كي لا ننسى.. خضر دندل، وولده جاد

img

كان يوم الثاني والعشرين من شهر آذار 2015، ثقيلاً عليَّ وشديد الحزن، كان ثائر قلقاً على والده المصاب بمرض السرطان بعد مرافقته إلى دمشق وعودته إلى حلب حزيناً عليه بسبب تشخيص درجة إصابته بهذا المرض واليأس من شفائه، عندما هاتفتني عتاب زوجة ثائر وهي تبكي واسم ثائر مختلط مع بكائها، ظننت أن والد ثائر قد فارق الحياة، عندما حاولت الاستفسار عن المتوفى، أجابتني: ثائر وجاد فارقا الحياة إثر سقوط قذيفة على مدخل البناية، نزل النبأ عليّ مثل الصاعقة، فمنذ يومين كنت مع عدد من رفاقنا مجتمعين في منزله وتناولنا طعام الإفطار معاً، وكان جاد ذو الأربع سنوات يتنقل بيننا بفرح أليف نحن الذين تآلف مع حضورنا وأصبح جزء منه يودعنا على أمل عودتنا، وكان جاد شغله الشاغل يراقبه بحب ويداعبه بكل صبر.

بعض الأشخاص تلبسهم أسماؤهم ويأخذون كل صفاتها، ثائر واحد من هؤلاء، منذ بدايات وعيه رفض كل أشكال التمييز بين السوريين وتجسدت فيه الوطنية السورية بكل معانيها، وتمثل قيم الحرية ورفض الاستبداد والدكتاتورية، مليئاً بالوعي والثقافة العالية والطيبة، وبعيداً عن الثرثرة والنميمة، دمث مبتسم، يتصف بالاتزان والهدوء ورجاحة العقل، وفي حضوره ثقة وثبات وعنده يقين خفي بأن الذي كان لن يبقى طويلاً، كان جاداً في كل ما يفعله وليس بغريب عندما سمّى ابنه “جاد” بهذا الاسم، حيث أراد له أن بكون جاداً في مسيرة حياته.

خلال سنوات عمره القصير، الذي بدأ بولادته في العام  1980في قرية “حر بنفسه” التابعة لمحافظة حمص، ومتابعة تحصيله المدرسي في حي هنانو بمدينة حلب، وانتقاله الى مدينة حمص من أجل متابعة دراسته في جامعتها ليتخرج منها حاملاً إجازة في هندسة البتروكيمياء في العام 2002، وفي حمص يتفاعل مع الحراك السياسي في فترة ربيع دمشق بعيد توريث السلطة للأسد الابن، ويعيش بالقرب من المنتديات التي انتشرت في أكثر من مدينة وبلدة، مبشرة بانطلاقة وعي جديد يتمثل قيم الحداثة والمواطنة والحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتوج ذلك بذهابه إلى عضوية حزب الشعب الديمقراطي السوري بعد المؤتمر السادس لهذا الحزب الذي انعقد في نيسان من العام 2005، لقد رأى ثائر في مخرجات هذا المؤتمر ما يجعله في قلب العملية السياسية التي تدفع بسوريا إلى بر الأمان بالقطع مع الاستبداد والانتقال بالبلاد إلى عالم الحداثة والمواطنة، لقد دفع ثمن خياراته منذ أن حددها، صدامات مع محيطه الاجتماعي وانتقاله للسكن بمفرده ليصبح حراً بنفسه.

بعد تخرجه من الجامعة تم تعيينه في حقول النفط بمحافظة ديرالزور حتى قيام الثورة وسيطرة فصائل متطرفة على منطقة عمله حيث أصبح وجوده خطراً على حياته الأمر الذي دفع ببعض مقاتلي الجيش الحر بتأمين انتقاله إلى مدينة حلب في العام 2012، ومع انتقاله إلى حلب انتقل إليها نشاطه الثوري، وشارك تحت اسم ” ثائر العربي” ، مع التنسيقيات القائمة مثل تنسيقية التآخي العربية الكردية ومع نشطاء الثورة السياسيين، في الحراك الثوري التي شهدته محافظة حلب، فكان له حضوره وهو يحمل علم الثورة في المظاهرات التي شهدتها أحياء الأشرفية وبستان القصر والشيخ مقصود، وبلدة مارع حيث التقى فيها بعبدالقادر الصالح “حجي مارع” الغني عن التعريف والذي استشهد بعملية غادرة، وكان برفقة المدرس أحمد الشيخ الذي تم العثور عليه مقتولاً في حديقة الأشرفية.

كان ثائر لصيقاً بشباب الثورة منهم من استشهد مثل أحمد الشيخ ومنهم من غاب في المعتقلات مثل كمال أحمد من مؤسسي تنسيقية التآخي، والطبيب محمد عرب الذي اعتقل لأول مرة خلال فترة ربيع دمشق، ومنهم من ترك سوريا لاجئاً من أمثال: ياسين الحاج صالح، تهامة معروف، بكر صدقي، نبيل نبو، طارق عزيزة، ريم فاضل، إبراهيم هواش، ملك السيد وسواهم، غير أن استمراره في نشاطه السياسي كان داخل صفوف حزب الشعب الديمقراطي السوري في مدينة حلب مع عدد من كوادر الحزب الباقين في سوريا الذين شكلوا لجنة لقيادة نشاط الحزب في المحافظة، وفي منزله كانت تعقد معظم اجتماعات هذه اللجنة في المنطقة التي كان يسيطر عليها النظام مع كل مخاطر ذلك، حتى استشهاده مع ولده جاد.

بسبب الظروف الأمنية القاسية التي كانت سائدة آنذاك، وبناء على رغبة زوجته ولأسباب أمنية واجتماعية، لم تتم نعوته رسمياً من قبل الحزب، ولم تتم المشاركة في مراسيم الدفن بما يليق به وبولده في مدينة دريكيش حيث دفن جسديهما الطاهرين، واقتصرت المشاركة في منزله بحلب بوجود زوجته وجمع من الأهل والرفاق والأصدقاء.

تزوج في حلب من السيدة عتاب ضيفان المدرسة القديرة لمادة الفلسفة في ثانويات حلب، وشكلا معاً أسرة متحابة قوامها الاحترام والود والصدق والدماثة، تجمعهما محبتهما لسوريا وثورة شعبها الذي ثار على الاستبداد طلباً للحرية والكرامة، مخترقين الحواجز الطائفية التي حاول نظام الإجرام والطائفية تأبيدها وتحويل السوريين إلى كانتونات معزولة عن بعضها بعضاً.

تعرضت أم جاد لمضايقات متكررة من قبل أجهزة مخابرات النظام بسبب مواقفها الشجاعة، فقد شاركت في الاعتصام الذي أعلنه عدد من المدرسين أثناء تصحيحهم أوراق امتحانات الشهادة الثانوية احتجاجاً على أول قصف النظام على حي بابا عمرو، حيث تعرضت للاعتقال من قبل مخابرات أمن الدولة وهي لا تزال مرضعة، وتم الإفراج عنها لقاء مبلغ مالي كبير، وتكررت المضايقات وكان آخرها عندما ذهبت إلى دريكيش لزيارة قبر ثائر وجاد، حيث جرى توقيفها لوجود مذكرة بحث قديمة بحقها قبل اعتقالها الأول ولم يتم تعميم كف البحث بعد الإفراج السابق عنها، ومعروف عنها رفضها لاعتبار ثائر شهيداً عندما حاول النظام إلصاق تهمة قتله بـ “العصابات المسلحة” وبسبب ذلك رفضت قبول أية تعويضات من خزينة نقابة المهندسين، وتنازلت عن رواتبه وتعويضاته.

أم جاد زوجة ثائر السيدة الفاضلة، تكمل اليوم وبعد سقوط النظام البائد، مسيرة زوجها التي بدأتها معه، هي السيدة التي وجدناها مشاركة في لقاء لجنة الحوار الوطني، ولجنة الانتخابات العليا مع فعاليات حلب، ونشاهدها اليوم في المنتديات التي تعقد في المدينة ويحاضر فيها مثقفون وسياسيون.

رحيل ثائر وجاد وفقدهما مثل افتقاد البدر في الليلة الظلماء، وكنسمة عابرة تركت وراءها الطيب والعطر.

خلّف رحيلهما حزناً لن ينتهي وندبة في القلب لن تندمل، وأثراً لن يزول، رحيل ثائر خسارة لا تعوض لأهله ولمحبيه ولسوريا ولحزبه.

لروحيهما الرحمة والسلام، وطيب الله الثرى الذي يحتوي جسديهما في مدينة دريكيش، خالص العزاء إلى أم جاد والى عائلته ورفاقه ومحبيه.


الكاتب فهمي يوسف

فهمي يوسف

عضو الهيئة القيادية في حزب الشعب الديمقراطي السوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة