العرب والثورات العلمية: بين الفرجة والاستهلاك واللعب
ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، والرقمنة، ووسائل التواصل الاجتماعي تشكل نقطة تحول في التاريخ البشري كله، وعالم الحداثة، والعقلانية، والحريات، وما بعد الحداثة، والمابعديات. كل المواريث الفكرية والفلسفية في مجال العلوم الاجتماعية، تبدو في بعضها غير قادرة على الوصف الدقيق للظواهر الجديدة والمتغيرة في سرعات فائقة، والذي لا يزال جزئيًا، ومن ثم بعض الصعوبة حول ما ينبثق عنها من الأسئلة والإشكاليات التي تنطلق من سياقاتها المتغيرة في سرعاتها المتلاحقة، ومن ثم عسر القدرة على التنبؤ بمسارات التحول، على تعدد سيناريوهاتها، على العقل والوجود الإنساني العام والفلسفي والسوسيولوجي، في عالم يبدو غائمًا في تحولاته الحاملة لثورات هادئة، وناعمة في شكلها وصورها، لكنها زلزالية، وتسانومية فيما وراءها، بل ربما أكبر وأخطر من إمكانياتنا اللغوية، في إيجاد مفرداتٍ وأوصافٍ، ومجازاتٍ للتعبير عن نوعية هذه التحولات الجذرية التي تحدث حولنا، وبنا، ونتحول معها إلى محض أدواتٍ، وأشياءَ في أسواقٍ استهلاكيةٍ، وذلك بغير إرادةٍ منا.
لم يعد عالم ما بعد الإنسانية سرديةً تخييليةً روائيةً، كما تنبأ ألدوس هاكسلي في روايته «عالم جديد شجاع» Brave New World، التي تخيلت عالمًا يتم التحكم فيه بيولوجيًا واجتماعيًا عبر التلاعب الجيني، والتحكم في عقول البشر على نحو يغير من الطبيعة الإنسانية ووجودها وشرطها الإنساني.
ثمة أيضًا سردية جورج أورويل الروائية ذائعة الصيت (1984)، حيث السيطرة السلطوية الكلية على الإنسان، وذلك عبر التكنولوجيا ونظم المراقبة، والأخ الكبير الذي يراقب كل شيء ويفرض سلطته على الجميع، وتغيير الطبيعة الفردية، في ظل التطور التقني، وهي وغيرها من الأعمال السردية التخيلية، حاولت استشراف الصراع بين الآلة/التكنولوجيا، وبين الإنسان، وشرطه الوجودي، والقدرة على امتلاك مصيره، والأهم ذكاءه، مع تنامي قدرات التكنولوجيا وتطورها المتلاحق الموجات، لا سيما مع الثورة الصناعية الثالثة، والرابعة، والخامسة التي تتلاحق بشائرها وعلاماتها.
ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ووسائل التواصل الاجتماعي تعيد تشكيل وإنتاج الوجود الإنساني، والتحول من مركزية الإنسان في الوجود إلى مركزية الذكاء الاصطناعي، وعالم الروبوتات، وقلة قليلة من أمراء وأباطرة الرقمنة والذكاء الاصطناعي عند قمة عالمنا مسيطرين، من خلال الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية فوق عالمنا كله: دولًا ومجتمعاتٍ، وثقافاتٍ، وأديانًا ومذاهبَ ومعتقداتٍ وطقوسًا، وسلوكياتٍ، ووعيًا… إلخ!
مع تخلف المجتمعات العربية الميسورة والمعسورة، ومعنا دول عديدة في جنوب العالم، تبدو الكتابة عن عالمنا المتحول وكأنها سردياتٌ تخييليةٌ عن عالمٍ مختلفٍ يدور في مخيلة الكتاب، ومنفصلةٌ عن واقعٍ موضوعيٍ مؤلمٍ كنتاجٍ للتخلف التاريخي المركب، والذي وصفه فوزي منصور في كتابه «خروج العرب من التاريخ»، في طبعته العربية 1993، قبل التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والانتفاضات الشعبية، والحروب الأهلية، وتفكك المنطقة ونهاية العروبة، والاستقلال الوطني، ثم الانتفاضات الثورية للطبقات الوسطى، وفشل مراحل الانتقال السياسي، وعودة الشعبويات السلطوية، وموت السياسة، وهيمنة العقل النقلي الديني، والتشوش والاضطراب والتوهان التاريخي للعقل الجمعي، وتشظي السرديات التاريخية، والصراعات حول التاريخ، والوطنيات الهشة، والهويات المتشظية ونزاعاتها.
يبدو العالم العربي وقادته السلطويين والطغيانيين التابعين للمركز الأمريكي النيوإمبريالي، ومعهم أنظمتهم وسلطاتهم، ومجتمعاتهم، وكلهم جالسون سكونيًا في موقع المتفرج اللحظي، أمام بعض مظاهر التحول، وكأنهم يشاهدون موجات التغيرات العلمية والتقنية الهادرة في أحد طقوس الفرجة في قاعات السينما، في نمطٍ من التلقي البصري الحكائي عن عالمٍ غادر قاعات السينما والتلفازات إلى ما بعد المواقع الرقمية، وبدت وسائل التواصل فضاءاتٍ للعب الرقمي، عبر المنشورات، والتغريدات، و«الثريدات»، والصور، والفيديوهات الطلقة… إلخ.
استغراق مئات الملايين في طقوس الفرجة، والكتابات المرسلة، والانطباعات السطحية والعابرة، والأخبار الكاذبة، والحكايات عن الأشخاص، والرموز، والزواج والطلاق، والمخادنات، وصور النساء وأجسادهن، واللغة البذيئة النابية، والتعري الجسدي، وانفجارات مشاعر محمولة على الكراهية والتعصب، والتنمر! حالةٌ من العبث الرقمي، لم تدر قط على أخيلة الروائيين، وكتابات المثقفين، ولغة الصحفيين والإعلاميين! حيث يثور السؤال التاريخي والمستمر عبر الزمن والأنظمة والقادة الاستبداديين والتسلطيين: لماذا لم يشارك العرب في إنتاج الحداثة، وما بعدها، وما بعد بعدها؟!
غياب العرب عن المشاركة في إنتاج المعرفة والتقنيات مرجعه الاستبداد، وقمع الحريات، ومعتقلات العقل النقدي والروح، والخضوع للتسلطيات الدينية التابعة للحاكم المتغلب، في مقابل بعضٍ من التحديث المادي السلطوي الجزئي، والتعليم الرديء، والثقافة النقلية الدينية، والإيديولوجيات المستوردة المحمولة على العقلية النقلية السياسية في واقعٍ موضوعيٍ مختلفٍ، لم يسلم من هذه الدوائر النقلية إلا قلةُ القلة من المفكرين العرب.
بدا عالمنا العربي ومجتمعاته الانقسامية مفتتةً، وسلطاته الحاكمة مستبدةً وتسلطيةً وشعبويةً منذ الاستقلال. كانت النخب السياسية الحاكمة ومعارضاتها الأسيرة خارج التاريخ، بعد غروب وموت حركات التحرر الوطني. ماتت الروح العربية وعقولها الجمعية من خلال العجز عن الفعل والإبداع، وعدم استيعاب وتمثل الثورات التكنولوجية المتعاقبة فهمًا وإدراكًا وإبداعًا، وما وراء هذه الثورات العلمية من عقلٍ علميٍ خلاقٍ، وفكرٍ نقديٍ حرٍ، وعقلانيةٍ ورشادةٍ، والأهم سيادة القانون والحريات العامة والفردية، ونظمٍ ديمقراطيةٍ تمثيليةٍ، تحترم الفرد الحر المسؤول، وإرادته الفاعلة في المجالين العام والخاص. من ثم لم نشارك في الإبداع العالمي التكنولوجي، ولا في الفكر الإنساني، إلا بعضًا ممن غادرونا من القلة القليلة من النبهاء إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، وتوافرت لهم شروط الإبداع الفكري والتقني في دول المهجر.
استوردنا بعض نفايات التكنولوجيا قبل وبعد الاستقلال، التي لا تعدو سوى زبالةَ تكنولوجيا تم تجاوزها منذ زمنٍ في بلادها، وتغيرت تكنولوجيات الغرب والشمال بأخرى متعددة الأجيال، لكي نستوردها ونستهلكها، ونعيد معها تخلفنا التاريخي المركب.
نظرنا نحن العرب إلى التحديث والتكنولوجيا كأداةِ استهلاكٍ، وليس كمعرفةٍ وإبداعٍ مؤسسَين على الحرية، والعقل النقدي الحر الكامن فيها، وفيما وراءها، وداخلها، وفي عمق أعماقها!
في كل قفزات التقنية وثوراتها الخمس، كنا نلعب ولا نزال دور المشاهد، والمستهلك لبقاياها القديمة، أو تطوراتها، ودور المتفرج المستمد من عالم الصور الفوتوغرافية في الصحف والمجلات، ومن السينما، والتلفاز، ثم المواقع والمنصات الرقمية.
دور المتفرج والمشاهد السلبي، الذي نمارسه مستمر منذ ما قبل وبعد الاستقلال حتى التسونامي الرقمي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا نجد ظلًا لمحاولاتٍ وسياساتٍ سلطويةٍ لمواكبة موجات التطور التقني والعلمي من خلال مراكز البحث العلمي المستقلة والتعليم المتطور! لم نرَ إلا إنفاقَ تريليوناتِ الدولارات في صفقاتٍ من بعض دول اليسر الريعي النفطي، بحثًا عن استمرارية أنظمة الحكم العائلية، والأهم استقرارها، من خلال دعم علاقاتها بالولايات المتحدة، وإسرائيل، إزاء تهديدات إيران!
تريليوناتُ الدولارات تم التوافق مع الولايات المتحدة على دفعها في شراء صفقات السلاح، وبعض التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، سعيًا من هؤلاء الأمراء والملوك والمشايخ وراء مواجهة تحديات عالم ما بعد النفط، وتوظيف أنظمةٍ من الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوكمة الرقمية كجزءٍ من سياسة بناء أدوارٍ إقليميةٍ جديدةٍ بديلًا عن أدوار مصر والعراق وسوريا! بينما واقع هذه البلدان لا يزال مسيطرًا عليه أنماط الاستهلاك الرقمية، التي لا تزال في حدود أدوار الفرجة والتلقي، والاستهلاك الجمعي لها من الجموع الغفيرة في منطقة الريع النفطي ومجتمعاتها.
لا يزال العالم العربي ساكنًا في وضعية استهلاك الرقمنة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، مع ثورةٍ استهلاكيةٍ فائقةِ الاستثنائية في دول اليسر، وامتدادها إلى دول العسر العربية، في مجالات السلع والخدمات بما فيها الاستهلاك المادي والافتراضي، عبر تخيلُ بعضهم وإمكانية استهلاك السيارات الخاصة، والفيلات، والشقق الفاخرة، والحياة في المجتمعات الخاصة المحمية، أو امتلاك الأثاث المنزلي الأنيق، والأجهزة المنزلية الغالية الثمن. هذا الخيال الافتراضي الذي يسيطر على مخيلات بعضهم من المعسورين والطبقات الوسطى، هو جزءٌ من ثورة الاستهلاك المكثف كونيًا، وعربيًا! بقطع النظر عن مدى قدرة الفرد على تحقيقه واقعيًا. من ثم تتحول عدم القدرة على الإنجاز والتحقق الواقعي إلى أخيلةٍ تراود بعض المعسورين!
تحول العقل والسلوك الاستهلاكي الجمعي عربيًا للتكنولوجيا من موقع العجز الفعلي إلى موقع الاستهلاك الرقمي والذكاء التوليدي على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال ما سبق أن أطلقنا عليه بسلطة الصور الومضات، والفيديوهات الطلقة الوجيزة، واستغراق الأوقات اليومية في استهلاك المنشورات، والتغريدات، والتقاط الصور الذاتية – السلفي – في المنزل، والشارع، ومواقع العمل، والمركبات العامة والخاصة، وفي المتنزهات إن وجدت للفقراء، وأبناء الطبقة الوسطى الصغيرة.
تهيمن عربيًا نزعة استهلاك الرقمنة من موقع المشاهدة من الجموع الرقمية الغفيرة، من خلال المشاركات، والتفضيلات، وأيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج الصور وتجميل الوجوه والأجساد وترويجها، وفي كتابة المقالات والبحوث، وفي فيديوهاتٍ سريعةٍ ووجيزةٍ ومتخيلةٍ عن المدن، ورموزٍ تاريخيةٍ، وسياسيةٍ، وفكريةٍ، وفنيةٍ رحلت من زمنٍ مضى.
أدوارٌ استهلاكيةٌ سادت وسيطرت عربيًا بعد نهايتها في الغرب على عقلنا النقلي المستهلك للإيديولوجيات، والفلسفات السياسية، وغيرها من النظريات، والمفاهيم والمصطلحات، ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية، واستمرارية توظيفها في واقعٍ موضوعيٍ مفارقٍ لها على تعدد مجتمعاتنا الانقسامية. ومع الشراهة الاستهلاكية لا نزال عربيًا في موقع الاستيراد المشوش، والمبتسر، والاستخدامات الإنشائية للعلوم الاجتماعية الغربية، بينما الواقع الموضوعي في كل بلدٍ عربيٍ مفارقٌ لها! لم نتغير عربيًا، ولا نزال نلعب أدوار الاستهلاك العلمي والتقني، وأيضًا نمارس دور المشاهدة لبعضٍ من تفاصيل ما يجري حولنا، وبنا، وبالإنسان، ونحن «خارج التاريخ»، ولا نزال نخضع للعب بنا من النيوإمبريالية الأمريكية، والنيو رأسمالية، وشركاتها الكونية الكبرى، ومن إسرائيل، وبمن حولنا، ولا حركةَ مضادةً لهذا من الطبقات الحاكمة وقادتنا السياسيين.
ثمة سياسةٌ لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للإقليم العربي، واحتمالاتُ تغييرٍ في الجغرافيا السياسية لمنطقةٍ مفككةٍ، والتي لا تزال تشاهد ما يحدث لها، وحولها، دونما رد فعلٍ مواكبٍ ومساوٍ للسياسات والأفعال السياسية الساعية لإعادة تشكيله، وتفكيكه، وتحويله إلى دمىً سياسيةٍ يحركها الغرب وإسرائيل، ودول الجوار الجغرافي العربي، لكي يكون عالمنا العربي مستقرًا في موقعه خارج التاريخ، والعالم.
نلعب، ونشاهد، ونستهلك، ونتفرج على التحول إلى ما بعد الإنسانية، وربما موت الإنسان، أو نهاية الإنسان، كما ذهب فوكوياما، وعواقب الثورة البيوتكنولوجية على الوجود الإنساني، لأننا خارج التاريخ ونعيش في معتقلات الروح والعقل.
المصدر: الأهرام