أزمة الديمقراطية في خطاب الدولة السورية
ربما لا يقدّر العهد الجديد حقّ تقدير أهمية التمهيد للتحوّل الديمقراطي السياسي في سورية، وفي أحسن الأحوال يرحّلون تلك المهمة باعتبارها ليست من مهام المرحلة الانتقالية، في حين أن الخارج الدولي والعربي لا يظهر أي اهتمام في هذه المسألة مقابل تدخّله المستمر في مسائل داخلية مثل وضع الأقليات في سورية.
ومما يساعد على طمس أهمية التمهيد للتحوّل الديمقراطي ضعف الوعي المجتمعي بمسألة الديمقراطية، هذا الضعف الذي تتشارك فيه المسؤولية النخب السورية مع الحقبة الأسدية التي قضت على الحياة السياسية في سورية.
لكن ماذا نقصد بالضبط بمسألة التمهيد للتحوّل الديمقراطي في المرحلة الانتقالية الراهنة؟
باختصار شديد، فالقصد هو ضبط البوصلة السياسية للهدف النهائي للمرحلة الانتقالية على الوصول لدولة ديمقراطية مدنية بوضوح تام ودون أي التباس.
تكمن أهمية وضوح الهدف النهائي للمرحلة الانتقالية في الانتهاء من الحالة الضبابية التي عشناها وما زلنا نعيشها حول طبيعة الدولة التي تسير سورية باتجاهها، هذه الحالة الضبابية التي تخلق قلقاً متزايداً لدى فئات ليست قليلة من الشعب السوري، قلق يتحوّل تدريجياً إلى انهيار الثقة بالمسار السياسي الحالي ويفتح الطريق أمام مهاجمته واتهامه إمّا بالسير نحو دولة أيديولوجية أو نحو الديكتاتورية من جديد.
ربما يختفي الأثر العميق للحالة الضبابية الحالية وراء التأييد الشعبي، وأيضاً وراء إنجازات الدولة السورية في الحقلين الخارجي والداخلي، لكن ذلك مجرد ستار يحجب الحقيقة ولا يلغيها.
تشبه الحالة الضبابية التي تمرّ بها الدولة السورية الحالية المستنقع الذي يستهلك قوة الإنسان ويمنع تقدّمه نحو الأمام، في حين لا يرى فيه البعض سوى عقبة عابرة، بينما كان بالإمكان تجنّبه والسير بسرعة وثبات في طريق آخر.
ينبغي الإشارة هنا إلى تقاطع مشاعر الأقليات بالقلق والخوف من المستقبل مع الحالة الضبابية التي تعيشها الدولة السورية في مسألة المسار السياسي الانتقالي. ومثل ذلك القلق لا يمكن جحده أو التخلص منه باتهامه بالطائفية؛ علينا الاعتراف أنه قلق مشروع، فكثيرون من جميع الطوائف، بما في ذلك السنّة، لا يريدون الانزلاق لا نحو دولة على طريقة أفغانستان ولا على طريقة إعادة إنتاج الديكتاتورية بعد مرحلة انفتاحية عابرة كما كان الحال عليه في مطلع انقلاب حافظ الأسد عام 1970، مع الفارق الكبير بالطبع، لكن الحديث هنا حول الفرق بين الحكم الديكتاتوري والحكم الديمقراطي مع الأخذ بالاعتبار الفروقات النوعية الأخرى.
وهناك تقاطع آخر بين الحالة الضبابية للمسار السياسي الحالي وبين سوء الإدارة في بعض القطاعات ونقص الكفاءة والميل أحياناً لإعلاء الانتماء على الكفاءة، ووجود عناصر سياسية تشبه أدوات النظام البائد مثل الإدارة السياسية التي تخلق ازدواجية في السلطة على حساب القانون والنظام العام.
ما هو المطلوب؟
المطلوب باختصار ووضوح شديدين حسم مسألة ما هو الهدف النهائي للمسار السياسي للمرحلة الانتقالية.
أي وضوح الخطاب السياسي للدولة بأننا بصدد التمهيد للوصول نحو دولة دستورية ديمقراطية مدنية، ودعم ذلك التوجّه بالإعلان أنه في نهاية المرحلة الانتقالية ستكون هناك انتخابات عامة لجمعية تأسيسية منتخبة بصورة ديمقراطية حقيقية، تتولى تلك الجمعية وضع الدستور النهائي للبلاد، وأن الحكم الحالي يتعهد بتسليم الحكم للسلطة التي سوف تنشأ على أساس الدستور النهائي.
هذا الإعلان سوف يحدّد بوصلة الهدف النهائي للمسار السياسي الانتقالي الحالي، وسوف يدعمه تحديد موعد لتلك الانتخابات يناسب المدة المتوقعة لإنجاز معظم مهام المرحلة الانتقالية، والتي لا ينبغي أن تزيد عن ثلاث سنوات منذ الآن كحد أقصى، سوى بظروف طارئة تبرّر التأجيل.
مثل ذلك الإعلان – بأيّة صيغة جاء – سوف ينهي الحالة الضبابية التي تعيشها سورية الآن، والتي وراء الإحساس المتزايد بالقلق وتآكل ثقة فئات اجتماعية بالعهد الجديد، بل وسوف أتجرّأ بالقول إن تلك الحالة الضبابية شكّلت أساساً صالحاً لدعم النزعات الانفصالية وإيجاد بيئة صالحة لها.
هذا هو المطلوب الآن، ولا ينبغي التأخر في الاجتماع حوله وجعله المطلب الوطني الأكثر أهمية اليوم.