بين الحرية والديمقراطية
بينما تبدو الحرية هدفاً عاماً واضحاً، خالياً من الخيارات الإيديولوجية، مطابقاً للنزعة الإنسانية الفطرية، قابلاً لجذب المتدينين وغير المتدينين، تبدو الديمقراطية بالنسبة لكثيرين شيئاً آخر، وبصورة خاصة تبدو بالنسبة للتيار السلفي المتشدد نظاماً غربياً مخالفاً لفهمهم للإسلام، ولآخرين قريبين منهم نظاماً لا يلائم المجتمعات الإسلامية.
ولست هنا الآن للبرهنة على أن النظام الديمقراطي هو أقرب الأنظمة السياسية الحديثة لروح الإسلام ومقاصده العليا، فلذلك مكان آخر وقد سبق أن كتبت في هذا الموضوع.
لكن للتوقف عند علاقة الحرية بالديمقراطية، ومنذ البداية أزعم أن الحريات السياسية لا يمكن لها أن توجد وتستمر في الوجود بدون النظام الديمقراطي. فالنظام الديمقراطي، بأحد وجوهه، هو الحارس للحرية.
والفرق بين الحرية السياسية بدون النظام الديمقراطي والحرية السياسية بوجود النظام الديمقراطي، مثل الفرق بين العدالة بدون وجود القانون والعدالة مع وجود القانون.
فالقاضي قد يكون عادلاً بطبعه وأخلاقه وخبرته وتقواه، لكن ذلك لا يغني عن وجود القانون كمرجعية للعدالة لجميع القضاة، وبوجود القانون نضمن ألّا يبتعد القضاة عن العدل.
بالمثل، فالحرية يمكن أن توجد للحظة تاريخية بدون النظام الديمقراطي، كما هو الحال في سورية اليوم، كرد فعل لنظام ظالم وحشي جثم على صدر الشعب السوري أكثر من خمسة عقود، لكن بقاءها واستمرارها سوف يصبح رهن وجود النظام الديمقراطي بعد وقت ليس طويلاً. فالقاعدة في المجتمعات العربية هي الميل للاستبداد، وهو ميل مرتبط بجذور تاريخية عميقة، وما من سبيل لتغيير ذلك الميل سوى النظام الديمقراطي الذي يقره الدستور، وتعميق الوعي الديمقراطي لدى المجتمع بالممارسة والثقافة.
وفي التاريخ الحديث لسورية نشهد تكراراً لانقلابات بدأت بإدانة النظام السياسي السابق لكونه ظالماً مستبداً… إلخ، ثم انتهت إلى نظام مشابه لا يختلف سوى بالوجوه، بينما يتطابق في الجوهر عمّا سبقه.
ومن هذه الناحية فالنظام الديمقراطي ليس خياراً بين عدة خيارات، ولكنه الخيار الوحيد الذي يضمن بقاء الحريات عبر منظومة متكاملة تدخل في صلب هيكلة الدولة، فالانتخابات العامة للمجلس النيابي، وصلاحياته في التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وضمان طريقة تداول السلطة عبر الانتخابات والمجلس النيابي، كل ذلك يضع حدوداً لا يمكن تجاوزها للميل نحو الاستبداد.
في المقابل، فبدون النظام الديمقراطي تبدأ أزمة تآكل الحريات مع صعود الحاكم للسلطة، وتفرده بالقرار دون رقيب أو حسيب، ويزداد مع الزمن شعوره بأن وجود المعارضة يشكل عقبة أمام حكمه، وأن لديه جهازاً أمنياً قادراً على تأمين إسكات أي صوت معارض، فلماذا لا يستفيد من وجوده.
باستثناء المرحلة التاريخية الذهبية بين 1954-1958، فقد اختبرت سورية باستمرار مثل تلك السيرورة في السلطة عبر الانقلابات العسكرية، وأخيراً عبر التوريث في مرحلة ما بعد حكم حافظ الأسد.
فإذا كنا نريد اليوم ضماناً للحريات التي تتمتع بها سورية نسبياً، وتوسيع هامش تلك الحريات نحو حرية النقابات في اختيار مجالسها وقياداتها، وحرية تشكيل الأحزاب، وحرية الصحافة، وحرية المنتديات الفكرية والسياسية، وحرية الاجتماع والتظاهر… إلخ، فالطريق الوحيدة المضمونة هي التوجه نحو النظام الديمقراطي، وفقدان تلك البوصلة يعني أننا نسير نحو تآكل الحريات الراهنة.
وطالما أن العهد الجديد يمتلك ذلك الرصيد الكبير من التأييد الشعبي، فالتوجه الديمقراطي سوف يكرس شعبيته، ويمنحه شرعية لا تعود فقط للمرحلة الانتقالية وتنتهي بنهايتها، ولكن أبعد من ذلك مع إجراء الانتخابات العامة للجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع الدستور الدائم للبلاد.
وفي المرحلة الانتقالية الراهنة من المفهوم أنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية قبل سيطرة الدولة على البلاد وفرض القانون، والانتهاء من العدالة الانتقالية أو قطع شوط كبير من تطبيقها، وكذلك التعافي الاقتصادي ولو بالحد الأدنى، واستعادة الحياة السياسية. لكن استعادة الحياة السياسية خاصة تتطلب رؤية ديمقراطية، وهنا مربط الفرس، فبدون رؤية ديمقراطية وبوصلة ديمقراطية لا يمكن استعادة الحياة السياسية. وأقرب مثال لذلك هو عدم وضوح صلاحيات مجلس الشعب فيما يتعلق بالرقابة على السلطة التنفيذية، هذا المجلس الذي كان يفترض أن يبدأ عمله بعد انتخابه مباشرة، بينما لا يزال ملفه موضوعاً على الرف.
والمثال الآخر هو وجود حزب غير رسمي للسلطة بصيغة الهيئة السياسية، يتولى مراقبة النشاطات السياسية وإدارات الدولة خارج القانون وبطريقة غير شفافة، ما يعاكس النهج الديمقراطي على طول الخط.
ورغم عدم إمكانية تطبيق الديمقراطية في المرحلة الانتقالية كما سبق، فإن افتقاد الرؤية الديمقراطية، والممارسات غير الديمقراطية، يعني أننا نفتقد البوصلة في الواقع. والحريات التي حصل عليها الشعب السوري بكفاحه وتضحياته الكبيرة معرّضة للتآكل مع الزمن.
ذلك ما يعيدنا لكون الديمقراطية ليست أحد الخيارات لشكل النظام السياسي الدائم في سورية، لكنها الخيار الوحيد الذي يشكل ضماناً لحرية الشعب السوري، تلك الحرية التي قاتل من أجلها بكل القوة والعزيمة حتى ظفر بها واستحقها بكفاحه العظيم وتضحياته التي فاقت كل التضحيات.