المصالحة والمساءلة.. أن تكون العدالة ضمانة للسلم الأهلي
نغم قدسية – ألترا سوريا
تتجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد نحو العدالة الانتقالية كمسار حتمي لمستقبل أكثر إنصافاً واستقراراً. وبين المصالحة التي تسعى إلى ترميم النسيج المجتمعي، والمساءلة التي تضمن عدم الإفلات من العقاب، تتشكل معادلة دقيقة تتطلب توازناً بين الذاكرة والصفح وبين الاعتراف والإنصاف.
تمثل المحاسبة والمساءلة أبرز ركائز العدالة الانتقالية بعد سنوات من الصراع، لكن الإشكالية هي في آليات تنفيذ المصالحة والمساءلة، وفيما إذا كانت المساءلة تعرقل المصالحة أم تمهّد لها؟
يرى المعتصم الكيلاني، المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أنّ المساءلة تمهّد للمصالحة ومن دونها يكون السلام مجتزأ. إذ تبدأ العدالة الانتقالية بتثبيت الحقيقة وإنصاف الضحايا ثم تأتي المصالحة كنتيجة طبيعية لهذا المسار. ويشدد الكيلاني على إشراك الضحايا منذ البداية، في التصميم والمتابعة وفي التقييم أيضاً.
لكن ماذا عن إمكانية المصالحة دون محاسبة؟ يقول الكيلاني، في حديثه لـ “الترا سوريا”، إن الإفلات من العقاب يعيد إنتاج العنف، والمصالحة دون محاسبة هي هدنة هشّة حيث جذور الصراع تبقى حيّة، بينما التحدّي يكمن في الجمع ما بين السلم الأهلي والعدالة.
ويعتقد الكيلاني أنّ الحل ما بين تنفيذ المصالحة والمساءلة هو مقاربة متدرّجة وشفافة تبدأ بإعطاء الأولوية للانتهاكات الأشدّ، مع تحقيق عدالة تفاضلية مشروطة بالحقيقة، إلى جانب إصلاح مؤسسي يضمن عدم الانتقائية أو التمييز.
وترى المحامية نهلة عثمان، رئيسة اتحاد الجمعيات الألمانية السورية، أن المصالحة تتطلب الانفتاح والتسوية وربما حتى الغفران، بينما المساءلة تتطلب عقوبات واضحة وعادلة، وهنا يكمن التحدّي الرئيس في كيفية لم شمل المجتمع دون تخفيف الطلب على العدالة.
وتشير عثمان إلى أن المصالحة ليست المرحلة النهائية إنما هي جزء من عملية العدالة الانتقالية مهمّتها إعادة ربط المجتمع وبناء الجسور بين المجموعات المختلفة.
وتعتقد عثمان أن الآن هو الوقت المناسب للتفكير في لجان الحقيقة والمصالحة، إذ يمكن تشكيل نموذج سوري يتضمن لجان حقيقة ومنتديات إقليمية تسهّل الحوار المحلي، مع ضمان استقلالية هذه اللجان وتمثيلها لجميع المكونات.
وتؤكد على شروط أساسية لضمان مساءلة فعالة، أبرزها الاستقلالية والتعويض وإصلاح المؤسسات، إلى جانب توثيق المحفوظات والتقارير والتسجيلات الصوتية والفيديو، كضرورة لا بد منها حتى يصبح الإنكار مستحيلاً فلا تضيع الذاكرة.
ويرى الحقوقي إبراهيم ملكي أن ليس هناك مصالحة دون محاسبة، والمصالحة تأتي بعد الاعتراف والمساءلة، لكن جلّ الاهتمام يجب أن يكون موجّهاً نحو الضحايا، لإعادة الحقوق لهم من خلال جبر الضرر.
ويعتقد ملكي أن حجم الانتهاكات وضخامتها يصعّب مسار العدالة الانتقالية في سوريا، بينما التحديات تكمن في قلّة الموارد.
ويشير ملكي إلى أن تأخّر مسار العدالة الانتقالية إلى جانب السلاح المنفلت خارج إطار الدولة يزيد من احتمالية إعادة إنتاج العنف، كما أن محاولات تحصين بعض الأفراد وإفلاتهم من المساءلة يعرقل مسار العدالة الانتقالية، إذ لا بد من محاسبة الجميع دون تمييز، ولو كانت المحاسبة بدرجات متفاوتة حسب نوع الانتهاكات.
ويؤكد ملكي على ضرورة حضور الجهة المدّعية، حيث لا تتحقق العدالة دون إشراك الضحايا، ويمكن تنفيذ ذلك ضمن لجان الحقيقة والمصالحة فيشعر الضحايا وذويهم برد الاعتبار وأنهم ركن أساسي في تحقيق العدالة الانتقالية، وعلى العكس، فإنّ محاولة إقصاء الضحايا عن المشاركة ربما يدفع بعضهم لأخذ الثأر باليد.
وفي الوقت ذاته، يرى ملكي أن استعادة ثقة المواطنين بأجهزة الدولة ليس بالأمر السهل، وتحتاج إلى عمل تراكمي مع تقليل الأخطاء، فيما تمثّل المحاسبة أولى خطوات بناء الثقة بين الطرفين، معولاً على مجلس الشعب لصياغة قوانين وطنية جامعة تمدّ الجسور بين المواطن والدولة من خلال الشفافية والتشاركية.