يومٌ خالدٌ فتح باب المستقبل للسوريين

img

هنيـئـاً لسوريا إسقاط نظام الاستبداد والفساد

إن يوم السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، هو يوم لا ينساه السوريون لأنهم انتظروه أكثر من خمسين سنةً، عانوا خلالها ويلات الظلم والاستبداد والفساد والقهر في ظل نظام عصابة أسديةٍ، لا تنتمي إلى الوطن السوري بأيٍّ من المقاييس.

إنه عيدٌ خالدٌ في ذاكرة الشعب السوري، وهو يفتح صفحةً مشرقةً في تاريخ سوريا المعاصر، حيث تم إسقاط رموز النظام الأسدي وأصبح السوريون أحراراً، ولكن طريق الحرية الحقيقي ما زال طويلاً لأنها تحتاج إلى مرتكزاتٍ ثابتةٍ قانونيةٍ ودستوريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ. فطريق الألف ميل يبدأ بخطوةٍ (كما يقول المثل الصيني).

إرادة الشعب السوري وتضحياته العظيمة هي أساس الانتصار، الذي تُوِّج بسواعد مقاتلين أبطالٍ نظفوا الأرض السورية الطاهرة من ميليشياتٍ طائفيةٍ ومن عصابة الأسد. وما زال هناك بؤرٌ للعهد القديم تثير مشاكل أمنيةً ستنتهي بكل تأكيدٍ ولو بعد حين، ونتمنى أنها ستنتهي بأقل الخسائر.

تذكرون كيف كنا نقول قبل 8 ديسمبر/كانون الأول إن نظام الأسد سيسقط حتماً، في وقتٍ يئس الكثيرون وأصبحوا يطبّعون مع النظام توهماً بأن الأسد باقٍ. وها هو سقط وهرب كالأرنب.

سقط النظام برموزه الكبرى وترك إرثاً ثقيلاً: بلداً مدمراً وبنيةً تحتيةً تحت الصفر وشعباً جائعاً.

ومع ذلك كان التحدي الأكبر هو كسب اعتراف العالم وإقراره بالانتصار الذي جسّد إرادة الشعب وحلمه. وقد نجحت القيادة السياسية بدعم الأشقاء والأصدقاء في المنطقة والعالم، وتم والحمد لله كسب اعتراف عالميٍّ واسعٍ، تُوِّج بإلقاء الرئيس أحمد الشرع كلمةً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي الكلمة الأولى لرئيسٍ سوري منذ 60 عاماً.

كما قام الرئيس بزيارةٍ رسميةٍ إلى الولايات المتحدة واستقبله الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض في واشنطن، وتبعها زيارةٌ إلى موسكو وإذابة الجليد بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية واستقلال القرار، وقريباً سيتجه الرئيس إلى الصين.

تلك محطاتٌ كبرى وتاريخيةٌ بالنسبة لسورية الجديدة التي بدأت تقدم نفسها للعالم كدولةٍ لكل السوريين، وهي مختلفةٌ بالجوهر عن النظام المستبد البائد الذي سرق ثروات الشعب.

لم يحدث مثل هذا النشاط السياسي والدبلوماسي لقيادةٍ سوريةٍ في كل التاريخ المعاصر.

وكانت زيارات الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مصدر فخرٍ واعتزازٍ وثقةٍ للسوريين بأن هناك قيادةً سياسيةً وطنيةً تشعر أنها قريبةٌ من المواطن وتعيش معاناته وملتزمةٌ بثوابت الشعب والوطن.

ولم يقابل هذا النشاط الخارجي الواسع والمثمر نفس المستوى من العمل الداخلي. فهناك تحدياتٌ داخليةٌ متشعبةٌ. علماً أنه تم القيام بعدة إجراءاتٍ دستوريةٍ وحكوميةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ كبرى، ولكن كلّاً منها يحتاج لوقفةٍ وتقييمٍ.

وهناك أخطاءٌ وملاحظاتٌ من واجب كل وطنيٍّ أن يعترف بها مع الحرص على هذا العهد الجديد وعدم السماح بالنيل منه أو تشويه صورته. فالنقد حقٌّ والمعارضة حقٌّ ولكن ضمن إطار مصلحة الوطن وحرية وكرامة مواطنيه ووحدة أراضيه وسيادته، لا أن يستغل بعض ضعاف النفوس حرية النقد للدعوة إلى الانفصال والتبعية للعدو وتهديد وحدة البلاد وسيادتها.

فالسوريون لن يسمحوا بتفتيت البلاد ولا التفريط بسنتيمترٍ واحدٍ من أراضيها، وهم قادرون على ذلك لأنهم قدموا مثلاً عظيماً في التضحية وحققوا الانتصار على أعتى نظامٍ استبداديٍّ فاسدٍ في المنطقة والعالم.

ويقول بعضهم إن هذه الحكومة تريد إبادة الأقليات، وهذا ظلمٌ وتزويرٌ للحقائق.

فمنذ فتح حلب والمدن السورية الأخرى ودمشق والساحل لم تقم أجهزة الأمن العام ولا الجيش بقتل مواطنين أبرياء، بل بالعكس حمت أبناء المكونات بشكلٍ خاصٍّ. ولكن الخطط الشيطانية والخيانة لمن فقدوا السلطة وتهددت مصالحهم الضيقة كانت أكبر من توقعات الناس.

فمن رفض التسويات مع السلطة من تجار المخدرات وفلول النظام وممثلي سلطات الأمر الواقع في الحسكة والرقة ودير الزور وفي السويداء تفرعنوا وبدأوا يثيرون القلاقل ويخلقون الأزمات ليستقطبوا نظر العالم وحشد المواقف ضد الحكومة الجديدة، فوحدة البلاد ليست لصالحهم فهي تلغي مصالحهم الضيقة.

كما أن خطط الكيان الصهيوني معروفةٌ للجميع وهي تفتيت سوريا واللعب بالورقة الطائفية والقومية.

طبعاً هناك أخطاءٌ حدثت وجرائم ارتُكبت. ولكن برأيي وقناعتي أن السبب الجوهري لم يكن نية النظام الجديد قتل الناس، فهذا لا يفيده بل يقلب عليه الطاولة، ولكن من أشعل الفتن والمشاكل هم بقايا النظام سواء في الساحل السوري أو في السويداء وغيرها من المناطق.

ونعترف بسقوط أعدادٍ من المدنيين الأبرياء بدافع روح الانتقام من قبل فصائل أو فئاتٍ شعبيةٍ وحتى من قبل رجال الأمن والجيش على جرائم ارتكبتها تلك الفلول، بالإضافة لما تركه النظام البائد وأجهزته الأمنية من جرائم بحق الإنسان.

وقد اعترفت الإدارة الجديدة بالأخطاء، وشكلت لجان تحقيقٍ بالانتهاكات، ولكن يجب أن نعرف أن من أشعل الفتن وجرّ الدولة إلى فخ ردة الفعل (غير الموفقة أحياناً) كما حدث بالسويداء، هم بقايا النظام بتسمياتهم المختلفة من قسد وجماعة الهجري وغزال غزال وغيرهم.

ونتيجة الأخطاء وسعي سلطة الأمر الواقع في السويداء تم تدويل المشكلة واتُّخذت حلولٌ على مستوى الدول، ونأمل أن تهدأ الأوضاع وتعود السويداء إلى حضن الوطن معززةً مكرمةً مثل بقية المحافظات السورية.

وننتظر من نخب السويداء وممثلي القطاعات المهنية والشعبية والسياسية أن تلعب دورها الوطني المعهود.

من يعيق أمن البلاد واستقرارها هو بقايا عفنةٌ لنظامٍ مجرمٍ يصطادون في الماء العكر، ويحركون خلاياهم وعملاءهم لزعزعة الأمن وترهيب الناس خاصة في مناطق التنوع الطائفي والديني والعرقي.

وعلينا أيضاً جميعاً دون استثناء محاربة ثقافة الكراهية والتعصب والنعرة الطائفية أينما وجدت، ونشر روح الوطنية الجامعة، من أجل وطنٍ حرٍّ ديمقراطيٍّ يقوم على أساس القانون والمساواة.

وفي الجانب الآخر من المشهد السوري، من واجبنا كثوارٍ ووطنيين سوريين حريصين على وحدة الوطن وسيادته الحرة الكريمة أن نتحدث عن أداء الحكومة الإداري والسياسي.

لقد أعلن الرئيس أحمد الشرع منذ بداية انتصار الثورة وإسقاط النظام أنه يثق باللون الواحد، وكان هذا مبرراً ومنطقياً في الأشهر الأولى لحساسيتها.

ولكن بعد مضي أشهرٍ كثيرةٍ لم يعد ذلك مناسباً لأن سورية للجميع، وهي محتاجةٌ لعقول أبنائها وخبراتهم وسواعدهم. والحمد لله الشعب السوري من أنشط الشعوب وأكثرها إبداعاً وخبرات، وهم يثبتون ذلك في كل مكان خارج الوطن وداخله.

والسؤال هنا: لماذا يستمر الإقصاء والتهميش للكوادر الوطنية السورية، بالرغم من أن سورية بأمس الحاجة لها؟

وهنا عليّ أن أوضح بأن القصد ليس بحثاً عن المناصب لتلك الكوادر مع حقهم بذلك كمواطنين، بل الاستفادة من خبراتهم بالطرق المتاحة وهي كثيرة، ويجب أن يتم ذلك من خلال تأسيس قاعدة بياناتٍ لكل الكفاءات والقدرات البشرية السورية المتخصصة والمؤهلة داخل سوريا وفي بلدان الاغتراب.

ولا بد من إشراك الشخصيات الوطنية المعروفة بخبراتها ونزاهتها في إدارة شؤون الدولة، وأن يكون لدى المؤسسات الحكومية مستشارون من تلك الخبرات العلمية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.

وتختلط مشاعر الفرح بالانتصار والعهد الجديد بمشاعر الغبن والحزن، فالعديد من الثوار والوطنيين الذين وقفوا بقوة ضد نظام الأسد وتحملوا ويلاته، نراهم مهمشين وكأنهم غرباء عن هذا الانتصار الذي حصل بفضل تضحيات كل السوريين.

نحن بحاجةٍ إلى توسيع وتوطيد الحاضنة الشعبية والنخبوية للعهد الجديد، وهذا يحصل بمزيدٍ من المشاركة الوطنية والشعبية والنخبوية في إدارة الدولة، واحترام وتقدير خبراتهم المشهود لها.

فما استمرار الاعتماد على مجموعةٍ محدودةٍ إلا تهديدٌ للحاضنة وخسرانٌ لقدرات الوطن بأمس الحاجة لها.

نحن نحتاج إلى مزيدٍ من العمل المؤسساتي والشفافية، فهناك أشياء كثيرة تحدث في البلاد لا نعرف حقيقتها، بل نسمع من وسائل التواصل الاجتماعي والتسريبات بعضاً منها.

أين الإعلام الرسمي والشفافية وكسب ثقة المواطن؟

نحن بحاجةٍ إلى شفافيةٍ إعلاميةٍ مكثفةٍ لتوضيح كل الأمور التي تشغل بال الناس، وأن يتم الرد على هواجسهم؛ فالحرب الإعلامية والمعلوماتية المعاصرة لا تقل أهمية عن العمل العسكري والأمني.

فالعمل الأمني والعسكري مهم وضروري، ولكن لا تقل أهمية التوعية السياسية والثقافية والاجتماعية لمعالجة أسباب المشاكل.

نحن في بداية بناء سوريا الجديدة، ونحتاج لكل جهدٍ سوريٍّ مهما كان متواضعاً، وخاصة الشخصيات الوطنية ذات التأثير والتي لها شعبية، فهم يشكلون أحد أعمدة العهد الجديد، ومن الضرر تهميشهم وإهمالهم.

عندما تستقر سوريا ويصبح لديها دستورٌ وانتخاباتٌ برلمانيةٌ ورئاسيةٌ، عندها تنتهي مقولة الثوار والثورة وتنتهي قصة التهميش والإقصاء وعدم الشفافية.

ولكن حتى نصل إلى ذلك الوقت، نحن بحاجةٍ لإدراك خطر الانغلاق وعدم ثقة السلطة بالآخر من ثوارٍ ووطنيين، وكأن الثوري والوطني بحاجة لإثبات وطنيته وصدقه وكفاءته ونزاهته، في وقتٍ نشهد أن هناك أشخاصاً كُوِّعوا بعد عقودٍ من خدمة النظام البائد، وهناك أناسٌ من بقايا النظام السابق فُتحت لهم الأبواب أكثر من الوطنيين السوريين الذين لم يبحثوا يوماً عن مصلحة شخصية بل كان كل همهم الوطن.

وبرأيي لا يمكن أن تكون المكاسب المادية والمالية سبباً في إعادة تقييم أشخاص النظام البائد وتبييض صفحتهم السوداء. فالأموال التي يقدمونها للدولة هي أصلاً منهوبةٌ من قوت الشعب.

كما أن تطبيق العدالة الانتقالية بشفافيةٍ ضرورةٌ وواجبٌ وطنيٌّ لخلق بيئةٍ حقيقيةٍ للسلم الأهلي.

ولا طريق لكل وطنيٍّ حقيقيٍّ في سورية اليوم إلا الوقوف بصفٍّ واحدٍ لحماية الانتصار التاريخي وتثبيت أسس الدولة السورية الجديدة العصرية الديمقراطية، التي تقوم على احترام حريات الشعب وكرامته وتقيم العدل والمساواة لكل السوريين دون تمييزٍ على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو الطائفة.

سوريا في خطرٍ بسبب الخطط الانفصالية والمشبوهة التي يديرها أولئك الذين تضررت مصالحهم بسقوط النظام البائد، وكذلك الواهمون بأن يحافظوا على مكاسبهم وعلى إمكانية الاستمرار في نهب ثروات البلاد وفي خلق كياناتٍ انفصاليةٍ تحت مسمياتٍ مختلفةٍ مثل الفيدرالية واللامركزية السياسية، وتحويل سورية إلى مزرعةٍ أو مزارع.

وهناك من يروج لمعاداة العهد الجديد إما لموقفٍ سياسيٍّ مغلوطٍ، أو ظناً منه أنه يخدم قضية الثورة والحرية، وهذا وهمٌ كبيرٌ وضياعٌ للبوصلة.

فالعودة للوراء وتقسيم سوريا مثل حلم إبليس بالجنة.

الدوحة – الخميس 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025


الكاتب الدكتور محمود الحمزة

الدكتور محمود الحمزة

أكاديمي وسياسي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة