تمهيدا لإجراء انتخابات عامة لجمعية تأسيسية ترسخ مفهوم المواطنة وتغلق الطريق على أي سياق يفضي لتقنين الانقسامات الطائفية والقومية، وتحويل الجمعية التأسيسية لمؤتمر محاصصات لتغرق سورية في نظام سياسي كنظامي لبنان والعراق، اللذين لم يجلبا للشعبين الشقيقين سوى الشقاء والفساد والدولة الفاشلة.