تغيّرات الأجيال والأفكار والوعي والسياسة
في عصر السرعة الفائقة، والثورات العلمية والتقنية والرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، تبدو التغيّرات نوعية، وتشمل العقل والوعي الإنساني والاجتماعي والسياسي، وفي الأذواق والانفعالات والاختيارات الفردية وبعض الجيلية، بحيث يبدو عالمنا مختلفاً عمّا ألفناه في العقود الماضية، في ظل تحوّلات فائقة السرعة في التطورات التقنية الناعمة التي تعيد تشكيل عقل الأجيال الجديدة، واللغة، والوعي.
ومن ثمّ، نحن سنكون إزاء أنساق لغوية رقمية في الأجل المتوسط داخل كل لغة تتشكّل، وأيضاً سيتشكّل نسق لغوي كوني، ومن ثمّ أنماط جديدة من التفاعلات الرقمية العابرة للّغات وللجيوسياسة، والدول والمنظمات الدولية والإقليمية، ولغة السياسة والعلوم الإنسانية.
من ثمّ ستتنامى مساحات التلاقي بين الأجيال الرقمية (Z) وآلفا ثم بيتا، في تبادل الآراء والانطباعات والوقائع والأخبار فور وقوعها، أيّاً كانت طبيعتها: سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو فنية… إلخ.
لم تعد الأجيال الرقمية تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية المرئية والمسموعة والمكتوبة إلا قليلاً جدّاً.
انعكاسات الأخبار والحروب والنزاعات الأهلية الدينية والمذهبية باتت سريعة جدّاً في تأثيراتها على الأجيال الرقمية، وردود أفعالها، ومشاركتها في الجدل حولها، أيّاً كانت مستوياته من حيث السطحية أو الموضوعية، والدقة والمعرفة بخلفياتها التاريخية وتطوراتها.
ثمة جدالات وسجالات تنشب بين الأجيال القديمة والجديدة، وبين بعضهم بعضاً على أسس دينية ومذهبية وهوياتية نمطية، بينما آخرون يحاولون تجاوز ذلك وفق توجهات إنسانية وأخلاقية في مواجهة دولهم ونخبهم الحاكمة، لاسيّما في الدول الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية، ودول أخرى في آسيا وجنوب العالم، على نحو ما فعل طلاب الجامعات وبعض القوى الحيّة الإنسانوية والأخلاقية تجاه سياسة الإبادة والتطهير العرقي والحصار الجماعي للدولة الإسرائيلية المحتلّة للضفة الغربية وقطاع غزة بعد عدوان الخامس من يونيو 1967.
أيضاً ظهرت انعكاسات الثورة الرقمية في انتفاضات جيل (Z) – الأشخاص الذين وُلدوا في الفترة من عامي 1997 إلى 2012 بعد جيل الألفية (Y) – هذا العام 2025 في عدة دول مثل نيبال والبيرو والمغرب، ومطالباتهم بإصلاحات اجتماعية واقتصادية، بسبب ارتفاع معدلات التضخّم وتدهور الخدمات العامة في الصحة والتعليم، ونقص فرص العمل والبطالة والفساد، وإصلاحات التقاعد في البيرو مثلاً.
وقد تم تنظيم هذه التظاهرات عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإجادة التعامل معها في مواجهة أنظمة الرقابة السياسية والأمنية الرسمية.
التغيرات الجيلية أحدثت فجوات بين العقل السياسي للقادة السياسيين في الغرب والعالم، وبين جيلي (Z) وآلفا. ولم تستطع اللغة الرقمية، وسياسة المنشورات والتغريدات والفيديوهات الوجيزة المنظمة التي تُعدّها بعض الشركات أو الأجهزة الرسمية – لاسيّما في دول الجنوب – أن تبني الثقة لدى بعض من هذين الجيلين، أو تزيّف وعي بعضهم السياسي والاجتماعي، ومن ثمّ تزداد الفجوات معهم، وهو ما يؤدّي إلى تفاقم مشكلات المحكومية السياسية، ولا مبالاة هذه الأجيال النسبية ببعض المؤسسات السياسية والأحزاب والقادة.
ومرجع ذلك انعكاسات السياسات النيوليبرالية، وتراجع بعض من مفاهيم دولة الرفاه، لاسيّما في سياسة الضمان الاجتماعي وفرص العمل والبطالة، في ظل هيمنة الاستهلاك المكثّف، والتطورات التي ستشمل أسواق العمل مع الذكاء التوليدي والروبوتات.
من هنا بدأت مؤشرات أولية لبعض التوجهات الجديدة لدى بعض من جيل (Z) إزاء التحيّزات الموروثة والمستمرة للاتجاهات الصهيونية المسيحية المناصرة والداعمة لإسرائيل وسياساتها العنصرية، وللدعم العسكري والمالي والاقتصادي الأمريكي والأوروبي لها، وذلك من بعض ميزانيات هذه الدول.
ومن تجليات رفض جيل (Z)، وبعض من جيل (Y)، تمثّل في رفض بعض من سياسات ترامب الاقتصادية والاجتماعية التي ترتكز على الشعبوية والعرقية والهوياتية، والتي تنطوي على تحيّزات للعرق الأبيض في مواجهة التعدديات العرقية والهوياتية الأخرى في المجتمع الأمريكي، وإزاء الهجرة من المكسيك وأمريكا اللاتينية ومن البلدان الأخرى.
ظهرت بعض الغرائبية السياسية الموظّفة والمكثفة من ترامب وإدارته الجمهورية في انتخابات عمدة مدينة نيويورك – التي يقطنها 8 ملايين نسمة في ولاية تتكوّن من 20 مليون نسمة، والناتج المحلي لها وفق الإحصاءات 2 تريليون دولار، والمدينة نحو تريليون ونصف دولار – وهي المدينة ذات الثقل الاقتصادي والسياسي والثقافي، التي باتت في نظر بعضهم مدينة العالم من حيث التعددية.
أثناء العملية الانتخابية، ترشح زهران ممداني، المهاجر ذو الأصول الهندية والأفريقية، والحاصل على الجنسية الأمريكية عام 2018، والمولود في أوغندا عام 1991، الذي شكّل تحدياً للسياسة الترامبية من خلال حملة انتخابية غير تقليدية ارتكزت على برنامج إصلاحي في مجال السكن والإيجارات، ومواجهة غلاء المعيشة من خلال محالّ لتوزيع السلع والخدمات تديرها البلدية، ومضاعفة الحد الأدنى للأجور، فضلاً عن تأمين خدمات مجانية لرعاية الأطفال، وتمويل هذه الخدمات الاجتماعية من خلال رفع معدلات الضرائب على الشركات.
من ناحية أخرى، رفض سياسة الإسلاموفوبيا، والعداء للسامية، ودعم الفلسطينيين، ورفض سياسة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، من خلال برنامج إصلاحي يقف على يسار الحزب الديمقراطي، ومعه السيناتور بيرني ساندرز.
كشفت الماكينة الانتخابية، التي ارتكزت على أعداد كبيرة من المتطوعين، عن رفض لسياسة ترامب ودعمه لخصمه آندرو كومو، واتهامه لممداني بأنه يكره اليهود، بل وصف المؤيدين منهم للمرشح المسلم بأنهم “أغبياء”، ودعم مليارديرات عديدين لخصمه، فضلاً عن تهديد ترامب بحجب التمويل الاتحادي عن المدينة في حال فوزه.
حصل ممداني على النصر الانتخابي في ظل إقبال من الناخبين هو الأعلى منذ عقود، وتجاوزه 50% من عدد الأصوات، والأهم حصوله على 30% من أصوات الناخبين اليهود في المدينة، وهو علامة تغيير في اتجاهات بعضهم، خاصة في ظل هجومه على السياسة الإبادية الإسرائيلية.
مرجع فوز ممداني تكوينه المتعدد الآسيوي/الأفريقي/المسلم، ومن ثمّ تعبيره عن التعدديات الهوياتية، ومن ثمّ كان ولا يزال تعبيراً عن تعددية مدينة نيويورك، وفي الوقت نفسه مهاراته الخطابية في التأثير المباشر على الناخبين، والأهم نزوعه الإصلاحي داخل يسار الحزب الديمقراطي – وقد وصفه ترامب بالشيوعي – مع بعض من الشعبوية المضادة للشعبوية النيوليبرالية العرقية والغرائبية الوظيفية لترامب، من خلال شعبوية إصلاحية تعددية، ضد معاداة السامية والإسلاموفوبيا، ومع التحول الجنسي وحقوق المثليين. خطاب سياسي مباشر، ومن خلال حملة انتخابية غير تقليدية قادرة على جذب الناخبين.
لا شك أن نجاح ممداني ارتكز أيضاً على الفجوات الجيلية بين النخب الديمقراطية والجمهورية، وبين بعض الأجيال الجديدة الشابة ذات الهويات المتعددة داخل مدينة نيويورك، وهي أجيال عالم المابعديات، والتغيّرات الاجتماعية، وفي التحوّلات الجنسية، وتغيّر نسبي في وعيها السياسي والاجتماعي عن أجيال النخبة الديمقراطية والجمهورية الأكبر سنّاً، التي لا تزال تدور في دوائر شبه تقليدية في فكرها السياسي والاجتماعي النيوليبرالي، ووراءها مليارديرات الشركات الكونية الكبرى.
واكب فوز ممداني بموقع عمدة مدينة نيويورك، فوز أبيغيل سبانبرج الديمقراطية بحاكم ولاية كاليفورنيا، والديمقراطي أندريه ديكنز بولاية ثانية في رئاسة بلدية أتلانتا، وفازت غزالة هاشمي عضو مجلس الشيوخ بمنصب نائبة حاكم ولاية فرجينيا، وفاز الديمقراطي كوري أكورنو برئاسة بلدية بيتسبرغ.
هذه النتائج الانتخابية شكّلت مؤشراً إيجابياً للحزب الديمقراطي، وشبه صفعة لسياسة ترامب والحزب الجمهوري الحاكم.
لا يمكن تعميم نتائج بلدية مدينة نيويورك على كافة الولايات والمدن الأمريكية، والأهم على السياسة الأمريكية وتركيبة النخب الأمريكية، إلا أن نتائج عمدة نيويورك تشير إلى مؤشر قد يتنامى مستقبلاً مع الأجيال الجديدة، لاسيّما (Z) وآلفا وبيتا في المستقبل، والتغيرات في اللغة والوعي السياسي والاجتماعي الرقمي والذكاء التوليدي لدى بعض هذه الأجيال، لاسيّما طلاب جامعات النخبة، على نحو ما أظهرته تظاهراتهم ضد حرب الإبادة الإسرائيلية، وبعض هذا الجيل في الانتخابات التي جرت في مدينة نيويورك، وأيضاً على ما ستسفر عنه إدارة ممداني للمدينة وإنجازه لبرنامجه الانتخابي.
ثمة بوادر تغيير نسبي تُحدثه الأجيال الجديدة في عالمنا، ومن ثمّ عقل مغاير لما ألفناه ما بعد الحرب الباردة.
المصدر: الأهرام