عندما يكون الفشل ممنوعاً.. سوريا إلى أين؟ بين الفرص والمخاطر في مرحلة انتقالية مفصلية

img

تعيش سوريا مرحلة انتقالية دقيقة بعد سنوات طويلة من الحرب والنزاع، وهي تقف الآن أمام مفترق طرق قد يحدد مصيرها لعقود قادمة. مع التحديات الداخلية التي تواجه القيادة الانتقالية، والتوترات الإقليمية والدولية المحيطة بها، يتساءل الجميع: إلى أين تتجه سوريا؟ وهل يمكن للمرحلة الانتقالية أن تحقق الاستقرار المنشود أم ستعود البلاد إلى الفوضى؟

أين تكمن المخاطر؟

1. داخلياً: تحديات الوحدة والاستقرار

سوريا اليوم تعاني من انقسامات سياسية وطائفية عميقة. أحمد الشرع، الذي يقود المرحلة الانتقالية، يحاول تحقيق توازن بين القوى المختلفة، لكن التحديات هائلة.

• إذا لم يتم الحفاظ على حكومة موحدة تمثل جميع أطياف الشعب، فقد تتفاقم الخلافات وتعود البلاد إلى مربع الصراع.

• الاقتصاد السوري في وضع كارثي، واستمرار التدهور المعيشي يهدد بنفاذ صبر الشارع، مما قد يؤدي إلى موجات جديدة من الاحتجاجات أو الانقسامات.

2. إقليمياً: تدخلات ونفوذ متزايد

الدول الإقليمية، مثل تركيا وإيران، تتصارع على النفوذ في سوريا، مما يزيد من تعقيد الوضع.

• تركيا لا تزال تسيطر على أجزاء من الشمال السوري وتضغط للحفاظ على دورها الاستراتيجي.

• إيران تسعى لاستعادة نفوذها من خلال بقايا النظام وبعض الفصائل على الأرض.

وفي المقابل، تسعى دول عربية، مثل السعودية ومصر، إلى إعادة سوريا إلى الصف العربي من خلال دعم القيادة الانتقالية والمساهمة في إعادة بناء البلاد.

3. دولياً: عودة ترامب تغير قواعد اللعبة

عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قد تعيد رسم المشهد الدولي. ترامب معروف بسياساته الانعزالية وتقليله من أهمية التدخلات الأمريكية الخارجية، ومن المرجح أن يقلص الدور الأمريكي في سوريا.

• هذا التوجه قد يفتح المجال أمام روسيا لتعزيز ما تبقى لها من نفوذه كقوة رئيسية في الملف السوري تاريخياً.

• كما أن تخفيف الدور الأمريكي قد يترك فراغاً، ما يُعطي فرصة للتنظيمات المتطرفة لإعادة ترتيب صفوفها.

فرص سوريا في المرحلة القادمة

على الرغم من هذه التحديات، هناك فرص حقيقية أمام سوريا لاستعادة الاستقرار والخروج من أزمتها.

1. القمة العربية: نافذة للعودة إلى الصف العربي

دعوة سوريا لحضور القمة العربية المقبلة في أبريل تعكس رغبة الدول العربية في إعادة دمجها ضمن المحيط الإقليمي.

• إذا استثمرت القيادة الانتقالية هذه الفرصة بذكاء، فقد تحصل على دعم سياسي واقتصادي كبير.

• التعاون العربي يمكن أن يسهم في مشاريع إعادة الإعمار التي ستعيد الأمل للسوريين.

2. توافق داخلي: مفتاح النجاح

أي حل مستدام يبدأ من الداخل. التوافق بين القوى السياسية، وضمان مشاركة جميع الأطياف السورية في صنع القرار، هو الضامن الأساسي لاستقرار المرحلة الانتقالية.

3. إعادة الإعمار: أمل ينتظر التنفيذ

إعادة بناء سوريا ليست مجرد حاجة اقتصادية، بل هي أداة لتعزيز الاستقرار. المساعدات الدولية، إذا تم استثمارها بشكل شفاف، يمكن أن تخلق فرص عمل وتخفف من معاناة المواطنين.

كيف يمكن استثمار هذه الفرصة؟

الخطوات العاجلة

1. معالجة مخاوف المجتمع وتطمينه:

• التصدي للفكر الجهادي: التعامل بحزم مع أي بوادر للتطرف، مثل المظاهر التي بدأت تظهر في شوارع دمشق وجبلة، من خلال تعزيز الأجهزة الأمنية، ونشر خطاب ديني معتدل، وبرامج إعادة تأهيل للمتأثرين بالفكر الجهادي.

• طمأنة الأقليات: ضمان مشاركة كل المكونات السورية في العملية السياسية وحمايتها بالقانون.

2. تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية:

• توفير الاحتياجات الأساسية بشكل عاجل، مثل الغذاء والوقود، من خلال المساعدات الدولية والإقليمية.

• إطلاق مشاريع صغيرة في المناطق المتضررة لتوفير فرص عمل سريعة.

3. تعزيز التوافق الوطني:

• تنظيم حوار شامل بين مختلف الأطراف السياسية والمجتمعية.

• إصدار بيانات حكومية دورية لطمأنة الشعب وشرح مسار العمل الانتقالي.

4. تعزيز الأمن والاستقرار:

• ضبط السلاح المنتشر بين الجماعات المسلحة.

• إنشاء لجان محلية للنظر في قضايا العدالة الانتقالية لتحقيق المصالحة.

الخطوات المؤجلة

1. بناء دولة مؤسسات قوية:

• صياغة دستور جديد يضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين.

• إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية لتكون أكثر شفافية وكفاءة.

2. إعادة الإعمار الشامل:

• إطلاق مؤتمر دولي للمانحين لدعم إعادة إعمار سوريا.

• تقديم ضمانات للمستثمرين الدوليين والمحليين للمشاركة في إعادة البناء.

3. تعزيز الهوية الوطنية:

• إطلاق برامج تعليمية وثقافية تركز على المواطنة والوحدة الوطنية.

• تقوية الإعلام الوطني لنقل رسائل الوحدة والاستقرار.

الخاتمة

سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة واستعادة مكانتها في العالم العربي والدولي. نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد على رؤية القيادة وقدرتها على اتخاذ قرارات جريئة تُراعي احتياجات الشعب وتُعالج جذور الأزمات.

إذا تم استثمار هذه اللحظة بحكمة، فإن سوريا قادرة على النهوض من ركام الحرب وبناء مستقبل أفضل. أما إذا فشلت الجهود الحالية، فإن العواقب ستكون كارثية، وستغرق البلاد في فوضى جديدة قد تكون أكثر خطورة مما سبق.

الطريق ليس سهلاً، لكن الأمل ما زال قائماً. القرار الآن في أيدي القيادة والشعب السوري لإعادة كتابة تاريخ جديد يليق بسوريا وشعبها.


الكاتب عماد الحصري

عماد الحصري

كاتب وناشط سياسي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة