برهان غليون في اللاذقية

img

ضمن جولة فكرية يقوم بها المفكر السوري الدكتور برهان غليون إلى عدد من المناطق السورية، وصل إلى مدينة اللاذقية بدعوة من جمعية الذاكرة الوطنية ليلقي محاضرة حول آفاق الوضع السوري ومآلات المرحلة الراهنة. حضور غليون إلى المدينة الساحلية، في ظل ظروف داخلية معقدة وإقليمية محتدمة، شكّل حدثاً لافتاً من حيث الرمزية والدلالة، إذ إن المفكر الذي لطالما ارتبط اسمه بالفكر السياسي النقدي وبالدفاع عن قيم المواطنة والديمقراطية، عاد اليوم إلى الداخل السوري بعد عقود من المنفى الفكري والسياسي ليعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الوطن والمجتمع والدولة.

يُعدّ الدكتور برهان غليون أحد أبرز المفكرين السوريين الذين وضعوا الأسس النظرية لفكرة الوطنية السورية الحديثة، وهو المفهوم الذي أطلقه في منتدى الحوار الوطني بمنزل الصناعي الدمشقي رياض سيف عام 2001، في محاضرة وصفها الكاتب والمفكر ياسين الحاج صالح بأنها “تاريخية”، ليس فقط بسبب توقيتها الذي جاء مع بدايات ما سُمّي بـ«ربيع دمشق»، بل لما تضمنته من دعوة جريئة إلى عقد وطني جديد يجمع السوريين على قاعدة المساواة والحرية والشراكة، بعيداً عن الأيديولوجيات الطائفية أو الحزبية الضيقة.

اليوم، يعود صاحب مؤلفات «اغتيال العقل» و«بيان من أجل الديمقراطية» و«نظام الطائفية» إلى اللاذقية، في مرحلة وصفها بأنها “عصبية ومعقدة”، ليؤسس لما سماه مرحلة استعادة الكلام، أي عودة النقاش العام إلى المجتمع السوري بعد صمتٍ طويلٍ فرضته الحروب والانقسامات.

استهلّ حديثه بشكر أبناء اللاذقية على حفاوتهم وترحيبهم، مؤكداً أن ما يجمع السوريين أكثر بكثير مما يفرّقهم، ثم بدأ عرضه بالتوقف عند ما سمّاه المرحلة الانتقالية، التي اعتبرها مدخلاً لمرحلة اختلت فيها كل التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية. فالسوريون اليوم – كما قال – يعيشون في قلب هذه التوازنات المتحركة، وسط قلق عميق على مستقبل بلدهم الذي لم يعد بيدهم وحدهم، بل بات رهينة تفاعل عوامل متشابكة داخلية وخارجية.

فعلى الصعيد الداخلي، أوضح غليون أن الإسلاميين شعروا بأنهم ربحوا المعركة، وأن الصراع بين التيارين العلماني والإسلامي ما زال غير محسوم. التوازنات القديمة انهارت، مخلّفة حالة من القلق العام: فالنظام قلق، والمعارضة قلقة، والمجتمع بأكمله يعيش على وقع التساؤلات حول مستقبل سوريا: موحدة أم مقسمة؟ إذ إن قوى خارجية – على رأسها إسرائيل – تعمل على إضعاف أي قوة سورية قادرة على لعب دور فاعل، بينما تتمسك قوى داخلية بمكاسبها وتحتمي بعلاقات وتحالفات دولية تحافظ على نفوذها.

وأشار غليون إلى أن الصراع في سوريا ليس فقط طائفياً أو اجتماعياً، بل هو قبل كل شيء صراع على هوية سوريا ووحدتها. فالحفاظ على وحدة البلاد هو مفتاح النجاح في جميع المعارك الأخرى: معركة الديمقراطية، التنمية، وبناء الإرادة الوطنية. لذلك دعا إلى تغليب منطق التعاون بين المكونات السورية على منطق الانقسام، لأن أي انتصار حقيقي يبدأ من وحدة الإرادة الوطنية.

ثم حدّد ثلاثة أطراف رئيسية تتحمّل مسؤولية هذا النجاح:

السلطة: وعليها عبء كبير في تبديد التناقضات واستعادة الثقة الشعبية، من خلال ترسيخ العدالة عبر محاكم نزيهة وتشجيع المصالحات الوطنية، وإشراك جميع القوى السياسية والاجتماعية في إدارة الشأن العام. فالعدالة – كما قال – ليست ترفاً أخلاقياً بل شرطاً لبناء الثقة.

المجتمع المدني: الذي تقع عليه مسؤولية تنظيم الفعاليات والنقابات المهنية والاجتماعية – من أطباء وعمال ومحامين وغيرهم – بعيداً عن الاصطفافات الطائفية. كما شدّد على أهمية إعادة الحياة للأحزاب السياسية التي تلعب دور الجسر بين المكونات السورية. ورأى أن خوف السلطة من إعادة تنظيم هذه النقابات يجب ألا يكون مانعاً أمام القوى المدنية من استعادة دورها الطبيعي في الحياة العامة.

قادة الرأي: من مفكرين ومثقفين وإعلاميين ورجال دين وخطباء، الذين يشكّلون الرأي العام ويؤثرون في اتجاهاته. واعتبر غليون أن تقصير هذه الفئة في مواجهة ثقافة الكراهية والثأر سمح لمشاريع التقسيم بالتمدد، داعياً إلى دور أكثر فاعلية لهم في ترميم الوعي الوطني.

وبيّن أن تفاعل هذه العناصر الثلاثة – السلطة والمجتمع المدني وقادة الرأي – هو ما يشكّل الرصيد الوطني الحقيقي الذي يمكن من خلاله إعادة فتح أفق النقاش العام.

وفي معرض الرد على أسئلة الحضور، توسّع غليون في الحديث عن الثورة والديمقراطية والطائفية، معتبراً أن أربعة عشر عاماً من النضال الشعبي كانت كفيلة بإسقاط النظام الذي أفلس أمام حلفائه وفقد دعم الطائفة التي ادّعى حمايتها. هذا الانهيار – كما قال – مهّد لتقاطع الإرادات الدولية والإقليمية للتخلّص من النظام، فوقع الاختيار على هيئة تحرير الشام كقوة أكثر تنظيماً لملء الفراغ، رغم أنها لا تنتمي أيديولوجياً إلى منظومة الثورة السورية.

ورأى أن الهيئة تحاول، عبر الإعلان الدستوري، التقرّب من جمهور الثورة بشعارات “الحرية والكرامة والديمقراطية”، إلا أن جمهورها الداخلي يحمل شعارات أخرى قد تمهّد لصراع داخلي جديد. لذلك من مصلحة السلطة القائمة أن تؤكد أنها امتداد للثورة لا قطيعة معها، لأن الجميع في النهاية يتغيّر بحكم تشابك المصالح والتاريخ.

ثم انتقل غليون إلى تحليل الطائفية وآليات عملها، مشدّداً على أن التعدد الديني والطائفي في أي مجتمع لا يخلق الصراع بالضرورة، بل يمكن أن يكون مصدر غنى وتنوّع. فـ“الطائفية”، كما قال، ليست قدراً بل هي السوق السوداء للسياسة، التي تنشأ عندما تُغلق قنوات العمل السياسي الحر. النظام – بحسب غليون – هو من حوّل السياسة إلى سوق سوداء، حيث تُباع الولاءات وتُشترى المواقف. وردّت القوى الأخرى بالطريقة ذاتها، مستخدمة العصبيات الدينية في مواجهة أدوات النظام، كما حدث في مجزرة حماة عام 1982. واليوم، يعيد بعضهم إنتاج الآليات ذاتها تحت شعارات مختلفة، كمن يقول: “من يحرّر يقرّر”، مستخدماً أدوات السوق السوداء ذاتها.

ومن أجل تجاوز هذه الحلقة المفرغة، دعا غليون إلى مساعدة الجميع – منتصرين ومهزومين – في الانتقال من السوق السوداء إلى السوق الحرة للسياسة، عبر إطلاق الحريات السياسية وتشكيل الجمعيات والأحزاب، وفتح النقاش حول حقوق المواطن والاقتصاد. فـ“السياسة” في معناها الأصيل – كما قال – هي حكم القانون وتكريس المواطنة، بينما غياب الحقوق والواجبات يحوّل الدولة إلى مافيا تتحكّم بالمجتمع.

وفي معرض حديثه عن العلمانية، أوضح أنها ليست مشروعاً قائماً بذاته، بل جزء من مشروع وطني شامل يقوم على العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية. فالعلمانيون أخفقوا – برأيه – لأنهم لم يتوجّهوا إلى حاجات الناس المعيشية، كالعمل والصحة والتعليم، فابتعد الناس عنهم وربطوا العلمانية بالإلحاد والكفر. والحل هو إعادة وضعها في سياقها الاجتماعي، بحيث تعني المساواة بين المواطنين بغضّ النظر عن الدين أو المذهب، وإعلاء الكفاءة على الولاء، وتحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل. فعندما تتحسّن معيشة الناس ويزول الفقر، تخفت النزعات الدينية المتطرفة، لأن الإنسان حين يؤمّن حاجاته لا يعود معنياً بدين جاره أو طائفته.

وختم غليون حديثه بالتأكيد على أن السياسة هي نقيض الطائفية، وأن الخروج من مأزق الانقسام يتطلّب شجاعة في طرح الأسئلة الجوهرية حول العدالة والمواطنة والهوية الوطنية الجامعة.

أما أنا، فأعتقد أن الدكتور برهان غليون – رغم عمق تحليله وشمولية طرحه – لم يُثلج صدور بعض “الجنود المجهولين” الذين كانوا حاضرين في القاعة، أولئك الذين اعتُقلوا منذ زمن الأسد الأب وناضلوا بصمت من أجل تفكيك منظومة الاستبداد، بمن فيهم المحاضر ذاته. هؤلاء المناضلون، الذين قدّموا أعمارهم وأفكارهم ثمناً للحرية، كانوا يستحقون إشارة تقدير تليق بتضحياتهم، لأنهم كانوا الطليعة التي مهّدت لكل ما تلا من حراك ونقاش. لقد ناضلوا في أزمنة كان مجرد التفكير المختلف فيها جريمة، وواجهوا القمع والإقصاء بإيمان راسخ بالكرامة الإنسانية. لذلك أرى أنه من الواجب على السلطة الجديدة أن تنصفهم، وأن تُعيد لهم مكانتهم كشركاء حقيقيين في النصر على نظام العسف والإبادة، لأنهم هم الذين قالوا الكلمة الأولى في وجه السلطان الجائر، وبكلماتهم تلك بدأ تاريخ جديد لسوريا يبحث اليوم عن ذاته وعن مستقبله.


الكاتب هيثم سليمان

هيثم سليمان

كاتب سياسي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة