الدولة المركزية والسلطة اللامركزية

img

صحيفة الثورة السورية

الأربعاء 2026/1/28

حتى تكون الدولة حيادية يجب أن تتمتع بالسيادة على كامل المساحة الجغرافية للبلد المعني، لهذا، ببساطة، لا تكون الدولة لامركزية. الدولة حيادية تجاه مواطنيها ومكوناتها المختلفة سواء أكانت إثنية أم دينية أم طائفية، هذه النقطة لا تزال تواجه لبساً في فهم الكثير من القضايا الإشكالية التي تخص دولاً فيها هذا التنوع كسوريا. أهم هذه الإشكاليات هي توزيع سيادة الدولة العليا كمعبِّر عن وحدة البلد، سيادة الدولة لا توزع، بل السلطة المنتخبة.

السلطة متغيرة والدولة ثابتة من حيث السيادة العليا على البلد، الدولة ليست أشخاص السلطة أي سلطة، ليست حزباً، ليست عقيدة أو أي أيديولوجيا، ليست ديناً أي دين، وليست طائفة أو إثنية، الدولة هي هيئة اعتبارية حيادية تجاه المواطنين والأديان والطوائف والإثنيات والأحزاب والعقائد، ولا تقبل القسمة على أحد، لهذا، الدولة وسيادتها مركزية.

في العالم عدة تجارب مهمة تجدر الاستنارة بها: أميركا، كندا، بريطانيا، الهند، إيطاليا، إسبانيا، وسويسرا. كثير من الدول أخذت بمبدأ اللامركزية في دستورها، لكن كلها تشير إلى أن اللامركزية هي توزيع السلطة على المناطق أو الأقاليم، وليس الدولة وحياديتها. في هذه التجارب كلها هنالك تقاطع مركزي هو: مركزية الدولة الحيادية فيما يتعلق بالسيادة العليا خارجياً وداخلياً.

الدفاع والأمن والسياسة الخارجية هي التي تضمن مركزية الدولة وحياديتها، ما تبقى من السلطات التي تتعلق بإدارة شؤون مناطقها هي سلطات لا تتمتع بأي وظيفة سيادية إلى جانب وظيفة الدولة الأساسية.

هنا ندخل إلى نظام المحاصصة الموجود فقط في العراق ولبنان، هذا ما سأناقشه هنا، لكونه وثيق الصلة بما يطرح في سوريا الانتقالية الآن في خلط واضح بين مفهوم اللامركزية والفيدرالية وبين مفهوم المحاصصة، خلط تستخدمه أطراف الأمر الواقع في سوريا، ببساطة لأنها تريد دولة داخل دولة لأشخاص وفصائل بعينها بقوة السلاح، أي مفهوم نظري يجد اختباره في الواقع.

من حيث المبدأ، المشكلة ليست في مفهوم الفيدرالية ولا بمفهوم اللامركزية، المشكلة تكمن بتطبيقها على الأرض في كل دولة على حدة. سأضرب مثالاً سريعاً: في أميركا مثلاً في كل ولاية ومدينة هنالك شرطة محلية، لكن هنالك مكتب التحقيقات الفيدرالي له السيادة على كل قضية تخص الأمن المجتمعي العام. هذه الحالة المؤسسية مثبتة في قوانين علاقة الولايات بالمركز وصلاحيتها، كذلك الأمر في سويسرا.

في مثال آخر: هنالك قوات الحرس الوطني كقوة مركزية في أميركا تستطيع التدخل في أية ولاية أميركية بناء على صلاحيات الرئيس. بالمقابل، النائب العام في كل مدينة أميركية لا يعين، بل ينتخب من أهل الاختصاص والمجتمع في كل ولاية. هنا سلطة لامركزية، في أميركا وسويسرا وكل الدول التي تتبع نظاماً لامركزياً لسلطتها، فيها جيش واحد.

نأتي الآن لتجربة العراق التي أتت كما هو معروف نتيجة عاملين: الأول النضال الطويل للشعب الكردي في العراق من أجل حقوقه، إضافة إلى نضال الحزبين الكرديين في النضال العراقي ضد النظام الفاشي الصدامي. هذا ما يفتقده قسد وحاكمه الحزبي في المرحلة الأسدية. الثاني هو الخارطة السياسية في العراق بعد الاحتلال الأميركي له.

بالنسبة لكردستان العراق، فقد حصل على صيغة ليست موجودة في أية دولة بالعالم: أكبر من فيدرالية وأقل من دولة. نتيجة لفرض نظام محاصصة وليس نتيجة لتطبيق مبدأ فيدرالي ذي مفهوم نظري دستوري متعارف عليه سابقاً في التاريخ. كردستان العراق: لديها جيش خاص وشرطة خاصة ولا يوجد أي رابط لها بالعراق سوى علم الدولة. في الحقيقة، هذا الالتباس نتج عن رؤية العامل الدولي والإقليمي في مفاوضاته وموازين قواه ومصالحه.

من حق الكرد في كردستان العراق، قيام دولة لهم. أما هذا الشكل سيبقى يولد الإشكاليات في علاقة سلطة الإقليم بسلطة المركز. حيث نجد بالمقابل أن الإقليم يشارك في حكم العاصمة من خلال منصب رئيس الجمهورية وبعض الوزارات، لكن المركز ليس له أي سلطة داخل الإقليم. مع ذلك ربما تنجح هذه التجربة مع الأيام. لكن في سوريا الأمر مختلف من كافة الجهات.

هل هنالك ملامح إقليم كردي على كافة المستويات في سوريا، حتى يتم تطبيق تجربة كردستان العراق عليه؟ رغم أنني أرى أنه يمكن أن تكون هذه التجربة في إيران أو حتى في تركيا. لكن في سوريا الأمر غير وارد. أولاً المناطق الكردية مدن وقرى مبعثرة بين محيط أكثري عربي. إضافة لخليط اثنين في المدن السورية المهمة كردياً ما عدا عفرين.

 القامشلي أيضاً فيها مكون ثالث هو المكون الآشوري مطلبه ليس كمطلب قسد مثلاً. بالتالي ما تطرحه قسد وما طرحه مؤخراً غزال غزال هو نظام محاصصة شاذ سورياً بكل المعاني. أما فصائل الهجري، فقد حسمت موقفها إسرائيلياً فهي تريد دولة مستقلة. مطلب قسد: جيش داخل جيش، ووزارة خارجية داخل وزارة خارجية. هل هذه الصيغة تبني بلداً فيدرالياً؟ في العراق عملياً هنالك أربع وزارات خارجية: وزارة مركزية، وزارة لدى القوى الشيعية، ووزارة لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البرزاني، ووزارة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

هذا ما تريده قسد وما يريده غزال غزال. هل يستقيم الأمر في سوريا؟ الجواب من كل الأطراف يحتاج لبحث الوضع السوري كما هو على الأرض. مبدئياً ما يطرح هو ألغام حرب أهلية مستمرة. سؤالي الأخير: هل تقبل السلطة في دمشق توزيع سلطاتها لامركزياً أو فيدرالياً؟ وفق الفيدراليات المتعارف عليها لا وفق نظام المحاصصة؟ برأيي تقبل. لكن مشروع قسد مثلاً سيبقى يحكم بالقوة. لأنه في أية عملية انتخابية حرة لن ينجح قسد في البقاء في حكم المنطقة، وهذا لا يمكن لقسد أن يسمح به!

كذلك الأمر ينطبق على الهجري وينطبق على غزال غزال. بالحديث عن الأخير، لا أنفي تعرض العلويين لشكل من أشكال الاستباحة. لكن مشروعه لا علاقة له بهذه الاستباحة. محاصصة لبنان ليست محاصصة لامركزية، وليست كذلك فيدرالية، فهي محاصصة من نوع هزيل أسسها الاستعمار الفرنسي، لا يستحق النقاش. نقطة أخرى؛ المطروح يقول التالي: إن تبقى نفس الشخصيات والقوى متحكمة في تلك المناطق، لأنها بنى غير ديمقراطية أساساً.

ما يصلح في سوريا هو لامركزية جغرافية. في هذا النقاش لا رأي نهائياً، لماذا؟ لأن الأمر فيه عوامل خارجية إقليمية ودولية. بالتالي يخضع لميزان قوى عسكري بالدرجة الأولى، وليس لمصلحة سوريا والسوريين. هذا رأي لفتح النقاش وليس رأياً نهائياً بالنسبة لي. في النهاية كل ما هو مطروح يمكن نقاشه، من أجل ألا تراق نقطة دم سورية.


الكاتب غسان المفلح

غسان المفلح

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة