ثورة الاستهلاك، والسرعة الفائقة والاندماج الاجتماعي
السرعة الفائقة في تفاصيل الحياة في عالمنا، لم تعد قاصرة على التطورات العلمية والتكنولوجية واكتشافاتها المتتالية وتدفقاتها السريعة وتغييرها لوجودنا، ولا على هيمنة الاستهلاك المكثف والسريع في نظام الأكل والشراب في كل مجتمع، ولأن الفجوات تتسع بين الأجيال، ما بين جيل Y و Z وألفا، وهو ما سيتفاقم مع جيل بيتا. السرعة الفائقة تحمل في ثناياها انكسارات وتأكلات وتفككات في منظومات القيم بين الأجيال، وإزاحات جيلية، وتفككًا في السرديات الوطنية، بل والسرديات الجزئية والصراعات عليها وبينها بين الأجيال المختلفة، داخل بعض المجتمعات الأكثر تطورًا، والدول المتوسطة، والقوميات، على الرغم من توظيف القوميات والأعراق وثقافاتهم المتعددة في الصراعات الهوياتية والثقافية، من ترامب إلى اليمين المتشدد والمتطرف في أوروبا الغربية، وغيرها من المناطق الجيوسياسية في عالمنا.
تبدو السرعة الفائقة في إيقاعات الزمن وإدراكه، والتطور السريع في انكشاف بعض الفجوات في الأنظمة القانونية، وبين أنماط السلوك الاجتماعي المتغيرة في عديد المجالات، لأن القواعد القانونية الناظمة موضوعيًا وإجرائيًا وُضعت في أزمنة كان تنميط السلوك الاجتماعي في عديد المجالات يبدو متبلورًا أمام المشرعين، ومعها المصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يفرضون الحماية القانونية عليها لمصالح الطبقة السياسية المسيطرة وبعض ظهيرها الاجتماعي!
كانت المتغيرات الجيلية تتم، ومعها بعض التغيرات في القيم والاتجاهات ذات استقرار نسبي، مما يجعل من ضبطها وفرض الحماية القانونية والاجتماعية عليها أمرًا في مكنة المشرع في الدول الأكثر تطورًا والمتوسطة.
كانت الأنظمة القضائية الغربية المستقلة وبعض غيرها، قادرة على فرض الضمانات القضائية والقانونية الموضوعية والإجرائية على أطراف النزاعات القانونية، وفي مجال الجريمة والعقاب، من خلال أنساق التفسير والتأويل القانوني المستقرة، وإحكام المبادئ القانونية والقضائية على النزاعات القانونية الجنائية والإجرائية والمدنية والاقتصادية…الخ. مع أزمنة السرعة الفائقة، باتت الفجوات تتسع ما بين المنظومات القانونية، وبين انفجار أشكال جديدة من السلوك الاجتماعي للأجيال الجديدة، والقيم المغايرة والمستجدة لكل جيل، في ظل الفردية والأنوميا – الاغتراب الفردي – والتفكك في الروابط الاجتماعية، والتنافس الاجتماعي على العمل خشية البطالة، وعدم التكيف مع التغيرات التقنية، وتطور مفهوم العمل، من الإنساني إلى حلول الروبوتات، والذكاء الاصطناعي التوليدي بديلًا عن أنماط مختلفة من الوظائف، ومن ثم ساد رهابُ الخوف من البطالة، وعدم إمكانية التأهيل والتكيف مع أنماط عمل جدّ مختلفة ومغايرة!
ن هنا نلاحظ تمدد ظواهر جديدة ومتغيرة وغير مألوفة من العنف الاجتماعي، والجرائم المستجدة، وغير المعروفة لدى أجيال سابقة، وبعضهم داخلها يمارس السلوك العنيف، من التنمر والتوحش والتحرش، بل والعنف اللفظي والهوياتي، ومن ثم لم تعد الخطابات القديمة والدفاعية عن القيم والتقاليد والآداب العامة صالحة لفهم التغيرات بل والتحولات فائقة السرعة في كل هذه المنظومات القيمية، بل والقدرة على الدفاع عن التماسك والاندماج الاجتماعي، والأسري، وفي منظومات الصداقة والزمالة والزواج…الخ.
تتزايد أشكال العنف حتى لدى بعض الأطفال والصبية في الدول الفقيرة والمتوسطة، التي تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية، وعسر تكيف سلطاتها السياسية والتشريعية والتنفيذية مع ما يجري في المجتمع، وقدراتها على فرض القوانين، على نحو تبدو معه حالة المجتمع في مواجهة الدولة وسلطاتها، في هذه الدول، لاسيما في عالمنا العربي، ودولة المعسورة.
إن نظرة على ما وراء أشكال العنف والجرائم والانفلات القيمي والسلوكي، مردّه عوامل وتغيرات عديدة يمكن لنا رصد بعضها فيما يلي:
1- تفكك أنظمة التنشئة الاجتماعية التقليدية الموروثة وشبه المحدثة، من خلال نظام الأسرة، والمدرسة، وجماعة الرفاق، والانتماء الديني والمذهبي، ومرجع ذلك بدايات تفكك الأسر، من خلال ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق، أو الخلافات الأسرية بين الآباء والأمهات وعدم الطلاق إلا لعلة الزنا -في المذهب الأرثوذكسي القبطي المصري-، أو العلاقات المتزايدة خارج نظام الزواج، والأهم سعي الآباء والأمهات للعمل في أكثر من جهة عمل سعيًا وراء مواجهة متطلبات الحياة اليومية الضاغطة للأبناء والوفاء بمتطلبات الدروس الخصوصية واحتياجاتهم المتزايدة، أو سفر الآباء للعمل في إقليم النفط، أو لجوء بعضهم إلى آليات الفساد الوظيفي لتحقيق متطلباتهم، وكلها أمور أثرت ولا تزال تؤثر على التماسك الأسري، وتنشئة الأبناء، من ناحية أخرى تأثير جماعة الرفاق والأصدقاء على بعضهم بعضًا في أنماط سلوكية تجلت غير مألوفة من الأجيال الأكبر سنًا، ومع ذلك انصاعوا لتحقيقها لأبنائهم!
ساهمت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، في حلولها محل آليات التنشئة الاجتماعية الفعلية، من حيث التأثير القيمي المتزايد على الحياة الرقمية، بل وفي أنماط تفكير مغايرة، على نحو يحفز على رفض الواقع الفعلي، ولجوء بعضهم إلى مواقع إباحية، أو مواقع تحض على الجريمة من أجل الحصول على المال، أو لقتل الأصدقاء على نحو ما تم مؤخرًا من قتل طفل لزميله وصديقه في المدرسة، أو قيام بعض كبار السن بالاعتداء على الأطفال الصغار جنسيًا وهو ما ظهر من خلال بعض الجرائم التي صدرت خلالها أحكام قضائية صادمة.
ثمة بعض من السلوكيات ذات الطبيعة الاستعراضية من خلال الفيديوهات المطلقة، والصور على وسائل التواصل الاجتماعي سعيًا من بعضهم وراء تزايد وتراكم التفضيلات للحصول على المال من الشركات الرقمية! من ثم بات سعي بعض الصبيان يرمي لتقليد هذا السلوك، ومعه بعض الفحش في القول، والبذاءات من بعضهم/هن ظاهر، وهو ما بات يؤثر على سلوك الأطفال والصبية.
أدى تدهور مستويات التعليم ومناهجه ورداءته…الخ إلى استمرارية نظام الحفظ السريع والتكرار ثم الإيجاز والتلخيص الوجيز المؤدي إلى النسيان تحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع مستويات دراسة تاريخ كل بلد، ومكوناته، وتاريخ المنطقة، والعالم المتعدد، إلى تقوقع الصبية والبالغين في جميع مستويات التعليم، وانزوائهم وراء سرديات لا تاريخية حول تاريخ بلادهم، وجماعاتهم أيا كانت، بل وصل الأمر إلى حالة من الجهل بالأديان والمذاهب التي ينتمون إليها، وتبني حكايات لا تاريخية وشفاهية زائفة، أو مغلوطة، وهو ما أدى ولا يزال إلى تشكل ثقافة الجهل بالذات والدين والمذهب والوطن، والجماعة التي ينتمي إليها “الفرد”، وساعد على ذلك تنامي الكتب الحكائية عن شخصيات تاريخية، أو أسرية، أو سياسية أو فنية تفتقر إلى المنهج التاريخي، والمعلومات الدقيقة، والتحليل الموضوعي، وهو ما ساهم في حالة من التشوش والتوهان التاريخي – إذا شئنا استعارة أنور عبدالملك –.
2- في ظل غياب أنظمة ديمقراطية عربية، لا توجد مؤسسات تنشئة سياسية، تشكل تكوين ووعي الفرد سياسيًا، ومن ثم تربيته سياسيًا على الحرية، والنقد والعقلانية في النظر إلى السياسة، والفاعلين السياسيين، ومن ثم أدى ذلك إلى تكوين عقل شبه مغلق، يميل إلى الشائعات، وعدم فحص ما يثار من قضايا مغلوطة، والميل إلى “الترندات”، والمشاركة فيها دون علم أو معرفة.
3- أدى تعدد النظم التعليمية العامة، والخاصة إلى تمايزات اجتماعية واسعة بين الطبقات الوسطى العليا، وبعض الوسطى – الوسطى، وبين الطبقات الوسطى الصغيرة، والعمال والفلاحين، والبروليتاريا الرقيقة. ومن ثم أدت نظم التعليم الخاصة، والجامعات الأجنبية إلى إعادة انقسام المجتمع، ثقافيًا وتعليميًا وسلوكيًا وطبقيًا، ومن ثم إلى صراعات طبقية، ومعها أشكال من العنف الاجتماعي، وفجوات طبقية تتسع على نحو يحمل أخطارًا عديدة وغير مألوفة، والأخطر تفاقمها، وأثرها السلبي على التكامل الوطني، والانتماء، في ظل القيود التعليمية والطبقية على الحراك الاجتماعي إلى أعلى، ومعها ساد فقدان الأمل في الصعود إلى أعلى لذوي التعليم الحكومي من الطبقات الشعبية في العالم العربي ودوله المعسورة.
4- تنامي وتمدد وانفجارات ثورة الاستهلاك في دول العسر واليسر العربية معًا، وهو ما حفز على ممارسة الفساد في الوظائف العامة، والأجهزة الحكومية، والمؤسسات والهيئات العامة، وبات سلوكًا نمطيًا في الغالب الأعم، لضعف الرواتب، وتزايد مطالب أسر الموظفين العموميين، وأيضا تطلعاتهم الاستهلاكية المتزايدة، مع التغير الاستهلاكي السريع، الذي لم يعد قاصرًا على الطبقات الوسطى العليا، والوسطى – الوسطى، وإنما امتد إلى الطبقات الشعبية المعسورة. هذا الاستهلاك المعمم، بات شائعًا، وسط هذه الطبقات، كنتيجة للنيوليبرالية الوحشية، وتركيزها على توليد الرغبات الاستهلاكية، وإنمائها بحثًا عن تعظيم مردوداتها كونيًا، ومعها الشركات النيوليبرالية في كل بلد عربي ميسور، أو معسور، خاصة أن السياسات الاقتصادية للبلدان العربية باتت نيوليبرالية، ومن ثم وقعت دول العسر تحت هيمنة سياسات صندوق النقد الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، وأثر ذلك سلبًا على سياسات التعليم، والثقافة والدعم المالي والسياسات الاجتماعية.
من ناحية أخرى أدت السياسات النيوليبرالية الغربية إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، والأسرية في غالبية دول العالم الأكثر تقدمًا، والمتوسطة، والدول الفقيرة، لاسيما مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، والأهم توظيف الشركات الرقمية النيوليبرالية الكونية بنوك معلوماتها وبياناتها الضخمة Big Data، وتحويلها إلى مادة وسلعة للبيع للشركات الإنتاجية والخدمية الكبرى، للمساهمة في وضع خططها الإنتاجية، وفي خلق الطلب الفعال على منتجاتها، وخدماتها في مختلف أقاليم العالم على اختلاف ثقافاتها المتعددة وتنوعها.
ثورة الاستهلاك المفرط والسريع، فاقمت ولا تزال من إمكانات محدودية الفرد المادية من الدخل، وبين دوافعه ورغباته الاستهلاكية المتصاعدة وبين محدودية دخله، وهو ما يفاقم من الفجوات الطبقية، ويولد المزيد من الغضب الاجتماعي على الدولة والسلطة الحاكمة لاسيما في دول العسر العربية، ويحفز على الطلب على الفساد، وارتكاب بعض الجرائم، ويساهم من ثم في عدم الانتماء الوطني، في ظل ضعف فاعلية القانون، وأجهزة تطبيقه وإنفاذه في مختلف المجالات، خاصة مع الانفجارات السكانية المتصاعدة، ومشاركة أجهزة الدولة في الأنشطة الاستهلاكية مثلها مثل شركات القطاع الخاص، على نحو يفاقم من أزمات دولة القانون والحق في دول العسر العربية.