الثورة الرقمية، وأزمات الأحزاب السياسية الغربية
الأحزاب السياسية في شمال العالم تواجه أزمات كبرى مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي وتطوراته المتسارعة، وذلك على الرغم من الأدوار التاريخية التي نهضت بها في تحولات النظم السياسية الديمقراطية التمثيلية، وفي تشكلات الحداثة السياسية والقانونية، ومعها النقابات العمالية والمهنية، وتشكل المجتمع المدني. لعبت الأحزاب، ومعها النقابات، وظائف تمثيل مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، وفي تكوين وتكريس الثقافة السياسية – ضمن مصادر أخرى –، وفي التعبير السياسي عن قواعدها الاجتماعية. مع تطورات الرأسمالية الغربية، تأثرت الأحزاب السياسية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة واليابان بمراكز الثقل الاقتصادي، من حيث تمويل المنافسات الانتخابية البرلمانية والرئاسية، والأهم على السياسات والبرامج التشريعية والاقتصادية لهذه الأحزاب أو الائتلافات في الحكم. تزايد هذا التأثير مع الشركات الكونية النيوليبرالية، التي بات دورها بارزاً ومؤثراً فيما وراء السياسات التشريعية والاقتصادية، خاصة مع تراجع دولة الرفاهة، وهو ما بات مؤشراً على ضعف متنامٍ للأحزاب السياسية الكبرى، وخاصة ما بعد الحرب الباردة، وأنماط القيادات والزعامات السياسية الحزبية التي أصبح بعضها خاضعاً لتأثيرات سلطة المصارف والشركات الكونية الضخمة، في ظل عالم ما بعد السرديات الإيديولوجية الكبرى التي سادت ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب الباردة، والصراع الثنائي القطبية بين الكتلتين السوفيتية (الماركسية) والغربية. كانت الصراعات محتدمة ما بين الأحزاب الليبرالية التعددية في أوروبا والولايات المتحدة، وبين أيديولوجيا نظام الحزب الواحد الشيوعي. كانت الإيديولوجيا أحد محركات أدوار الأحزاب السياسية وبرامجها السياسية والاجتماعية وسردياتها الشعاراتية، بما فيها بعض خصوصيات وتجديد الخطابات السياسية والفلسفية للماركسية الأوروبية وأحزابها في إيطاليا وفرنسا.
في عقدَي السبعينيات والثمانينيات بدأت بعض ملامح ومؤشرات التغير مع ما بعد الحداثة الفلسفية والسياسية تظهر في الحياة السياسية الفرنسية ثم الإيطالية، مع تلاعب فرنسوا ميتران مع الحزب الشيوعي، ويسار الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يقوده، وتهميشه والتحول نحو الوسط. في ظل هذه المناورات تغير الحزب، ومعه بعض الأحزاب الأخرى، على نحو ما أطلق عليه آنذاك التحول إلى الإيديولوجيا الناعمة التي كانت ترتكز على أجيال حقوق الإنسان والحركة النسوية وبعض الإصلاحات الاجتماعية، والتحول نحو النيوليبرالية الاقتصادية، خاصة في بريطانيا مع السياسات التاتشرية، ورونالد ريجان في الولايات المتحدة الأمريكية. ساهم هذا التغير السياسي والاقتصادي في تراجع الحدة الإيديولوجية في الخطابات والبرامج الحزبية. الأهم التحولات نحو ثقافة الاستهلاك المكثف والمفرط التي كرست مفهوم حرية الاستهلاك، وتشكل ما أطلق عليه موريزو لازوراتو صناعة الإنسان المدين المثقل بالمديونية للمصارف الكبرى، بكل ما يشكله ذلك من قيود على حرية الفرد، وأن الدين يمثل بنية سياسية، وأن العلاقة بين الدائن/المصارف والمدين هي أساس العلاقة الاجتماعية في المجتمعات الغربية، وتكوين ذاتية مدينة ومرتهنة ومعاقة ومحمولة على الإحساس بالذنب. ومن ثم ما سبق أن أطلقنا عليه أن حرية الاستهلاك باتت أمّ الحريات في ظل مجتمع الاستعراض – وفق جي ديبور – وتحول كل ما هو طبيعي إلى تمثيل واستعراضات، وفق تشكيل ثقافة السوق الاستهلاكي وثورة الإعلانات والإعلام وتشكيلها وصناعتها للرغبات الإنسانية نحو أنماط متعددة ومتغيرة من السلع والخدمات، ولهاث الأفراد وراء إشباعها.
من هنا ظهرت حالة أزمة القابلية للمحكومية، لاسيما السياسية، أي مدى قابلية الفرد للانخراط في الأحزاب والمؤسسات السياسية وفي آليات النظام الليبرالي، وذلك على نحو جزئي من حيث اهتماماته بالمشاركة في الأحزاب أو في الانتخابات العامة والمحلية، وهي ظاهرة تنامت مع تغول النيوليبرالية وفي ظل أحزاب وقادة ما بعد الحرب الباردة ونهاية السرديات الإيديولوجية الكبرى ووهجها السياسي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة مع اليسار الأوروبي وبعض تجديداته الفلسفية والإيديولوجية في إطار الفلسفة الماركسية.
التغيرات الجيلية في عالم ما بعد السرديات الكبرى ساهمت في ظهور أنماط جديدة من الزعامات والقادة الحزبيين تفتقر إلى الرأسمال السياسي الخبراتي الذي كان يحوزه قادة الأحزاب الكبرى أثناء الحرب الباردة، سواء على مستوى خبرات السياسات الدولية وصراعاتها ومفاوضاتها، أو على صعيد الخبرات السياسية الداخلية.
كان قادة الأحزاب والحكومات أثناء الحرب الباردة يعتمدون على خبراتهم ومعهم الخبراء في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل صراعات ضارية داخلياً وخارجياً لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. داخلياً، كافة الصراعات الحزبية اعتمدت على سياسات وبرامج حزبية مدروسة، على الرغم من الأقنعة الإيديولوجية الحاملة لها في ظل الصراعات والمنافسات الاجتماعية والطبقية، خاصة الأدوار المتنامية للنقابات العمالية والمهنية والإضرابات والتظاهرات في سياق دولة الرفاهة.
ساهمت أدوار منظمات المجتمع المدني والحركات النسوية والحركات الثقافية والفلسفية في حيوية الحياة السياسية والمجال العام الحر. كان قادة الأحزاب السياسية يتأثرون بهذه الحيوية التي أثرت تجاربهم السياسية، ومن ثم ظهرت بعض الشخصيات الرئاسية والحكومية اللامعة، لاسيما مع ثورة وسائل الإعلام وسلطة الصور الفوتوغرافية والمرئية مع التلفاز.
نهاية جيل الحرب الباردة، وتوارى بعضهم بالوفاة والشيخوخة، فتح الباب أمام أجيال ثورة وحرية الاستهلاك، وسطوة المصارف والشركات الكونية الكبرى، لاسيما مع الثورة الرقمية وتأثيراتها السياسية، وتحول بعض الأجيال الجديدة من أجيال (y) و(z) وآلفا إلى الحياة الرقمية المفتوحة على حريات بلا حدود – رغم رقابات الشركات الرقمية الكونية، وأجهزة الدول الاستخباراتية والأمنية والعسكرية، والرقابات الفردية المضادة واختراقاتها للأنظمة، وعملها عبر مواقع رقمية خاصة ولغة مختلفة –، وتشكل العقل الرقمي والحساسيات السياسية الجديدة والمختلفة، ومن ثم أثر ذلك على علاقة جيلي (زد) وآلفا بالأحزاب السياسية ولامبالاة بعضهم بالانخراط في الحياة الحزبية والخضوع للهياكل القيادية وأفكارها وقراراتها التنظيمية. وتحولهم إلى برامج مثل ديسكورد في نيبال والمغرب من جيل Z / 212 في المغرب، والتعبير الحر والنقدي المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والأهم الأثر الذي يحدثه هذا التعبير السياسي والاجتماعي في بناء تشبيكات رقمية للتعبئة السياسية والاجتماعية المعبرة عن آراءها ومصالحها السياسية، دونما انتظار للأطر الزمنية للآليات الانتخابية العامة والمحلية. من ثم ساهمت الثورة الرقمية في تنشيط فعاليات الأفراد والجماعات، والحركة من الحياة الرقمية إلى الحياة السياسية الفعلية، وهو ما ظهر بوضوح في حركة السترات الصفراء للطبقة الوسطى الفرنسية إزاء سياسات ماكرون وحكومته وارتفاع أسعار الوقود، وغيرها من المطالب الاجتماعية، وفي رفع سن الإحالة إلى التقاعد. من ثم لم تعد الأجيال الرقمية في عصر السرعة الفائقة في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التوليدي في حاجة إلى الانخراط في الحياة الحزبية واتباع قادة حزبيين لا يهم غالبهم سوى النجاح في الانتخابات العامة والمحلية، وصولاً إلى تشكيل الحكومات أو رئاسة الجمهورية أو البلديات!
أثرت الثورة الرقمية وخطابات المنشورات والتغريدات والفيديوهات الطلقة والوجيزة في إظهار هشاشة واستعراضية بعض القيادات الحزبية في الحكم والمعارضة، من خلال هيمنة سلطة الصورة، وتحولها إلى أداة للتأثير على بعض اتجاهات الرأي العام في كل بلد، إلا أنها كشفت أيضاً أن سياسة الصور الرقمية والفيديوهات الوجيزة تحول بعض الفعل السياسي عبر الصورة، دونما إحداث تغيّرات فعلية في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للطبقات الوسطى والعمال والفلاحين، في ظل هيمنة النيوليبرالية الرأسمالية.
بعض السياسيين الأوروبيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في درس بعض القرارات السياسية والاقتصادية، في محاولة لاستيعاب التحولات الجديدة، إلا أن غالبهم من أجيال ما قبل جيل (y)، ومن ثم لا يتجاوبون جزئياً مع جيل زد وآلفا، ومن ثم تتزايد الفجوات بينهم وبين الأجيال الرقمية وأنماط تفكيرها واهتماماتها ومصالحها، ومن ثم ستتضاعف هشاشة الأحزاب السياسية التي تشكلت في العقدين الأول والثاني للألفية الجديدة، خاصة بعد تراجع الأحزاب التاريخية الأوروبية ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعض علامات التغير في التعبئة السياسية خارج الأحزاب السياسية في جنوب العالم ظهرت مع جيل y، وفي بنغلاديش عام 2024، وفي نيبال وإندونيسيا والفلبين وتيمور الشرقية وجزر المالديف والمكسيك ومدغشقر والمغرب.
تظاهرات جيل Z المرجح أنها ستتنامى، ومن خارج الأطر الحزبية والمؤسسات السياسية في النظم الديمقراطية التمثيلية في أوروبا وفي الولايات المتحدة على نحو ما ظهر في تظاهرات جامعات القمة وغيرها في أوروبا وأستراليا ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية للمدنيين والأطفال والنساء والشيوخ في قطاع غزة والضفة الغربية، وذلك مع بعض المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والاتجاه الأخلاقي لدى بعض الأفراد والمجموعات والمنظمات المدنية والسياسيين والفنانين، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
كل المؤشرات في عالم السرعة الفائقة والذكاء الاصطناعي التوليدي والثورة الاتصالية الرقمية تشير إلى تراجع أدوار ووظائف الأحزاب السياسية في الديموقراطيات التمثيلية الغربية وقادة أحزاب ما بعد الحرب الباردة في عالم مختلف.
المصدر: الأهرام