الفردانية والحرية والقانون
تمثل الحداثة القانونية أحد أهم إنجازات التحولات في الفكر الغربي نظرياً وتطبيقياً، في ظل أطر الرأسمالية الغربية وتشكلات مفهوم الأمة والفرد والفردانية، والعلامة المفصلية على تجسيدات وتجليات مفهوم التقدم، وتأثيراتها على التفاعل مع الحداثة الفلسفية والسياسية والاجتماعية في النماذج الديمقراطية الليبرالية التمثيلية. ومن ثم كانت، ولا تزال – حتى التحول إلى النيوليبرالية الرأسمالية الكونية – دولة القانون والحق أحد محركات تطور العلاقة الجدلية بين الرأسمالية وتطوراتها، وبين القانون والحرية.
كانت البنى الرأسمالية، ومصالح القوى المسيطرة على الإنتاج وعلاقاته وفوائضه، تفرض مصالحها على السلطات التشريعية والتنفيذية، التي تنحاز لها في تفضيلاتها للمصالح المتصارعة، وتفرضها في القوانين التي تنتجها وتقررها، وتنفذها السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة. ومن ثم كانت القوانين تعبيراً عن المصالح المسيطرة في الرأسمالية الليبرالية. ومع تطور الرأسمالية والنظم الليبرالية التمثيلية، ومعها الثقافة السياسية، ظهرت وتنامت أدوار الطبقات العاملة والفلاحين، والنقابات والجماعات المعبرة عن مصالحهم، وأيضا الأحزاب السياسية الحاملة لمصالحهم أو بعضها، والمعبرة سياسياً عنهم في الحياة السياسية والانتخابات العامة، وأيضا الدور الهام الذي قامت به الصحف والمجلات، على نحو أدى إلى تبلور وتجسد هذه المصالح سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ومن ثم إلى تبني بعض هذه المصالح لاعتبارات تتصل بالاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الأوروبية، وثقافاتها القانونية الأنجلوساكسونية، واللاتينية، والألمانية. من هنا دخل مفهوم التوازن بين المصالح المتصارعة والمتعارضة في الثقافة القانونية للمشرعين والسياسيين، والميل نسبياً في عديد الأحيان إلى مراعاة بعض مصالح الطبقات الوسطى والعمالية والفلاحية في بعض التشريعات المختلفة في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما تنامى مع دولة الرفاه ونظام الضمانات الاجتماعية.
ظل القانون الوضعي الغربي – أيا كانت الفلسفة القانونية وتقاليدها ومرجعياتها التاريخية – تعبيراً عن مصالح القوى المسيطرة والرأسمالية وأقطابها ومؤسساتها وشركاتها وأرباحها واستثماراتها وفوائضها، مع مراعاة بعض مصالح الطبقات الاجتماعية الوسطى والشعبية العاملة والفلاحية.
ومع تطور الثقافة السياسية الليبرالية، والانفصال والتمايز بين الوضعي/القانوني، وبين الميتاوضعي–الديني وعقائده ومقدساته وسردياته التاريخية وأخلاقياته، خرج الميتاوضعي الديني عن عمليات إنتاج التشريعات، وباتت السياسات التشريعية رهينة صراعات القوى والطبقات الاجتماعية، وسلطات الدولة وأجهزتها، وصراعاتها وتنافساتها، التي تمثل أحد أبرز سمات الدولة القومية الليبرالية، ودينامياتها وتطوراتها.
أدت الصراعات بين المصالح المتعارضة إلى تطور الثقافات السياسية الليبرالية التي أدت إلى ميلاد الفردانية، والفرد كفاعل اجتماعي، ومن ثم إلى نشأة المجتمعات المدنية بين الدولة والمجتمع والأفراد، ودورها الفاعل في الدفاع وحماية مصالح القوى الاجتماعية والجماعات المهنية والوظيفية وغيرها.
لا شك أن دور المجتمع المدني ووظائفه في الدفاع عن الحقوق والمصالح والحريات العامة، ساهم في حركية النظم الليبرالية الغربية وتطورها في عديد المجالات.
ارتبط القانون الغربي الأوروبي والأمريكي – ونظائرهم – بالفلسفة ومرجعياتها ورموزها المتعددة المصادر، والتي ركزت على أهمية القانون في علاقته بالدولة والسياسة والقيم والمصالح، ومن ثم السلطات الحاكمة، من منظور علاقة القانون بالسياسة، وأن القانون ليس محض تابعاً آلياً لها وتناقضاتها، وإنما مؤثراً عليها، وخاصة في ظل تأصل الحريات العامة والفردية، على نحو جعل من القوانين أحد أبرز الأنساق الداعمة للحريات، والدفاع عنها وحمايتها من تغول أي سلطة من السلطات الثلاث، بل ومن بعض القوى الرأسمالية المسيطرة، وذلك في إطار توزيع القوة بين السلطات الثلاث، وخاصة استقلال السلطة القضائية وجماعات القضاة، وذلك كركيزة أساسية لحماية الحقوق الفردية والحريات العامة. وقد أدى استقلال القضاء والقضاة – مع تطور الرأسمالية وموازين القوى وصراعاتها والليبرالية وحركية الحياة السياسية – إلى دعم الفردانية والفرد ودورهما في تطور الحياة السياسية، وأيضا في إنماء الثقافة السياسية الليبرالية، في جدليات بين السياسة والقانون والاقتصاد.
من هنا كان القانون الغربي الوضعي موضعاً للاحترام والامتثال لقواعده وأحكامه ومعاييره في الحياة العامة وتفاصيل الحياة اليومية، في الشارع، وعلاقات الأفراد ببعضهم بعضاً في الطرق والمرور وأماكن التنزه، وفي علاقات العمل، وفي العلاقة بينهم وبين أجهزة الدولة على اختلافها، وفي علاقات الزواج وخارجها، والمخادنات، وعلاقات الجيرة والزمالة. وأيضا بات القانون – في مختلف مجالاته – موضعاً لاحترام أجهزة الدولة البوليسية وغيرها، أيا كانت، وبات قيداً على سلوكها الأمني تجاه الأفراد والجماعات، بحيث لا تستطيع انتهاك القيود الموضوعية والإجرائية التي يفرضها القانون تنظيماً لعملها، وإذا خرجت عن هذه القيود والضوابط القانونية تخضع للمساءلة من سلطاتها أو من القضاء والمحاكم، وذلك حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم.
ساهم مبدأ فصل السلطات والتمايز بينها، والتعاون في حدود ما وضعته الدساتير المكتوبة أو الأعراف الدستورية، في رسوخ الحريات الفردية والعامة، وباتت جزءاً رئيساً من مكونات الثقافات الغربية على تعددها، وبعض من سماتها المشتركة العابرة لها، وخاصة استقلال القضاء والقضاة كملاذ للأفراد في مواجهة السلطات المختلفة، أو إزاء بعضهم بعضاً، أو غيرهم من الشخصيات المعنوية الأخرى في المجتمع.
بات احترام القانون أحد علامات الديمقراطيات الليبرالية التمثيلية، ودولها ومجتمعاتها وأفرادها وجماعاتها، وذلك لاعتبارات أخرى تتكامل مع العوامل السابقة، ويمكن رصد بعضها فيما يلي:
1- تولي نظم التنشئة الاجتماعية في الأسرة والمدرسة والجامعة… إلخ، أهمية كبيرة لضرورة احترام القانون في الحياة العامة والفردية، وفي العلاقات مع الآخرين، على نحو يتشكل معه الإنسان في تطوره العمري على احترام القانون وحقوق الآخرين وعدم المساس بها.
2- التنشئة السياسية في المدرسة والجامعة والأحزاب السياسية… إلخ، تركز على أهمية احترام القوانين في كافة تفاصيلها ومجالاتها، لأنها المنظمة للعلاقات الاجتماعية، والحامية للحريات والحقوق الفردية والعامة، واحترام أجهزة نفاذ القانون.
3- التكوين الفردي التعليمي والثقافي العام على الوعي بضمانات حماية الحقوق والحريات من القضاء المستقل، واللجوء إليه حال انتهاك هذه الحقوق من أجهزة الدولة أو الأفراد.
4- ساهمت أجهزة الإعلام المسموع والمرئي، والصحف والمجلات، في الكشف عن انتهاكات الأفراد أو السياسيين أو أجهزة الدولة للقوانين والحريات، أو أشكال الانحراف الوظيفي والفساد الإداري والسياسي، على نحو ساهم في تكريس وإنماء حساسية الوعي الفردي والجمعي باحترام القانون وسيادته على الجميع في الدولة والمجتمع معاً.
كشفت الصحف الكبرى عن فضائح لكبار السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كفضيحة ووترجيت، وأكاذيب غزو العراق وإسقاط نظام البعث وصدام حسين، وبعض تجاوزات ترامب، وتهرب شركاته من الضرائب، والتحريض على أعمال العنف واقتحام الكونغرس، ورفض نتائج الانتخابات، وأيضا الإفراج عن بعض صوره الكاشفة عن علاقاته في ملف فضيحة إبستين والاتجار الجنسي بالأطفال مع غيره من السياسيين والشخصيات البارزة، وأيضا عن بعض ترهاته وأكاذيبه، وتوظيف أفكاره وسلوكياته الغرائبية الخارجة عن المألوف سياسياً، ونقدها وتحليلها للجمهور.
أدى دور الصحافة والإعلام المرئي والرقمنة إلى مساءلات الرأي العام للشخصيات السياسية العامة، والقادة والرؤساء في الحكم أو المعارضة معاً، وذلك من خلال معايير احترام القانون أو انتهاكه.
ومع تطور الرأسمالية النيوليبرالية الوحشية، وثورة حرية الاستهلاك المكثف، سيطرت الشركات الرأسمالية الرقمية الكونية وغيرها على سياسات التشريع والاقتصاد والسياسات الاجتماعية الأخرى، من خلال التأثير على سلطات الدولة، وهو ما أثر نسبياً على الدولة والقانون وسياسات دولة الرفاه وتراجعها. وأدى ذلك إلى ممارسات تمس نسبياً مبدأ الفصل بين السلطات، على نحو ما تشير إليه بعض الممارسات السياسية لدونالد ترامب في ولايته الحالية تجاه القضاء، وتجاوز الكونغرس في بعض الأمور، وأيضا الأجهزة الفيدرالية. وثمة أمثلة أخرى، في فرنسا على سبيل المثال.
ومع النيوليبرالية وشركاتها، وتأثيراتها على مفهوم الدولة والنظم السياسية الليبرالية التمثيلية، بدأت تعود – ولو إلى حين – بعض من القومية العرقية، على نحو ما تشير إليه خطابات وتغريدات وتصريحات ترامب، واليمين الأوروبي واليمين المتطرف، وهو ما بات يشكل تنشيطاً لثقافة كراهية الآخر، خاصة تجاه المهاجرين من أصول عرقية مختلفة، ويشكلون أحد مكونات هذه المجتمعات، وهو ما بات يشكل خرقاً لقانون الدولة، نظراً لفشل بعض مكونات سياسات الاندماج القومي في هذه البلدان، من بعض هذه المكونات، لا سيما من المتشددين الدينيين، وبعض العمليات الإرهابية التي قام بها بعضهم في فرنسا وبلجيكا ودول أوروبية أخرى.
وخروج بعض أفراد هذه الجماعات الإسلامية والعرقية الأخرى… إلخ، بات يشكل انتهاكاً لاحترام القانون، وللحريات الفردية والجماعية. ومن ثم سيتأثر احترام القانون بالتحولات من مرحلة الإناسة الروبوتية وما بعدها، وخاصة دور الذكاء التوليدي وعالم الروبوتات، وحلول نظمه بديلاً عن العمل الإنساني، وتمدد البطالة في عديد المجالات، في التأثير على مجالات التشريع والقضاء والدفاع عن الحريات الفردية والعامة.
تبدو علاقات الدولة والقانون والحريات في طور من السيولة، وبعض من الارتباكات، في عالم في طور التحول وفائق السرعة، تتآكل معه مفاهيم وتقاليد وموروثات وثقافات قانونية وعلمية وغيرها.
المصدر: الأهرام