بول ريكور يحاور أساتذة الشك الجزء الثالث (ماركس، نيتشه، فرويد) – الجزء الثالث والأخير

img

ترجمة وتقديم وتعليق د. فارس إيغو

مقدمة المترجم

لا شك أن نيتشه كفيلسوف ليس الأكثر وروداً في كتابات ريكور. يحظى ماركس باهتمام أكبر من قبل ريكور، حيث خصص له – كما رأينا في الجزء الثاني – خمس محاضرات من أصل ثمانية عشر من كتابه محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا (1986)، بينما خصص لفرويد كتابا خاصا هو في التفسير: محاولة في فرويد (1965).

ويتواجد نيتشه في فقرات صغيرة في عدة كتب لريكور، أحصينا منها خمس كتب[1].

وبالنسبة للدراسات أو المقالات حول العلاقة بين ريكور وفلسفة نيتشه فهي قليلة جدا، بينما تناولت الكثير من الدراسات العلاقة بين ريكور وماركس، وريكور وفرويد.

والكتاب الوحيد الذي يتناول فيه ريكور نيتشه بمعزل عن ماركس وفرويد هو الذات عينها كآخر (1990). في هذا الكتاب يتحدث ريكور عن النقد القاسي الذي وجهه نيتشه للكوجيتو الديكارتي، أي الذات باعتبارها الأساس الذي لا شك فيه للمعرفة، وأن الوعي يمتلك قدرة فريدة على الوصول إلى ذاته. لقد أصبح الكوجيتو مع نيتشه موضع شك، ولهذا السبب، تخرج الذات مُذلة ومُعدمة ومُحطمة، بفعل الشك النيتشوي. ولعل عنوان الفقرة التي تتناول هذا الموضوع في كتاب الذات عينها كآخر، أي الكوجيتو المحطم، تكشف قوة هذا النقد. إن هذا النقد – التفكيكي للكوجيتو هو في حد ذاته – في نظر ريكور – مجرد رد فعل على تمجيد الإنسان الموجود في المشروع الديكارتي أو الكوجيتو المنتصر.

بالنسبة لفرويد، فقد بدأ مشوار ريكور معه منذ منتصف الستينات من القرن المنصرم مع كتاب في التفسير: محاولة عن فرويد عام 1965[2]وهو عمل ضخم يزيد عن خمسمائة صفحة. وفي عام 1969 صدر كتاب صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية الذي كرس ريكور فيه الجزء الثالث بكامله للحديث عن فرويد والتحليل النفسي والثقافة[3].

كان ريكور، المتخصص في الفينومينولوجيا الهوسرلية، يؤمن في البداية بأن الوعي يمتلك وصولاً مميزاً إلى ذاته. تقوم الفينومينولوجيا عند هوسرل على فكرة العودة “إلى الأشياء ذاتها”، ومن خلال وصف تجارب الوعي المعيشة بصبر يمكن للمرء أن يصل إلى فهم حقيقي للمعنى. لكن فرويد زعزع هذه الثقة في شفافية الوعي لذاته. إن كشف فرويد عن اللاوعي أظهر أننا لسنا سادة أنفسنا. أفكارنا، ورغباتنا، وأفعالنا محكومة بقوى نفسية خارجة عن سيطرتنا.

يقوم فرويد بتقسيم الذات بين الوعي واللاوعي، ويتصور فرويد التحليل النفسي على أنه فك شفرة لمعنى الإنتاجات اللاواعية (الأحلام، الأعراض العصابية، الزلات اللسانية).

نيتشه وأصل القيم

تعتبر فلسفة الشك عند نيتشه هي الأكثر جذرية بين من يسميهم ريكور بـ “أساتذة الشك”، أي ماركس ونيتشه وفرويد. بالنسبة لنيتشه كل القيم – الخير والحق والجمال – تخفي إرادة القوة. إن الأخلاق عند نيتشه لا تشكل حقيقة أبدية موحاة، بل هي اختراع، عبارة عن إبداع بشري يخفي علاقات القوة.

إن الجينالوجيا أو علم الأنساب عند نيتشه[4] يفكك بقسوة كبيرة القيم التي نعتقد أنها الأكثر نبلاً. الرحمة؟ ضعف متخف في ثوب الفضيلة. التواضع؟ انتقام الضعيف من القوي. الحقيقة؟ استعارة بالية نسينا أنها مجرد استعارة. وراء كل قيمة غريزة، وعاطفة، واستراتيجية لإرادة القوة[5].

يؤثر هذا النقد على كل مسعى فلسفي. فالرغبة في الحقيقة نفسها ليست بمنأى عن الشك، يقول نيتشه: لماذا نرغب في الحقيقة بدلاً من الخطأ؟ يكشف هذا التساؤل المحير أنه حتى القيمة العليا للفلسفة (أي محاولة التقرب من الحقيقة) مرتجة وغير ثابتة؛ إنها خيار، وتقييم قد يوجد مقابله تقييم آخر أو تقييمات أخرى.

يعجب ريكور بقوة نيتشه النقدية. فعلم الأنساب أو الجينيالوجيا تحررنا من الأوهام المفاهيمية؛ إذ تبين أن ما يقدم نفسه على أنه أبدي هو تاريخي، وأن ما يدعي العالمية ما هو إلا تعبير عن مصالح خاصة. وهي تجبرنا على فهم عميق لدوافعنا الحقيقية، وللعواطف الكامنة وراء أحكامنا التي نفترضها عقلانية.

لكن هذه الجينيالوجيا تنطوي على مخاطر أيضاً. فإذا كانت جميع القيم مجرد إرادة قوة مقنعة، وإذا كانت الحقيقة ليست سوى استعارة منسية، فإن الخطاب النيتشوي نفسه يفقد كل ادعاء بالحقيقة. وينقلب الشك المعمم على نفسه؛ فيصبح مدمراً لذاته. والعدمية التي تذيب جميع القيم تذيب في نهاية المطاف حتى إمكانية تأكيد أي شيء.

يقول جان كلود مونو في بحثه (ثلاث شخصيات لنيتشه عند ريكور): «في هذه الشخصيات الثلاث لنيتشه في كتابات ريكور (الفيلسوف التأويلي، الفيلسوف التدميري أو فلسفة المطرقة والفيلسوف المعالج) يُربط نيتشه دائماً بنوع من الإفراط والتناقضات التي تورط فيها مؤلف كتاب إنساني مفرط بالإنسانية (وهو العنوان في الترجمة العربية للكتاب) بشكل حاسم: إفراط في فهم التأويل من شأنه أن يذيب كل مرجع؛ إفراط في تجريد الذات من إنسانيتها لدرجة أنها لم تعد قادرة على تفسير أساس الخطاب و”وجهة نظره” الإدراكية؛ إفراط في العلاج الحيوي الذي أقرّ مع ذلك بوجود دودة التاريخية في ثمرة الحياة نفسها، وبالتالي سعى جاهداً للإشارة إلى عنصر “لا تاريخي” أو “فوق تاريخي” كعلاج. ولكن بعيداً عن استبعاد فكر نيتشه، يبدو لي أنه تحديداً، بوصفه فكراً مفرطاً، يشكل تحدياً دائماً لريكور، ويحفزه على التفكير، ويجبره على مواجهة ما يعتبره تحديات يجب على كل فكر معاصر معالجتها. لعل الفلسفة المعاصرة، بمعناها الحقيقي، لا وجود لها إلا بعد نيتشه ومن خلاله، بعد هذه المحاولة لقلب الأفلاطونية، وتدمير الأوهام الفلسفية والميتافيزيقية، ومن خلالها. وإذا كان نيتشه قد ظهر، حرفياً، بوصفه “الفكر المعارض” في مطلع الستينيات، فإنه يتحول بوضوح إلى شيء آخر في كتابات ريكور: الصديق اللامع، الناري، اللاذع، الذي يجب تهدئة حماسه أحياناً، ولكن يجب أيضاً الترحيب بانتقاداته وجمعها، ويجب إطالة أمد شكوكه» (جان كلود مونو، ثلاث شخصيات لنيتشه عند ريكور، كتاب ريكور والفلسفة الألمانية، المركز الوطني للأبحاث العلمي، باريس، 2019، ص: 245-254).

لذا يسعى ريكور إلى دمج النقد النيتشوي دون الوقوع في العدمية التي يخاطر بتوليدها هذا النقد. علينا أن نجتاز الجينيالوجيا، وأن نسلم بأنها تكشف أوهامنا، ولكن لا يجب أن نتوقف عند هذا الحد بعد تفكيك القيم الساذجة، يجب علينا إعادة بناء القيم النقدية، التي تم تبنيها بوضوح في ظروفها التاريخية ولكن مع ذلك تم التأكيد عليها باعتبارها ضرورية للوجود البشري.

يقدم ريكور بوضوح هذا الفهم النيتشوي للتأويل، كأحد أهم إمكانيات التأويل الحديث: هذه الإمكانية هي تلك التي تحركها “إرادة الشك”، والتي يضعها هنا في مقابل “إرادة الإصغاء”. ويشير ريكور إلى أن التأويل الحالي أو التأويل بعد فترة الشك مدفوع أساساً بهذا “الدافع المزدوج”: إرادة الشك وإرادة الإصغاء[6].

فرويد واللاوعي

يمثل التحليل النفسي الفرويدي التيار الثالث الرئيسي للشك. يبين فرويد أن الأنا الواعية ليست سيدة نفسها، فاللاوعي ينتج أفكارنا ورغباتنا وأحلامنا وفق آليات تتجاوز الوعي تماماً.

يحدث هذا الاكتشاف تحولاً جذرياً في علم التأويل. لم يعد تفسير الحلم أو زلة اللسان أو العرض العصابي يقتصر على فهم معناه الظاهر، بل على فك شفرة المعنى الخفي الذي شوهته الرقابة النفسية. فالمضمون الظاهر يخفي المضمون الكامن. يشوه عمل الحلم ويكثف ويزيح ما يجب كبته ليصبح مقبولاً للوعي.

يخصص ريكور كتاباً كاملاً بعنوان في التفسير: محاولة في فرويد[7] للتحليل الفلسفي لعلم النفس. في هذا الكتاب، يطور ريكور فكرة أن فرويد يمارس “تأويل الشك”: فهو لا يثق بالمعنى الذي تمنحه الذات لنفسها، بل يبحث، تحت المعنى الظاهر، عن الرغبة اللاواعية التي تعبر عن نفسها بطريقة مقنعة.

يتمتع هذا التأويل التحليلي النفسي بشرعية لا جدال فيها في مجاله. فهو يكشف بفعالية عن آليات اللاوعي، ما يسمح لنا بفهم تكوينات اللاوعي (الأحلام، الأعراض العصابية، زلات اللسان) التي كانت ستبقى غير مفهومة لولا ذلك. كما أنه يحرر المريض من التكرارات القهرية بتمكينه من معالجة ما كان مكبوتاً.

لكن ريكور يرفض تعميم تأويل الشك هذا على كل جوانب الواقع الإنساني. فالتحليل النفسي يجري اختزالاً حيوياً وأثرياً: إذ يختزل كل معنى إلى اقتصاد الرغبة، وكل إبداع ثقافي إلى تسام للدافع. هذا الاختزال يجسد بعداً جوهرياً من أبعاد الإنسان (فنحن كائنات قائمة على الرغبة)، لكنه لا يمكن أن يدعي الشمولية (أي العلم المطلق).

بالنسبة لفرويد، فإن ريكور لا يخفي إعجابه به، ولكنه لا يتردد في الإشارة إلى محدودية التحليل النفسي. هذه المحدودية لا تشكل عيباً يجب تصحيحه، بل تكشف عن الحدود المشروعة لهذا التخصص.

الحد الأول هو حد معرفي. لا يمكن للتحليل النفسي أن يدعي مكانة العلم الدقيق التي ادعاها فرويد. لا يمكن التحقق من تفسيراتها بالمعنى المتعارف عليه في العلوم الطبيعية. فهي تنبع من عقلانية تأويلية، لا تجريبية. وهذا لا يبطلها، بل يحدد وضعها الخاص.

أما الحد الثاني فهو منهجي. يتفوق التحليل النفسي في فهم العمليات اللاشعورية. لكنه لا يستطيع تفسير كل شيء. فهناك أبعاد للتجربة الإنسانية لا يمكن اختزالها إلى مجرد الرغبة: فالإبداع الفكري والالتزام الأخلاقي والتجربة الدينية الأصيلة، تحتفظ بمنطقها الخاص.

أما الحد الثالث فهو أخلاقي. يهدف التحليل النفسي إلى الشفاء، والتكيف، والقدرة على الحب والعمل. هذه الأهداف مشروعة، لكنها محدودة. فهي لا تشمل البعد الأخلاقي الكامل للوجود. لا يحدد التحليل النفسي ماهية الحياة الطيبة؛ بل يساعد فقط في إزالة العقبات النفسية التي تمنعنا من عيشها.

يلخص ريكور هذه القيود بعبارة موجزة: التحليل النفسي يشفي، لكن لا ينقذ. فهو يمكن أن يحرر من العصاب، لكنه لا يمكنه أن يضفي معنى على الوجود. ينتمي التحليل النفسي إلى مجال العلاج، لا إلى علم الخلاص. إن الخلط بين هذين المجالين يؤدي إما إلى التقليل من شأن التحليل النفسي (بانتقاده لعدم كونه فلسفة كاملة) أو إلى تقديسه بشكل مفرط (بجعله رؤية شاملة للبشرية).

هناك إبداعات بشرية – كالفن والفلسفة والدين – لا يمكن اختزالها كليا إلى مجرد ردود فعل أو تحولات. فهي تمتلك إبداعها الخاص، وقدرتها على إرساء معان جديدة. والغاية (التوجه نحو المستقبل، واستشراف الاحتمالات) تُكمل بالضرورة علم الآثار (العودة إلى الأصل، والرغبة الفطرية).

وأخيرا، أثَر حوار ريكور مع التحليل النفسي تأثيراً عميقاً في كل من الفلسفة والتحليل النفسي نفسه. فقد بين أنه يمكن أخذ فرويد على محمل الجد من منظور فلسفي دون قبول جميع أطروحاته بالضرورة، وأنه يمكن الاعتراف بمساهمة التحليل النفسي دون تحويله إلى رؤية شاملة.

خاتمة الحوار مع أساتذة الشك

إن كتابات أساتذة الشك ماركس ونيتشه، وبالخصوص فرويد الذي خصص له ريكور كتاباً ضخماً، يجبر ريكور على إعادة صياغة مشروعه الظاهراتي (أي العودة إلى الأشياء مباشرة). لم يعد بإمكانه الادعاء بإدراك حدسي مباشر للمعنى، بل عليه أن يسلم بأن الفهم يأتي عبر مسارات ملتوية، ووساطات، وتأويلات. هذا ما يسميه ريكور “تطعيم التأويلية على الظاهراتية”: يبقى الشرط الظاهراتي المتمثل في العودة إلى المعنى المعيش قائماً، ولكن ريكور يسلم بأن هذا المعنى لا يمكن الوصول إليه إلا بشكل غير مباشر، من خلال فك رموز العلامات التي تخفيه بقدر ما تظهره.

يمكننا اختصار نتائج هذا الحوار بين ريكور وأساتذة الشك، في أن التأويل ليس تصديقاً ساذجاً لكل ما يقال، ولا شكاً منهجياً في كل معنى ظاهر، بل هو الحفاظ على التوتر بين هذين الموقفين في صراع مثمر، أي أكثر قدرة على فهم عوالم الإنسان الروحية والنفسية والاجتماعية.

الهوامش


[1]– المراجع التي تخص وجود نيتشه كفيلسوف في كتب بول ريكور هي:

P. RICŒUR, La Symbolique du mal, Paris, Seuil, 1960, p. 326.

P. RICŒUR, De l’interprétation : Essai sur Sigmund Freud, Paris, Points-Seuil, 1995.

P. RICŒUR, Le Conflit des interprétations. Essais d’herméneutique I, Le Seuil, 1969.

P. RICŒUR, Soi-même comme un autre, Paris, Points-Seuil.

P. RICŒUR, La mémoire, l’histoire, l’oubli, Paris, Seuil, 2000.

لكن، فيما يخص موضوعنا، أي فيما يتعلق بحواره مع أساتذة الشك (ماركس ونيتشه وفرويد)، فيجب الرجوع بصورة حصرية إلى كتابه عن فرويد (1965)، وكتابه صراع التأويلات (1969)، وكتابه الذات عينها كآخر (1990)، وسنذكر هذه المراجع مع الصفحات في الترجمات العربية:

بول ريكور، في التفسير: محاولة في فرويد، ترجمة أ. وجيه أسعد (أطلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003، ص: 37 – 38 – 39 – 40).

بول ريكور، صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة د. منذر عياشي ومراجعة جورج زيناتي (دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى 2005، ص: 191 – 192.

بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (المنظمة العربية للترجمة، 2005، ص: 84 – 92، وص: 632 – 636).

[2]– الطبعة الفرنسية الأولى للكتاب صدرت عام 1965:

P. RICŒUR, De l’interprétation : Essai sur Freud, Paris, Points-Seuil,1965.

أما الطبعة العربية فقد صدرت عام 2003:

وجيه أسعد، في التفسير: محاولة في فرويد، الكتاب الأول، الفصل الثاني: نزاع التفسيرات، فقرة التفسير بوصفه مدرسة للشبهة، ترجمة أ. وجيه أسعد (أطلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003، ص: 37 – 38).

[3]– بول ريكور، صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة د. منذر عياشي ومراجعة جورج زيناتي (دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى 2005، الجزء الثالث من الكتاب تحت عنوان الهيرمينوطيقا والتحليل النفسي، ص: 137 – 256).

[4]– جاء مصطلح الجينيالوجيا في عنوان كتابه جينيالوجيا الأخلاق (1887). بالنسبة لنيتشه، فإن الجينيالوجيا أو علم الأنساب هو الممارسة الصحيحة للتاريخ. وبالتالي فإن علم أنساب الأخلاق هو التاريخ الحقيقي للأخلاق. تقوم هذه المنهجية على دراسة التاريخ من خلال طرح العديد من المشاكل الجديدة عليه، وكأننا ننظر بعيون جديدة أرض الأخلاق الشاسعة والبعيدة والغامضة – أرض الأخلاق التي كانت موجودة بالفعل وتم عيشها بصدق. هي نوع من البحوث “التاريخية” في أصول القيم. بالطبع، نيتشه يقوم باختيارات تاريخية تدعم فكرته بأن خلف الأخلاق إرادة القوة، وليس عوامل متسامية أو متعالية أو ما وراء طبيعية.

إنّ منهجية البحث التاريخي المسماة (الحفريات أو المنهج الأثري) – وهي كلمة منقولة من معجم علم الآثار – عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قريبة جدا من جينيالوجيا نيتشه، وهي الطريقة التي تستكشف الممارسات الخطابية والمعرفة في حقبة زمنية محددة، مدشنا بذلك قطيعة مع الدراسات الخطية للتاريخ.

[5]– يقول نيتشه في كتاب شذرات ما بعد الوفاة: «ليس هناك حقائق بل مجرد تأويلات» (نيتشه، شظايا ما بعد الوفاة، مصدر فرنسي، المجلد الثاني عشر، الشذرة 481)، ويطلق على هذا المنهج في المنهج المنظوري: كل إنسان يرى العالم من خلال عدسة تتكون من تجاربه، مخاوفه، ثقافته، مصالحه.

[6]– بعد عصر الحداثة والتفاؤل المنتصر مع الكوجيتو الديكارتي، بدأ عصر التشاؤم العدمي وتحطيم الكوجيتو والذي يتماشى مع انطلاق عصر ما بعد الحداثة؛ ويحاول ريكور فتح أفق ثالث عن طريق تأويل الثقة أو تأويل الإصغاء، الذي يحمل بصمات الكوجيتو المنتصر والكوجيتو المحطم، مع توجه وأمل حذر في المستقبل، وهو ما يمكن تسميته عصر ما بعد – (ما بعد الحداثة).

[7]– خصص ريكور لفرويد كتابا خاصا صدر عام 1965، والطبعة العربية:

وجيه أسعد، في التفسير: محاولة في فرويد، الفصل الثاني: ترجمة أ. وجيه أسعد عن الطبعة الفرنسية (أطلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003).

أما المصدر الفرنسي:

 P. RICŒUR, De l’interprétation : Essai sur Freud, Chapitre II. Le conflit des interprétations, Paris, Points-Seuil, 1965.


الكاتب د. فارس إيغو

د. فارس إيغو

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة