لنتحد جميعاً بمواجهة خطاب الكراهية

img
مقالات 0 مازن عدي

نعيش هذه الأيام تفشّي ظاهرة قديمة جديدة تنتعش في ظروف الأزمات والحروب والأوضاع الانتقالية ورعاية المستثمرين فيها. إنّ انتعاش مناخ الكراهية بمستوياته المختلفة وتحوله إلى ظاهرة خطيرة شملت بعض النخب والمؤثرين في الرأي العام يتطلب مواجهته والحد منه ما أمكن.

لا شك أنّ خطاب الكراهية هو خطاب عدواني بامتياز، يعيش على زرع وتغذية الأحقاد؛ تغذّيه النزعة العدوانية تجاه الغير المختلف والمغاير، والمحمولة على موروث النزعة العصبية التي سيطرت في مراحل من التاريخ البشري في صراع البقاء والبقاء للأقوى، وتحول الخطاب فيما بعد إلى أداة رئيسية في أيديولوجيا عنصرية خدمة لأغراض أو أجندات سياسية.

تتشابك في خطاب الكراهية جوانب عديدة وأبعاد تاريخية وثقافية وسياسية واجتماعية وسيكولوجية. ويعتمد تفشّيها بالدرجة الأولى على تغييب العقل والاستناد إلى الغرائز البدائية وإلى سجل ضخم من المظلومية الحقيقية أو المزيّفة وإلى تكريس مفهوم هويّاتي مغلوط. هناك علاقة تبادلية بين خطاب الكراهية وواقع سياسي مختل لم يستقر بعد؛ خطاب الكراهية يُصنع ويُسوّق من الجهات ذات المصلحة بترويجه، وهو عدو مباشر لمفهوم دولة المواطنة والمساواة لأنه يبحث دوماً عن عناصر التفرقة والصراعات البينية ويقفز فوق مبدأ المساواة بين البشر ويعزف على وتر التمييز والعصبية وشيطنة الآخر المختلف. وبالتالي هو ينمو في ظروف الأزمات والصراعات، بل يسعى لتجييش أكبر عدد من بسطاء الناس ويوظّف مثقفين فاسدين لتخريب الوعي العام والدفع باتجاه الخندقة.

قدر سوريا عبر موقعها الاستراتيجي منذ قديم الزمان أن تكون مركز تفاعل وصراع وتعايش وانصهار لأقوام وديانات ومذاهب.. وسوريا بحدودها الرسمية الحالية هي نتاج تراكم حضاري من العيش المشترك والثقافات المختلفة، مثلها مثل باقي دول العالم فيها التنوع والاختلاف؛ والهوية السورية التي ما زالت في طور البناء لا يمكن أن تنمو إلا في دولة حق وقانون تساوي بين سكانها على مبدأ المواطنة وتحترم الحقوق الثقافية اللغوية أو المعتقدية للجماعات والمكونات والأقوام وتنصف كل مظلومية وتجعل الهويات الفرعية مصدر غنى للهوية السورية.

إنّ خوض معركة الوعي بحقيقة خطاب الكراهية هو خطوة مهمة لا تحتمل التأجيل، وهي مسؤولية كل القوى والفعاليات والشخصيات العامة الوطنية التي تتبنى الطرح الوطني والديمقراطي لكشف الزيف الذي يخفيه والتخريب الذي يحدثه بزرع الأحقاد التي تترك آثاراً بعيدة. كما أن إحقاق مبدأ العدالة وسلطة القانون وقيام دولة المواطنة هو الكفيل بتحصين المجتمع من الاستغلال السيئ للنزعة العصبية والعزف عليها؛ فثقافة الأنسنة واحترام الآخر تجنب مظاهر الانغلاق والتعصب.

إنّ المعركة لا تزال طويلة أمام الشعب السوري بعربه وكرده، بمسلميه ومسيحيه وسائر تنوعاته، للتخلص من مفاعيل العهد البائد والوضع الكارثي الذي وصل إليه، وللتقدّم باتجاه إحقاق حقوقه وتجسيد إرادته وإقامة دولة ديمقراطية تكفل المساواة أمام القانون وتحقق العدالة. إنّ روح ثورة الحرية والكرامة التي رفعت من اليوم الأول شعار (الشعب السوري واحد)، والتي واجهت شتى الكوارث ودفعت غالي التضحيات، وبعد أن سقط نظام الإبادة والإجرام والتمييز، لا بد أن تنجح في التغلب على أهم معيقات تحقيق أهدافها طال الزمن أم قصر، بتصميم ووعي أبنائها المخلصين.


الكاتب مازن عدي

مازن عدي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة