الهشاشة الحزبية، ونهاية التعبئة السياسية

img

أحد أكثر الأسئلة تداولاً، وتردداً على أفواه الملايين في الحياة العربية ما بعد الاستقلال: لماذا فشلت الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة معاً في أداء الوظائف المنوطة بها، لاسيما ترسيخ القيم الديمقراطية والحريات العامة والشخصية؟

كانت الإجابات ولا تزال: إنها أحزاب سلطوية، من ورق، سواء كانت حاكمة، أو معارضة، أو تجمعات ائتلافية داخلها أو بين بعضها بعضاً!

الظاهرة الحزبية ما قبل الاستقلال في مصر – على سبيل المثال – اكتسب بعضها زخماً وشعبية لكفاحها من أجل الاستقلال الوطني والدستور معاً، في مواجهة القصر الملكي، أو سلطة الاحتلال البريطاني، وهو ما مثّله حزب الحركة الوطنية المصرية “الوفد”. ومن ثم كان أحد أبرز مراكز التعبئة السياسية لغالبية الطبقة الوسطى الناشئة بعد 1919، واكتسب هذا الزخم الشعبي من خلال رجال القانون والسياسة، والأفندية، وبعض من الطبقة شبه الإقطاعية وشبه الرأسمالية، ثم سيطروا على مقاليد القيادة الوفدية وأضعفوا الحزب.

بعض الأحزاب السياسية الأخرى كانت صنيعة الاحتلال والقصر الملكي، وأداة لهما في الحكم، أو المعارضة، وبعض الجماعات الإسلامية السياسية كانوا جزءاً من هذه السياسة، وذلك في مواجهة الحركة الوطنية، وأحزاب اليسار الماركسية المحظورة.

في أعقاب حركة يوليو 1952، ووصول الضباط الأحرار إلى سدة السلطة، تم تأميم الصراعات الاجتماعية والسياسية، وإلغاء الأحزاب السياسية، لصالح الحزب الواحد من تنظيم “هيئة التحرير” 1953، فـ”الاتحاد القومي” 3 نوفمبر 1957 بعد دستور 1956، إلى “الاتحاد الاشتراكي العربي” 1962، حتى التعددية داخله من خلال المنابر الثلاث في عهد السادات، إلى نظام الحزبية الشكلية المقيدة، والتي قامت بهندستها سياسياً أجهزة الدولة الأمنية.

كان موت السياسة، والأحزاب سابقة التجهيز، بلا فاعلية في تمثيل المصالح الاجتماعية والسياسية، والتعبير عنها سياسياً، من خلال برامجها السياسية، لأنها لا تعدو سوى أحزاب مقرات في العاصمة، تعبّر عن هويتها الحزبية، ومعارضتها أو تأييدها للحاكم –كما في عهدي السادات ومبارك– من خلال الجرائد التي كانت تصدرها هذه الأحزاب في ضوء الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في غالب الأحيان، وإلا تعرّضت للحظر الرقابي عليها، والمساءلة، وكان الخروج عنها قليلاً ومحدوداً.

لماذا فشلت الظاهرة الحزبية في العالم العربي، وشكلت أحد مظاهر موت السياسة، وضعف التقاليد السياسية الديمقراطية، والثقافة السياسية التعددية، لصالح هيمنة الثقافة الطغيانية والاستبدادية والتسلطية، وقيم الخضوع والطاعة والإذعان للحاكم المتغلب العربي –أياً كانت طبيعة نظام الحكم: جمهورياً، أو مشيخياً، أو ملكياً، أو أميرياً– وأيضاً لثقافة الشعارات، واللغة الخشبية، والكلام الساكت، وفق التعبير السوداني الذائع!

ثمة عديد الأسباب وراء ظاهرة الأحزاب الورقية الهشة عربياً، يمكن رصد بعضها على النحو التالي:

1- النشأة السلطوية للأحزاب التي خرجت من أعطاف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية على مثال البعث السوري، أو التوافق معها في تأسيسها، أو في الموافقة على بعض أنشطتها، أو التصريح لها بإصدار الصحف والمجلات التي تعبّر عن اتجاهاتها السياسية، واختراق هذه الأجهزة لهياكل هذه الأحزاب من داخلها.

2- انفصال الأحزاب عن قواعد اجتماعية تمثلها وتعبر عنها في البناء “الطبقي” وشرائحه المتعددة، وذلك نظراً للقيود القانونية والرقابات الأمنية التي تحول دون تمددها الاجتماعي من خلال التجنيد السياسي لقواعد لها في عموم الولايات، أو المحافظات، والمدن، والأرياف، والبوادي.

3- النزعة القيادية السلطوية للأحزاب كجزء من الثقافة السياسية السلطوية السائدة، ومن ثم غياب التقاليد والثقافة الديمقراطية داخل هياكل بعض الأحزاب، سواء السلطوية الحاكمة – لاسيما في ظل النظم العسكريتارية – أو المعارضة معاً!

4- غلبة الإيديولوجيا السياسية والشعاراتية في البرامج الحزبية الاقتصادية والاجتماعية، وانفصالها عن الواقع ومحمولاته التاريخية والاجتماعية وإرث التخلف التاريخي المتراكم، ومن ثم فقدت تأثيرها في وضع السياسات العامة، أو في الواقع. الأحزاب السلطوية الحاكمة لا تأثير لها في الرقابات البرلمانية، أو سياسات التشريع، لأنها تعتمد على السلطة التنفيذية، ومشروعات القوانين التي تمررها عبر برلمانات تم تشكيلها سلطوياً وأمنياً في غالب البلدان العربية.

5- التوظيفات السياسية السلطوية للدين، أدّت إلى توظيفات مضادة للدين من قبل الجماعات الإسلامية السياسية العربية، خاصة في تعبئة قواعدها، والتمدد الأفقي في المدن والأرياف والبوادي، وفي التجنيد القاعدي لها، وأيضاً في ممارسة الضغوط على السلطات الحاكمة، والأحزاب السياسية السلطوية. كما لم تولِ الأحزاب الحكومية والمعارضة الشكلية مسألة ثقافة الدين الشعبي وموروثاته النقلية اهتماماً، وضرورة العمل على تحليلها، وتفكيكها، ونقدها، من خلال خطابات شعبية تؤثر على الجموع الشعبية وشرائح الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية. ومن ثم غياب خطاب نقدي لتوظيف السلطات الحاكمة العربية للدين سياسياً في بناء نظام الشرعية، وفي وظائف التعبئة والتبرير السياسي لسياساتها وقراراتها، وفي الضبط الاجتماعي والرقابات السياسية والأمنية للمعارضين لها، وفي قمع حريات الفكر والتعبير والبحث الاجتماعي، ومن ثم استخدامها الدين أداة رقابية على الفكر الماركسي والليبرالي، والإبداعات الأدبية والفنية، بل وفي محاكمات بعض المفكرين والمثقفين والمبدعين في عديد المجالات، وذلك لقمع العقل النقدي الحر.

6- ارتكاز الأحزاب السياسية على بعض المكوّنات الدينية والمذهبية، والقبائلية والعشائرية والطائفية والمناطقية، في بعض الدول العربية ومجتمعاتها الانقسامية، وتعبيرها قيادياً وقاعدياً عن بعض هذه المكونات.

7- هيمنة سلطة المال السياسي، والدعم الحكومي لبعض الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة، وفي تمويل الانتخابات، وشراء أصوات المعسورين من الفقراء، بحثاً عن النفوذ السياسي والمالي والحصانة البرلمانية وتحقيق مصالحهم الخاصة.

8- هيمنة مفهوم “الواقعية السياسية” التبريري لتفسير تحالفات بعض الأحزاب مع السلطة السياسية والأمنية، وضعف ممارساتهم السياسية المؤيدة لهم، في مقابل تمثيلهم الشكلي في عضوية البرلمانات.

9- ضعف مستويات تكوين غالب قادة الأحزاب السياسية السلطوية والمعارضة، وأعضاء البرلمانات، على نحو ما يظهر في لغتهم السياسية، وخطاباتهم العفوية السطحية، ومن حيث غياب الثقافة، والرأسمال السياسي والخبراتي المطلوب في العمل السياسي.

10- الاعتماد الحزبي في الانتخابات العامة على البنيات القبلية والعشائرية والمناطقية في الوصول إلى عضوية البرلمانات، وتكريس النزعات العصبوية داخل السلطات التشريعية، والأحزاب السلطوية، والمعارضات الشكلية، وهو ما يكرس الثقافة اللاديمقراطية، ومفهوم السياسة الحداثي.

11- تمدد دور رجال الأعمال من الرأسماليين النيوليبراليين، ومصالحهم داخل أحزاب السلطة، وبعض المعارضة، وفي عضوية المجالس التشريعية العربية.

12- انفصال غالب العقل والثقافة الحزبية السلطوية والمعارضة عن التغيرات في الإقليم العربي والشرق أوسطي، والعالم المتغير.

13- ازدياد الفجوات الجيلية داخل الأحزاب السلطوية والمعارضة، قبل وما بعد الربيع العربي، وأدارت غالب أجيال (Y)، و(Z)، وألفا ظهورهم للأحزاب السياسية، ومن ثم سادت الشيخوخة السياسية والجيلية في الأحزاب السلطوية التابعة، والذيلية المعارضة.

14- مع الثورة الرقمية، انتقلت أنشطة الأحزاب وقياداتها من الواقع الفعلي إلى الحياة الرقمية، عبر خطاب الصور، والفيديوهات الوجيزة، والمنشورات والتغريدات، دونما فاعلية في الواقع الفعلي، ولا مبالاة الجماهير الرقمية الغفيرة بأخبار وخطابات الأحزاب على الحياة الرقمية، ولا من خلال الإعلام الورقي الذي تراجع دوره نظراً لعدم تطوّره.

15- عودة الشعبوية السلطوية إلى بعض النظم الحاكمة في العالم العربي –تونس مثالاً– ومن ثم لا مبالاتها بالتعددية السياسية، والقيم الديمقراطية، وبالأحزاب السياسية بما فيها الداعمين لها، والسند الشكلي للشرعية السياسية.

16- تراجع دعم قادة الدول الليبرالية الغربية الكبرى لحقوق الإنسان ومنظماتها الطوعية، ولسياسات الدول والنظم المنتهكة لها، وعدم الاهتمام بالتحول الديمقراطي في العالم العربي، ودعم بعض الأحزاب والحكومات الغربية، ومعها الشعبويات السياسية والعرقية اليمينية والمتطرفة للشعبويات السلطوية في العالم العربي، خاصة مع إدارة ترامب في الولايات المتحدة، وذلك لضبط ومنع الهجرات غير الشرعية للدول الأوروبية من جنوب إلى شمال المتوسط، أو من أجل الصفقات مع دول اليسر المالي النفطي العربية.

17- تفكك الطبقات الوسطى العربية مع النيوليبرالية الرأسمالية، وخضوع الطبقات الشعبية للإيديولوجيا الإسلامية السياسية الشعبوية في أعقاب الربيع العربي.

18- تفسخ السرديات السياسية الوطنية ما بعد الاستقلال، لصالح تمدد السرديات الطائفية والعشائرية والدينية والمذهبية والعائلية في المجتمعات الانقسامية العربية: في لبنان وسوريا والعراق والأردن واليمن والسودان وليبيا، ومع تفاقم الحروب والنزاعات الأهلية.

19- صراعات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فيما بين بعضها بعضاً في السيطرة على أداء الأحزاب السياسية التي ساهمت في تشكيلها، على ضعف وهشاشة وزيلية الأحزاب وقادتها، وتوجيهاتها في دعم السلطة الحاكمة وسياساتها العامة وقراراتها السياسية، لاسيما في أزمات النظام الداخلية والخارجية، والإشادة بالحاكم وإنجازاته، والتركيز في النقد على بعض القضايا والمشكلات والأزمات للحكومات وبعض الوزراء والمحافظين والقيادات البيروقراطية وأدائهم التنفيذي، أو تقديم بعض المطالب الإصلاحية الجزئية، دون أن يشمل ذلك طبيعة السلطة واختلالاتها، وأزمات الشرعية السياسية التي تعاني منها بنيوياً.

20- تشكيك بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية في البنى الحزبية باعتبارها جزءاً من النظام الليبرالي الغربي ومواريثه السياسية وتطوراته، ومن ثم اعتباره خارج النظام العقدي والتاريخي الإسلامي ونظام الخلافة، والشورى –النخبوي– ولميل هذه الجماعات إلى مفهوم “الجماعة المؤمنة” ذو الطبيعة التعبوية الدينية، ومن ثم لا تبالي بمفهوم الفردانية، والفرد الحر ذو الإرادة والمشيئة والاختيار، وهو ما يرجع إلى سيادة النزعة الجمعوية للجماعة المؤمنة، والجبرية في تأويلاتها للسرديات التاريخية الدينية الوضعية للدين، وعلاقة الجماعة المؤمنة بالقيادة الدينية وشرعيتها المؤسسة على الطاعة، وسندها الديني الشرعي في طاعة الله عز وجل، ومن ثم يغدو مفهوم الطاعة السياسية الديني هو الذي يحكم علاقة الحاكم بالجماعة وفق هذا التأويل الديني الوضعي.

21- بعض الأحزاب الإسلامية السياسية تشكلت من بعض قادة الجماعات الإسلامية السياسية، كنمط من البراجماتية السياسية، والتعامل الآلاتي مع مفهوم الحزب السياسي للتعبئة لقواعدها وحواضنها الاجتماعية، واكتساب الشرعية السياسية والقانونية وكسر القيود المفروضة عليها وحجب الشرعية عنها، لتمثيلها السياسي، وتدريب بعض قيادييها في التعامل مع أجهزة الدولة، وتمثيلها في البرلمان أو في الوصول إلى تشكيل الحكومات في بعض الحالات. ومثال ذلك في السودان في عهدي التحالف بين حسن الترابي وعمر البشير، ثم انقلاب بعض تلامذتهما عليهما، وحزب النهضة في تونس في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وفي المغرب مع حزب العدالة والتنمية وفق سياسة القصر والدولة المخزنية، وفي الأردن وتعامل الملكية تاريخياً مع جماعة الإخوان المسلمين وفق سياساتها ومناوراتها داخلياً وإقليمياً، وهي جزء من الخبرات السياسية للملكية الأردنية. بعض هذه الأحزاب الإسلامية لم يستمر كثيراً نظراً لأن بعضها لم يستطع استيعاب التقاليد والمواريث السلطوية، ومواقع القوة العميقة داخلها: مالكيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وبعض البيروقراطية السلطوية، وافتقارها للرأسمال السياسي الخبراتي قبل وبعد الربيع العربي، وعودة الشعبوية السلطوية مجدداً كما في تونس، وانفجار الحروب الأهلية في اليمن والسودان وليبيا ما بعد الكولونيل القذافي، وفي سوريا ما بعد بشار الأسد، وفشل بعض الأحزاب المذهبية العراقية ما بعد نظام بريمر.

22- أدّت الثورة الرقمية والحياة داخلها إلى خروج الجماهير الفعلية الغفيرة من الواقع الفعلي إلى رحابة الحياة الرقمية ووسائطها، ومن ثم من هامشية الأحزاب السياسية وعدم فعاليتها، إلى الفضاءات الرقمية وانفجار الآراء المرسلة، ونقد وهجاء السلطات الحاكمة والأحزاب وأعضاء البرلمانات والأجهزة الحكومية. وهو ما ساهم في تفاقم هامشية الأحزاب السياسية السلطوية أو الداعمة للنظام والحكام في دول العسر العربية. أمّا دول اليسر العربية النفطية فلا مجال للأحزاب السياسية في غالبها، لأنها تحظرها وتقمع أي محاولة لإبداء النقد للملوك والأمراء والمشايخ وعائلاتهم، ومن ثم ماتت السياسة في هذه البلدان.

الأسباب السابقة وغيرها أدت إلى هشاشة وضعف الظاهرة الحزبية عربياً، وخاصة مع نهاية عصر الإيديولوجيات، والسرديات الكبرى، وتحولات السياسة إلى الحياة الرقمية، والسعي إلى ميلادها الرقمي بديلاً عن موتها في المعتقلات السلطوية والشعبوية وأنظمة الحكم العائلية في منطقة الخليج العربي النفطية.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة