الشرق الأوسط ورهان ترامب

img

بغضّ النظر عن التصريحات الإسرائيلية والتسريبات الأمريكية بشأن موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المشاركة في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران لتدمير المفاعل النووي الإيراني المحصَّن فوردو، فإنّ الإدارة الأمريكية تُدرك تمامًا خطورة الإقدام على مثل هذه الخطوة، سواء على مستوى ردّة الفعل الإيرانية التي قد تصل إلى “عليَّ وعلى أعدائي، كما قال شمشون”، وتستهدف القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج العربي والعراق وربما في سورية، وجميعها في متناول الصواريخ البالستية الإيرانية.

ومن المؤكّد أنّ مثل هذه الضربة ستكون لها نتائج سلبية لا تُحمَد عقباها على المستقبل السياسي لترامب، وعلى مكانة حزب المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الحزب الذي أوصله إلى سدّة الحكم. ومن جهة أخرى، فإنّ جميعنا يعرف النتائج الكارثية الإنسانية والبيئية التي وقعت في غرب آسيا وشرق أوروبا عقب انفجار المفاعل النووي في ما كان يُسمّى الاتحاد السوفييتي (تشيرنوبل)، ولا يجهل خطورة هذا النوع من الكوارث إلّا من لا يُدرك عمق الحسابات التي تؤخذ بعين الاعتبار لدى الإدارة الأمريكية، في حال شاركت أو استُخدمت قنابلها الثقيلة والنوعية لتدمير مفاعل فوردو النووي الإيراني، وما سينجم عن ذلك من أضرار ودمار بشري وبيئي في محيط غرب آسيا والشرق الأوسط، وربما يصل التأثير إلى شرق أوروبا.

وبالتالي، ستتعالى الإدانات الدولية، وعلى وجه الخصوص الأوروبية، وهي إدانات ستُسهم في القضاء على المستقبل السياسي، ليس لترامب فحسب، بل ولحزب المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، ولمدة لا يمكن التنبؤ بها. وهذا ما يفسّر تصريحات ترامب المتناقضة عقب اجتماعه الأخير مع فريق الأمن القومي، وهي تصريحات تعكس ترددًا براغماتيًا، وربما عقلانيًا، يتناقض مع ما تروّج له محطات التلفزة من أن ترامب يراوغ ويموّه حين يقول تارة: “انتهى وقت المفاوضات أمام إيران”، وتارة أخرى: “على إيران أن تستسلم وترضخ لشروط المفاوض الأمريكي”، وذلك كي لا يفسد لحظة الصفر للهجوم الأمريكي المحتمل، ويفسح المجال لإيران لاتخاذ الاحتياطات المناسبة، “وكأنّ لدى إيران القدرة على تغيير أو تمويه موقع مفاعل فوردو”.

بل إنّ هذه التصريحات تؤكد تردّده وعجزه عن الحسم واتخاذ القرار بين الخيارات العقلانية أو البراغماتية من جهة، وبين الاستجابة أو الموافقة على ضغوط إسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا من جهة أخرى.

وكيلا يُساء فهمنا نقول: نحن لا نحسم، من خلال هذا التحليل وهذه السطور، الموقف أو القرار الذي سيتّخذه البيت الأبيض، بل نحاول أن نُلقي الضوء ونستشرف كيف تفكّر الدول وتبني مواقفها انطلاقًا من مصالحها. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما قاله الرئيس ترامب سابقًا: “لا يهمّني موت أحد المصارعين، بل يهمّني فوز المصارع الذي راهنت عليه”.

وهنا نتساءل: تُرى أين وضع ترامب رهانه؟

أعلى شرق أوسط جديد مستقر بالمنظور الأمريكي، تمر فيه أنابيب الغاز القطري إلى أوروبا بعيدًا عن الممانعة الإيرانية، وبعيدًا عن هيمنة موسكو على حاجة أوروبا للغاز الروسي؟

أم على استمرار الاستثمار الأمريكي بامتياز في دولة إسرائيل في الشرق الأوسط؟


الكاتب بشر الصوّاف

بشر الصوّاف

صحفي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة