ميديا عبد المجيد محمود: الخطاب النسوي السوري بين الأصالة والحداثة
سأستهل هذا المقال بالتعريف بمعنى الخطاب وإلى ماذا يرمي مصطلح الخطاب النسوي تحديداً، فالخطاب في اللُّغة جاء من الفعل الثُّلاثيّ خَطَبَ وتعني تكلّم وتحدّث للملأ أي لمجموعةٍ من النّاس عن أمرٍ ما، أو ألقى كلاماً. أمّا اصطلاحاً فنصادف الكثير من التعريفات المُتعارف عليها للدّلالة على الخطاب ومنها أنّ الخطاب هو أيّ منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راوٍ ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المتلقي، أو نص محكوم بوحدة كلية واضحة يتألف من صيغ تعبيرية.
يشكّل الخطاب النسوي السوري مساحة فكرية وثقافية تعكس التفاعل بين موروث اجتماعي وثقافي عريق، وبين تطلعات نحو الحداثة والتحرر والمساواة. وهو ليس مجرد تعبير عن قضايا المرأة فحسب، بل انعكاس لمسار تاريخي طويل من التحولات التي مرّ بها المجتمع السوري في الفكر والسياسة والثقافة.
لقد تطور هذا الخطاب متأثراً بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ بدايات القرن العشرين، وظلّ من جهة يواجه تحديات مركّبة تتوزع بين سلطة الأعراف والتقاليد ومحاولات النيل من المرأة وتعزيز دونيتها في السلم الاجتماعي الهيراركي، والكائن العاطفي الضعيف والمنفعل، الصادرة عن بعض علماء الدين والفلاسفة كأرسطو الذي آمن وروّج للتفوق الطبيعي للرجل، ووجد أن مهمة المرأة هي إرضاء الرجل، وشوبنهور ونيتشه وغيرهم، ورهط من علماء دين وفقهاء، مثل:
أبو حامد الغزالي الذي ذكر في كتابه إحياء علوم الدين وغيره آراء تقلّل من مكانة المرأة الاجتماعية، منها منع خروجها من البيت. ثم ابن تيمية الذي شدّد على موضوع الطاعة وعدم خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، مع تضييق في باب الولاية والقوامة. وهكذا بقيت المرأة في اللاوعي الجمعي للشعوب الشرقية خاصة ونظيرتها شعوب الدول المتقدمة جزئياً، الضلع المكسور الهش.
من جهة أخرى ضغوط دعوات التغيير والتجديد، إذ ساوى الميثاق الدولي لحقوق الإنسان بين الجنسين، واعتبره أساساً للمساواة بين البشر ونبذ التمييز، ومن هنا تأتي أهمية دراسة الخطاب النسوي بين الأصالة والحداثة، للبحث عن السبل التي تمكّنه من الحفاظ على قيم التراث والانفتاح على القيم العالمية المعاصرة.
أولاً: الجذور والأصالة
انبثق الخطاب النسوي السوري منذ مطلع القرن العشرين مع أصوات رائدة سعت إلى إبراز حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية. ومن أبرزهن:
نازك العابد: تنتمي إلى عائلة العابد الكردية، قائدة نسوية ووطنية، إذ كانت أول امرأة تنال رتبة شرف عسكرية، فكانت نقيباً في الجيش السوري. وهي مؤسسة جمعية النجمة الحمراء، التي أسهمت في علاج الجرحى في معركة ميسلون ١٩٢٠. وهي من أوائل السوريات اللواتي طالبن بحقوق المرأة السياسية والتعليمية.
ماري عجمي: وهي أول صحفية سورية ومؤسسة مجلة العروس، وأسست الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1917. وبعدها تأسست الجمعية النسائية السورية عام 1928 في دمشق، وكان من أبرز أهدافها دعم تعليم الفتيات والمساهمة في العمل الاجتماعي والخيري.
إلى جانب ذلك، ظهرت جمعيات أخرى مثل جمعية النهضة النسائية، كما لعبت الصحافة في دمشق وحلب وحمص دوراً محورياً في ترسيخ وعي نسوي ناشئ. اتسمت هذه المرحلة بالتدرج، إذ ظلّت المرأة تُقدَّم كأم ومربية وركيزة للأسرة، في إطار رؤية اجتماعية محافظة ولكنها انفتحت جزئياً على خطاب الإصلاح.
ثانياً: الحداثة والتحولات الجديدة
مع النصف الثاني من القرن العشرين، ومع اتساع دائرة الحراك الفكري والسياسي، أصبح الخطاب النسوي أكثر جرأة، مطالباً بالتمثيل السياسي، والمساواة في قوانين الأحوال الشخصية، والانخراط في الشأن العام. واقتصر هذا النشاط آنذاك على نساء الطبقة الوسطى والعليا من خلال الصالونات الثقافية والمقالات الصحفية.
ومع مطلع الألفية ظهر جيل جديد من الناشطات والكاتبات اللواتي تبنين خطاباً أكثر انفتاحاً، متأثراً بالتيارات النسوية العالمية. ركّز هذا الجيل على قضايا النوع الاجتماعي والعنف الأسري والحرية الفردية، ومن أبرز مطالبه المشاركة السياسية العادلة للمرأة، من إزالة التحفظات السورية على اتفاقية سيداو، وحق منح المرأة جنسيتها لأبنائها. ومن ثم غيّرت الحرب السورية التي اندلعت مع الثورة خلال العقد الأخير أولويات هذا الخطاب، ليتجه نحو قضايا الحماية من العنف، وزواج القاصرات، والتهجير القسري، والتحرش في المخيمات وبيئات اللجوء، حيث أصبحت المرأة أكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية والأمنية، وقد أثبتت المرأة السورية جدارتها في تحمل مسؤولية إدارة أسرتها في هذه الحرب مع غياب الرجال في الحرب عن المنزل، وقامت الكثيرات منهن باصطحاب أولادها في طرق صعبة ووعرة إلى ملاذات آمنة، فتبلورت لهن شخصية متميزة، وارتفع صوتهن عالياً، يتحدثن عن هواجسهن واحتياجاتهن، أمالهن وأحلامهن، كما أبدت السورية صبراً وقدرة على التحمل استثنائية، بدءاً من وجع اختفاء الأبناء والأحبة حتى الموت تحت التعذيب، والخطف، والاغتصاب والابتزاز.
من أبرز الوجوه النسوية في هذه الحقبة:
ميّة الرحبي: طبيبة وكاتبة من مواليد روما، مؤسسة ومديرة منظمة مساواة، ولها باع طويل في النضال من أجل حقوق المرأة. صدر لها كتابين عام 2004: “الإسلام والمرأة”، و”النسوية: مفاهيم وقضايا”، ويجمع مقالات ومحاضرات لها تتناول مفاهيم النسوية والتحديات التي تواجهها في السياق السوري والعربي. لها حضور في فعاليات اجتماعية وثقافية، وتنشط في الحوارات عن النص الديني والسياسة والمرأة.
رزان زيتونة: ناشطة نسوية ومدافعة عن حقوق الإنسان، والمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، اعتقلتها السلطات وهي ما زالت مختفية حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
نبال زيتونة: أغنت النسوية السورية بدراساتها المختلفة، وشاركت في الثورة وتعرضت للاعتقال.
خولة يوسف: ناشطة نسوية، مؤسسة ومشاركة في إدارة منظمة ثروة، وعملت باحثة في مراكز بحثية عدة. معارضة شرسة ضد النظام البائد، ولم تتوقف عن التذكير بانتهاكاته وجرائمه. مدافعة عن حقوق النساء عبر مقالات عدة في مواقع متنوعة، وعضو الحركة السياسية النسوية السورية، وتقيم في الولايات المتحدة.
لبنى قنواتي: مديرة منظمة النساء الآن الحائزة على جائزة الحرية عام 2014 في بروكسل.
صبيحة خليل: سياسية نسوية مستقلة، شاركت في مؤتمر رياض الثاني، ولها مقالات عدة تتناول الشأن السوري والكردي السوري السياسي والنسوي.
سيفي ايزولي: الأستاذة في القانون الدولي التي حصلت على جائزة المحامين الدوليين، ولها باع طويل في الدفاع عن النساء وحقوق الإنسان في المحاكم الفرنسية حيث تقيم.
ميديا محمود: كاتبة هذا المقال، مؤسسة جمعية النساء الكرديات السوريات كما أن لها كتاباً بحثياً عن العنف ضد المرأة تناولت فيه المرأة الكردية كنموذج.
نوفين حرسان: شاركت في مؤتمر بيجين النسوي العالمي عام 1995.
هناك الكثير من الناشطات النسويات سيتم تسليط الضوء في مقال آخر، مثل: سوسن زكزك ونالين عبدو وفرحة خليل وصباح الحلاق وغيرهن..
ثالثاً: التوازن بين الأصالة والحداثة
اليوم، يقف الخطاب النسوي السوري أمام تحدٍ محوري يتمثل في قدرته على صياغة مشروع يحافظ على خصوصية المجتمع السوري الثقافية، وفي الوقت ذاته يتبنى قيم المساواة والعدالة.
تحاول الجمعيات والناشطات الجمع بين خطاب الحقوق الكونية وإعادة قراءة التراث من منظور نسوي تقدمي. ولكن لا تزال هناك عوائق بارزة، مثل الصورة النمطية للمرأة في الإعلام وضعف تمثيلها في الحياة السياسية وصنع القرار.
خاتمة:
إن الخطاب النسوي السوري ليس مجرد انعكاس لواقع المرأة، بل هو مرآة لتحولات المجتمع السوري بأسره. فهو يقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن يبقى محصوراً في جدلية الأصالة والحداثة، أو أن ينجح في بلورة مشروع نهضوي شامل يحقق المساواة والعدالة الاجتماعية.
إن مستقبل هذا الخطاب يتوقف على قدرته في الموازنة بين الهوية الوطنية والانفتاح على القيم العالمية، وعلى نجاحه في إنتاج مشروع مجتمعي جامع لا ينحصر في قضايا النساء وحدهن، بل يسهم في إعادة بناء العقد الاجتماعي السوري ككل.
*مجلة أوراق/العدد 25