ضمانات التحول الديمقراطي

img

ربما يسأل سائل: لنفرض أننا في المرحلة الانتقالية لم نتوقف عند تطبيق الديمقراطية، فما الذي يضمن لنا ألّا تتحول سورية إلى دولة ديكتاتورية بدل السير في طريق التحول الديمقراطي؟

الديمقراطية لم تُذكر بالاسم في جميع البيانات والتصريحات الصادرة عن الحكومة، أضف إلى ذلك تاريخ هيئة تحرير الشام في إدلب المعادي للديمقراطية، بالتالي ليس لدينا بوصلة حكومية تشير إلى الهدف الديمقراطي، بل لدينا مؤشرات ضبابية متناقضة بالسير نحو دولة ليست طالبان، ولكنها أيضًا ليست الدولة المدنية، دولة المواطنة المتساوية، دولة الحريات، الدولة الديمقراطية التي تسمح بتداول السلطة عن طريق الانتخاب وليس الانقلاب.

لنكن صادقين مع أنفسنا: لا توجد ضمانات.

نعم، لا توجد ضمانات، فحتى الغرب الذي يراهن عليه كثيرون للضغط من أجل الديمقراطية ليس معنيًا في الحقيقة كثيرًا بنشر الديمقراطية كما يدّعي، خاصة في هذه المنطقة، وربما يجد أن الديمقراطية تحمل خطرًا على مصالحه أكبر من خطر الحكومات الاستبدادية. فهو فقط يريد حكومات قادرة على السيطرة على مجتمعاتها ومنفتحة على التعامل مع المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية.

ما هو متاح أمامنا هو النضال السلمي من أجل التحول الديمقراطي، أي أن تعمل مفاعيل التحول الديمقراطي من الأسفل، من المجتمع، وليس وضع المسؤولية على عاتق النظام الحاكم والاكتفاء بتقديم مرافعات لا تُجدي فتيلاً كل يوم عن “لا ديمقراطية النظام”، ثم العودة إلى النوم “بانتظار جودو”، بالاستعارة من عنوان إحدى المسرحيات.

إحياء الحياة السياسية يكون من خلال إحياء دور المجتمع المدني، ذلك المجتمع الذي طالما جرت عملية إخصائه سياسيًا ليقتصر تعريفه على النشاطات الإغاثية والخيرية والاجتماعية الصرفة.

الأحزاب السياسية جزء من المجتمع المدني، وكذلك الصحافة الحرة، والنقابات الحرة، والجمعيات التطوعية، والمنتديات الثقافية والفكرية – السياسية، وحتى الحق في التجمع المنظم والتظاهر والاعتصام وفق القانون.

هذه الحركة القادمة من المجتمع لن تتكفل فقط بتصويب بوصلة النظام السياسي، بل بوضع الأرضية لنشوء ديمقراطية وطنية حقيقية، وليست ديمقراطية طائفية أو ديمقراطية مكونات تُعمّق الانقسامات الاجتماعية وتمنحها بعدًا سياسيًا يتحول إلى قيد حقيقي في طريق تقدم المجتمع وتحرره من آثار الماضي ودخوله العصر والحداثة.

أهم ما ينبغي التركيز عليه في المرحلة الانتقالية الراهنة هو سيادة القانون والحريات، تلك الحريات التي نشهدها في الواقع بالرغم من كل السقطات والتناقضات هنا وهناك.

بدون الحريات وبدون سيادة القانون لن يكون هناك أمل في إحياء الحياة السياسية، وحينها لا أحد يمكنه الحديث عن تصويب بوصلة العهد الجديد ولا عن التحول الديمقراطي.

بالتأكيد يحتاج ترسيخ الحريات إلى ممارسة الحرية، أي انخراط الشباب في السياسة بطريقة واعية ومسؤولة، وليس كما يطفو على السطح الآن.

هذا الشعب السوري العظيم يليق به ويستحق أن يصنع مصيره بنفسه، فالديمقراطية الحقيقية تُؤخذ ولا تُعطى.

وكما أن الحريات التي نعيشها اكتسبها الشعب بكفاح دامٍ وطويل ضد الاستبداد، فكذلك الديمقراطية السورية لن تأتي سوى بكفاح سلمي، ديمقراطي، مجتمعي، بعيد عن الطفولية اليسارية والمزاج النخبوي البعيد عن الشعب.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة