كي لا ننسى نعمان شكور «أبو وهبي»…

img

ستةٌ وعشرون عاماً على رحيله

لم يكن يومُ رحيلِ نعمان شكور «أبو وهبي» المفاجئ، يومَ الثلاثاء الأخير من القرن الماضي، يوماً عادياً بالنسبة لي. عندما تلقيت هذا النبأ المؤلم، بكيتُ لوحدي، ولم أستطع المشاركة في واجبات العزاء، فقد كنتُ مطلوباً للاعتقال من قبل أجهزة مخابرات النظام منذ العام 1987. وقد مثّل عمر قشّاش الحزب في مراسم الصلاة والدفن، وألقى كلمة وجدانية عدّد فيها مناقبه ودوره النضالي. وخلال هذه المدة كان نعمان واحداً من القلائل الذين كنتُ أتواصل معهم بشكل دائم، وكان سبيلي للتواصل مع ما تبقّى من دوائر للحزب في محافظة حلب، ومؤتمناً وحريصاً على سلامتي الأمنية.

منذ أن تعرّفتُ عليه في العام 1976، وهو العام الذي نقلتُ فيه إقامتي إلى حلب، لم تنقطع العلاقة فيما بيننا. وكان الانتماء المشترك للحزب الشيوعي السوري «المكتب السياسي»، هذا الحزب الذي يُعرف اليوم باسم «حزب الشعب الديمقراطي السوري»، هو السبب المباشر لهذه العلاقة، التي تجاوزته إلى أكثر من ذلك، عنوانها الصداقة والاحترام، لتمتدّ إلى روابط من المودة والألفة بين عائلتينا.

كان طالباً في كلية الهندسة بحلب، وكنتُ طالباً متابعاً في قسم الجغرافيا بجامعة دمشق. هذا ما جمعنا في تنظيم واحد، وهو تنظيم الحزب في جامعة حلب، الذي كانت تشرف عليه فرعية الجامعة. وكنتُ معه، ومع رفاق آخرين، أعضاءً في هذه الفرعية التي كانت تضم حوالي 150 عضواً من مختلف الكليات. وقد مثّلتُ معه تنظيم الجامعة في مؤتمر الحزب الخامس الذي انعقد في الأيام الأخيرة من العام 1978.

كان نعمان من الكوادر الأساسية للحزب في حلب، تميّز بنشاطه بين صفوف الطلبة، وحضوره اللافت في التجمعات المختلفة من ندوات ورحلات وحفلات وأندية، ممّا كانت تسمح به هوامش العمل السياسي والاجتماعي، قبل أن تتكشف سياسات النظام القمعية وتتحول إلى نهج ثابت في تعامله مع أي نشاط سياسي مستقل. كان يحمل في معظم هذه التجمعات آلة العود، ويغنّي الحضور معه على أنغام عزفه الجميل، للفقراء، ولفلسطين، وللفرح، ولشعوب العالم. هذه الأغاني التي كتبها شعراء كبار مثل محمود درويش، وأحمد فؤاد نجم، وسميح القاسم، ونزار قباني، ومظفر النواب، وبدر شاكر السيّاب، وأمل دنقل، وسواهم، والتي كانت تلهب حماس شباب ذلك الزمن.

في العام 1979 انضمّ نعمان إلى عضوية اللجنة المركزية، وهي نفس الفترة التي لجأ فيها النظام إلى العنف العاري، وقمعه للحركة السياسية، وحلّه للمجالس النقابية المهنية المنتخبة والمطالبة بالحريات الديمقراطية وإلغاء حالة الطوارئ. وتعرّض نعمان للملاحقة والاعتقال لاحقاً، وبعد الإفراج عنه وخضوعه لمراقبة أجهزة الأمن، ظلّت علاقته بالحزب سرّية وخاضعة لضرورات تجنّب اعتقاله من جديد. ومع ذلك كان ينفّذ مهمات لوجستية للحزب، من أهمها تأمين أمكنة لاجتماعات اللجنة المركزية، التي كان ينعقد بعضها في حلب، إضافةً إلى دوره في إعادة نشاط الحزب إلى حلب بعد تعرّض الجسم الأساسي للاعتقال والملاحقة والسفر.

نعمان من الرفاق الذين تركوا بصمتهم على الحركة الطلابية، وهو ابن أسرة كادحة عاشت مرارة الحياة. وهو ابن مدينة جسر الشغور، والمنتمي إلى عائلة عُرف عنها وطنيتها واشتغالها بالعمل الوطني وخدمة الناس. ولنا في شقيقه، الرفيق الدكتور منذر، والمقيم في حلب حتى هذا اليوم، مثالاً في خدمة فقراء المدينة، وخاصة خلال السنوات الصعبة للثورة. وقد كتب عن شقيقه:

«ليتك بقيت لترى سامية ووهبي صيدلانيين ومهندساً ناجحين ومشرقين، ولترى الحفيدة الأولى باولا…ليتك بقيت لترى وفاء (أم وهبي) البطلة العظيمة التي أكملت الدرب الطويل المؤلم».

كانت سنوات نضاله، والتضحيات التي قدّمها مع حزبه، ومع الحركة الوطنية الديمقراطية، في مواجهة ديكتاتورية الأسد وطغمته، تمهيداً لقيام الثورة السورية وسقوط نظام الإجرام الأسدي.

وأختم بالكلمات الصادقة لرفيقنا الدكتور منذر، التي يصف فيها شقيقه أثناء تأبينه:

«عندما قِيست الإنسانية والعظمة بالتضحية…كنتَ سيدها،

وعندما قِيست الرجولة والعظمة بالشجاعة…كنتَ فارسها،

وعندما قِيست المروءة والعظمة بالكرم…كنتَ حاتمها».

لروحه السلام، والذكر الطيب.


الكاتب فهمي يوسف

فهمي يوسف

عضو الهيئة القيادية في حزب الشعب الديمقراطي السوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة