الذكاء التوليدي الذاتي: وهم الخضوع للسيطرة والعقل الجيلي المتغير
الأهرام 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026
يبدو أن عالمنا خرج من عالم المابعديات، وما بعد الحداثة وما بعدها، إلى عالم الثورة الرقمية، والأَنَسَة الروبوتية، إلى مشارف مرحلة نهايات مركزية الإنسان في الوجود والحياة، وهو ما يبدو في خطابات كبار علماء الذكاء التوليدي، والنخبة الكونية المحدودة من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين، حول مسألة إمكانية السيطرة على الذكاء التوليدي الذاتي أم لا؟ وعلى مستوى قادة القمة في النظام الدولي المتغير، ورفض ترامب وضع قيود وضوابط على تطويرات الذكاء الاصطناعي، ويرى أن الولايات المتحدة متقدمة على الصين سنة، ولا يوجد بعدهما منافس! بقطع النظر عن الانضباط الصيني الحذر في عدم إطلاق التصريحات حول تطورات التقنيات الذكية، إلا أن الموضوع بات يشكل جزءاً من بعض الجدل الكوني حول مآلات التطورات الذكية للذكاء الاصطناعي التوليدي، منظوراً إليه من زاوية مسألة السيطرة عليه وإدارته. مفهوم السيطرة والتوظيف يشير في الخطاب السائد إلى الدول، ومن ثم قادتها وحكوماتها والشركات الرقمية الكونية، تحت شعار السيطرة لمصلحة الإنسان والإنسانية، في منظور الدول الأكثر تطوراً في عالمنا، بينما المضمر هو السيطرة من أجل مصالح هذه الدول والطبقات السياسية الحاكمة!
خطاب الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي محمولاً على مخاطر تطوره الذاتي، وخروجه على من يديرون ويطورون أنظمته ونماذجه وبرامجه، بكل انعكاسات ذلك على الحياة الإنسانية في وجودها ومختلف مجالاتها.
حالة التحفيز على الخوف من التطورات التقنية الذكية تشير إلى حالة استثنائية ربما لم تشهدها المجتمعات الإنسانية في مراحل تطورها في ظل الرأسمالية وثوراتها الصناعية المتعاقبة، وتستعيد بعضاً من تصورات بعض الكتاب في أوائل ومنتصف القرن الماضي عن خروج الآلة عن السيطرة الإنسانية، وتحكمها في الفعل الإنساني، بل وجوده؟ وأيضاً في بعض الأفلام السينمائية والتي تنتهي بسيطرة الإنسان على الروبوت!
مسألة السيطرة تبدو ممكنة في الإدراك السياسي للنخب السياسية المسيطرة في شمال العالم، ما بعد الحرب الباردة! إلا أن تكوين هذه النخب به هشاشة تكوينية وخبراتية يختلف عن غيرها من سياسيي ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة، والصراع بين الكتلة الشيوعية والمعسكر الرأسمالي، من حيث الرأسمال الخبراتي، ورؤى العالم، والحساسية والخيال السياسي، والاعتماد على مراكز الخبرة والبحث في إدارة ملفات السياسات الخارجية والداخلية، ورسوخ المدارس السياسية، ومعها الأحزاب السياسية الكبرى، ومنافساتها ومنظريها السياسيين، ومثقفيها، والصحف والمجلات الكبرى، مع التلفاز والإذاعة!
من الشيق ملاحظة أن نخب ما بعد الحرب الباردة، والثورة الصناعية الثالثة والرابعة، وتفكيرها السياسي وأداءها، يبدو مستوياته أدنى من زعماء بلدانهم ما بعد الحرب الأولى والثانية والحرب الباردة، على الرغم من أن الثورة المعلوماتية والرقمية والذكاء الاصطناعي وغيرهما في تحولات كبرى وناعمة وخطرة، وتطرح أسئلة معقدة على كافة الأصعدة، إلا أنها لم تؤثر إلا على نحو جزئي في بعض الفكر السياسي الليبرالي، والأنظمة السياسية الديمقراطية التمثيلية، ومن ثم رفد العقل السياسي الغربي بقدرات مؤثرة على اشتغاله وعملياته، وإنتاج الرؤى والأفكار وحساسيته السياسية.
يبدو أن الثورة الرقمية والذكاء التوليدي لم يؤثرا إلا قليلاً، والأحرى نسبياً، على بعض العقل السياسي الغربي، على نحو ما رأينا، ولا نزال مع رؤساء الحكومات البريطانية والفرنسية ما بعد جاك شيراك إلى ماكرون، والولايات المتحدة، لا سيما من جورج بوش الابن إلى ترامب وغرائبيته الوظيفية المثيرة والخطرة!
من مظاهر التأثير الجزئي للثورة الرقمية على السياسي الغربي، يتمثل في انصياعه اللحظي للواقع في مجتمعاته الأكثر تقدماً دون النظرات الاستشرافية، أي الرؤية اللحظية المتماهية والساكنة في هذا الواقع دونما تحليل في أعماقه وتغيراته ومآلاته. النظرة السكونية النسبية لمجتمعات متطورة، لكن مثقلة بمشكلات عديدة، ويهيمن عليها ثورة وحُرية الاستهلاك، وأثرها على الحريات العامة والشخصية، وتراجع نسبي لدور الأحزاب السياسية الكبرى، والتغيرات الجيلية وأثرها على اتجاهات الرأي العام، واهتمامات الأجيال الرقمية ومشاغلها وأسئلتها المختلفة!
لم تعد الأجيال الجديدة تلهمها وتستقطبها السرديات الكبرى، أو الشعارات السياسية العامة، ولا تتأثر كثيراً ببرامج التلفازات السياسية أو الحوارية كما كان سابقاً، ولا حضور المؤتمرات الحزبية كما كان يحدث أثناء الحرب الباردة. أجيال Z وY وألفا وبيتا هي أجيال رقمية، وعوالمها ولغتها واهتماماتها مغايرة، ولم تعد الأفكار الكبرى، وإنما اهتمامات مغايرة. الأهم أن الصور النمطية عن الزعماء والقادة السياسيين الكبار، أو غيرهم عالمياً أو في بلدانهم، لم تعد تحظى ببعض من الهيبة التي كانت، وأضحت مجالاً للنقد الحاد واللغة الساخرة حول صورهم وتفاصيل سلوكهم ونظراتهم ونظام الزي… إلخ.
الأخطر هو حالة من بعض الفجوات بين قادة الغرب ما بعد الحرب الباردة وإلى الآن، وبين هذه الأجيال الجديدة واهتماماتها وأنماط تفكيرها المغايرة لغالب هؤلاء القادة، مثل ترامب وماكرون وميلوني وغيرهم في بريطانيا وألمانيا وكندا.
من هنا يكمن تركيز اهتمامات ترامب، وبعض من قادة شمال العالم، ومعهم نخبة الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية، بالسيطرة على الذكاء الاصطناعي! أو عدم السيطرة لدى ترامب على تطوره لتغدو أمريكا متقدمة عن الصين بسنة في هذا المجال.
السؤال: هل السيطرة ممكنة وحاسمة؟ بعد ترامب أو غيره من زعماء شمال العالم، أو النخبة التي لا تتعدى أصابع اليدين من أصحاب الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية؟
الإجابة السهلة الشائعة: نعم، السيطرة ممكنة، وتوجيه الذكاء الاصطناعي وفق مصالح الولايات المتحدة والشركات الرقمية الكونية ممكن! إلا أن نظرة إلى تاريخ علاقة الإنسان والدول والرأسماليات الغربية بالتطورات العلمية والتكنولوجية تشير إلى أن مفهوم وإمكانية السيطرة والمنع والحجب لم تكن دائماً حاسمة وفعالة في تطور الاكتشافات العلمية، بل وحتى في ظل فرض قيود قانونية ودينية على بعض الأبحاث العلمية!
دائماً كانت هناك قيود تعبر عن السيطرة، لكن الأبحاث كانت تدور في أماكن ما، وتتطور وتفاجئ القادة السياسيين ورجال الدين والفلاسفة وغيرهم، وتفرض نفسها على مسارات الفكر والعمل والسياسة في عالمنا.
حدث ذلك مع الاستنساخ البشري، ومع ذلك من الممكن أن نفاجأ بحدوثه يوماً ما!
الذكاء الاصطناعي والرقمنة لم يعودا حكراً على قلة من أذكياء الشركات الرقمية الكونية النيوليبرالية، ومعامل أبحاثها، على الرغم من كونهم من الأجيال الجديدة، إلا أن الذكاء والقدرات والمهارات ليست حكراً على الصينيين والهنود والأمريكيين والكوريين الجنوبيين، وإنما هناك آخرون ربما لا ندري عنهم شيئاً، في مكان ما داخل الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا الناهضة وغيرها، ويتجاوزون مهارات وقدرات هذه المعامل الرقمية الذكية، وقادرون على اختراقها، ومعها اكتشافاتها غير المعلنة، وأيضاً قد يطور بعضهم أنظمة وبرامج للذكاء التوليدي الذاتي، تتجاوز القدرات والذكاء الإنساني! كل ذلك ممكن ومحتمل، والأخطر هو المفاجأة ولحظة إعلانها، والأخطر.. الأخطر لحظة انفجارها، وتجاوزها مفهوم السيطرة المرتبط بالدولة والسلطة السياسية في الدول القومية النيوليبرالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة! وأيضاً احتمالات وأهداف كل تطوير لأنظمة الذكاء التوليدي الذاتي والروبوتات، وهل هي لصالح الإنسان أو لسيطرة الآلة عليه أو تفجير حروب، أو تدمير البيئة، أو مصانع أو مناطق سكنية واسعة، أو إنهاء الحياة لغالبية الكوكب؟! تبدو تصورات مؤسسة على الخيال العلمي، إلا أن مسارات التطور غير مألوفة، وتفتح الأبواب أمام عديد الأسئلة والمآلات المختلفة!
من هنا يبدو مفهوم السيطرة تقليدياً وهشاً، وجزءاً من آلة لغوية سياسية في طور الأفول، لأن إمكانيات السيطرة والرقابة السلطوية في دول ليبرالية فائقة التطور لم تعد قائمة، لأن الرقابات باتت متبادلة –كما سبق أن كتبنا– الجميع يراقب الجميع، مع نهاية الخصوصية، بما فيها إمكانيات اختراق أجهزة الدولة، بل والرقابة عليها من بعض الأفراد الرقميين، أو رقابات الأفراد الفعليين على تفاصيل الحياة، وعلى المواطن والسلطة والأمن.. إلخ!
الأخطر أن تسارع التطور الذاتي للذكاء التوليدي سيصل في المقبل من السنوات ربما إلى مرحلة ومضائية، وهذا ليس مبالغة في ظل التطور التقني فائق التطور، وأثره على إيقاعات الحياة اليومية، إلى سياسة السرعة، ومن ثم على التطورات السياسية والقرارات من كافة مؤسسات الدولة، التي ستغدو جزءاً من عالم التغير الومضاتي المذهل.
عصر نهايات المابعديات والأنسنة الروبوتية بات قريباً، وصولاً إلى عالم ما بعد الإنسانية، إلا أن ذلك يبدو مثيراً للخوف والقلق، والعودة إلى مفاهيم باتت هشة وغير فعالة، مثل إمكانيات السيطرة، لأن الخوف من التغيرات التقنية وأثرها على الشرط والوجود الإنساني، تدفع لاستعادة المألوف من التفكير السياسي النمطي، الذي لم يعد صالحاً للتعامل مع تحولات فائقة الاستثنائية علمياً وتقنياً. الذكاء التوليدي الذاتي التطور بات يغزو العقل الإنساني والعمل والإبداع الأدبي والتشكيلي والبحث في العلوم الإنسانية، والأهم في العلوم الطبيعية والطب والهندسة.. إلخ، وذلك في قفزات متتالية وفائقة السرعة، وعادة يعود العقل السياسي إلى بعض من مفاهيمنا السابقة، مثل السيطرة وإبطاء تطور الذكاء الاصطناعي، بينما التطور التقني والعلمي لا ينتظر السيطرة ولا البطء ولا الفكر السياسي الذي يدور في مداراتها!
عالم تغير فعلاً!