ما بين ابن رشد وسبينوزا
تختلف النظرة اللاهوتية لابن رشد عن الفيلسوف سبينوزا، كما يختلفان في نظرة كلٍّ منهما للموقف من الفلسفة في علاقتها بالدين؛ فبينما يرى ابن رشد أن الفلسفة والدين طريقان نحو حقيقة واحدة، وطالما تجمع الحقيقة بينهما في النهاية فلا ينبغي أن يتعارض الدين مع الفلسفة، يرى سبينوزا أن على الفلسفة أن تستقل استقلالاً تاماً عن الدين؛ فالدين عنده للأخلاق، بينما الفلسفة للحقيقة.
مع ذلك فهناك مشترك شديد الأهمية بين الفيلسوفين الكبيرين، وهو العقلانية وإسقاطها على فهم الدين.
فكلاهما يرى مركزية العقل في فهم الدين؛ فالعقل هو هبة الله للإنسان ليستخدمه لا ليعطله، و”الحكمة صاحبة الشرع وأخته الرضيعة”، والحكمة هي الفلسفة عند ابن رشد، والنص الديني لا يمكن أن يناقض برهاناً عقلياً، وإذا ظهر وكأنه يناقضه فلابد من اللجوء للتأويل (هنا يقدم ابن رشد العقل دون أن ينفي النص بل يؤوله)، وهذا رأي ابن رشد.
أما سبينوزا فهو يضع العقل في قلب أي معرفة للحقيقة، بما في ذلك فهم الدين وإدراك جوهره.
فهما يشتركان في أن الفهم الصائب للدين لا يمكن الوصول إليه خارج مرجعية العقل.
وفي رفض الفهم الحرفي للنص الديني يقول ابن رشد: “لا يؤدي النظر البرهاني (يقصد الذي يعتمد البرهان العقلي) إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.” (كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).
وهنا يمضي ابن رشد للقول إنه إذا خالف ظاهر النص البرهان العقلي “طلب هناك تأويله”.
ويدعم ابن رشد حجته في ذلك بقوله: “ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المؤول منها وغير المؤول.”
أما سبينوزا فهو يذهب أبعد من ذلك، فيدعو إلى قراءة النصوص الدينية قراءة لغوية – تاريخية لا حرفية، وهو يرى أن القراءة الحرفية مصدر الكثير من سوء الفهم والتعصب.
هكذا يشترك الاثنان في عدم قراءة النص الديني حرفياً، بينما يختلفان؛ فيدعو ابن رشد لتأويله، بينما يدعو سبينوزا لقراءته قراءة تاريخية – لغوية لا حرفية.
يميز ابن رشد بين المعرفة الدينية “الإلهيات” والمعرفة التي أسماها “بالعملية”، ومنها معرفة الأخلاق، بينما تفتح الفلسفة أمام الإنسان الطريق لمعرفة الحقائق اليقينية ومعرفة الفضيلة بطريق موازٍ يلتقي في الهدف النهائي مع الدين.
أما سبينوزا فيرى أن الدين هدفه الأخلاق، وليس تقديم تفسير علمي أو ميتافيزيقي للعالم.
مع تحفظ ابن رشد على من يجوز له التأويل في النص مستبعداً عامة الناس ومن ليس مؤهلا لذلك، فهو يجادل في أن الفقهاء الذين وقفوا عند حرفية النص قد ضيقوا على أنفسهم وعلى الأمة مساحة إعمال العقل. وليس ذلك فقط، بل هم حاربوا النزعة العقلانية ووقفوا موقفاً معادياً للفلسفة والإفادة منها في فهم الدين.
أما سبينوزا فهو ينتقد احتكار رجال الدين لتفسير النص الديني واستخدام ذلك التفسير للهيمنة على الجمهور، ويدعو لحرية الفكر والفصل بين الدين والسلطة الزمنية.