جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية (2-3)

img

التداعيات على المستوى التركي

من الضروري أن نبحث عن مصادر العلاقة المميزة بين الدين والسياسة في تركيا، في خصوصية الإسلام التركي التوفيقي والمتأثر بأديان قارة آسيا، وأيضاً في العالم البلقاني، ومن خلال الماضي العثماني، والديانة المسيحية. وعلى النحو نفسه، من غير الممكن طرح المسألة الدينية بعبارات التعارض الثنائية، أي بوضع العلمانيين من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى، إذ ثمة سلوكات هجينة مؤلفة من الموقفين على حد سواء، من دون الحديث عن خصوصية الأتراك الذين تكيّف عدد كبير منهم مع الحداثة.

‏هذه السلوكات كانت حاضرة في إدراك قادة حزب “العدالة‏ والتنمية”،‏ الذين كانوا جزءاً منها في بعض مراحلها‏،‏ وإذ تعلموا دروسها‏،‏ واستوعبوا شروط النجاح والاستمرار في الساحة السياسية‏،‏ فإنهم حرصوا على أن يقدموا صيغة تصالحية بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية،‏ نجحت في استقطاب قطاع غير قليل من النخبة‏،‏ وقطاع كبير من الجماهير‏،‏ التي أعطتهم أصواتها وثقتها في الانتخابات‏.‏ وحين اعتبروا أنفسهم حزباً محافظاً وديمقراطياً‏،‏ كان ذلك يعني مباشرة التزامهم باحترام القيم الأساسية في المجتمع التركي وفي مقدمتها الدين والعلمانية‏،‏ وحين فعلوا ذلك فإنهم استعادوا الركن المغيب في الهوية السياسية التركية‏،‏ وهو الإسلام الذي ذوبته العلمانية الكمالية في مشروعها المهيمـن.‏ وفي حدود السقف المتاح‏،‏ فإنّ استدعاءهم للإسلام تم في الإطار الاجتماعي وليس السياسي‏،‏ وبذلك فإنهم قدموا المشروع الإصلاحي على الأيديولوجي‏،‏ وهو ما يفسر تقليلهم من شأن معركة الحجاب التي افتعلها العلمانيون الغلاة‏،‏ وانشغالهم عنها بمواجهة الأزمة الاقتصادية وتعزيز الحريات وطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي‏.‏

وكان أردوغان زعيم حزب “العدالة والتنمية” قد صرح في شباط/فبراير 2000 حين كان لا يزال عضواً في حزب “الفضيلة”، بما يأتي “من الخطأ أن نساوي الحزب بالدين والدين بالسياسة. إننا لا نهدف إلى تأسيس دولة إسلامية، ولسنا حزبا ثيوقراطيا. أما في حال انخراط الناس الأتقياء في الحياة السياسية مع امتناعهم عن اعتبار المعايير الدينية مرجعاً لهم، فلا يمكننا الحديث عن إسلام سياسي”.

 وقد نجح حزب “العدالة والتنمية” في إقناع الغالبية الكبرى من الفئة الإسلامية المحافظة بوجهة نظره، وتمكّن من حشد دعم عناصرها الأكثر دينامية. وهو في مجال الاقتصاد ركز على مفاهيم “المنافسة الحرة” و”العقلانية” و “حس المسؤولية” و “شفافية السياسة الاقتصادية” التي تتبعها الدولة الحديثة. ودعا إلى مجتمع منفتح، وثيق الصلة بنشاط المؤسسات غير الحكومية التي ستحدُّ من اندفاع الدولة إلى السيطرة على كل أصعدة الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وهذا المفهوم المجتمعي، الذي يهدف إلى منع حضور الدولة الطاغي بأسلوب نيوليبرالي تقريباً، لا يؤيد فكرة الدولة الإسلامية التواقة إلى صوغ كل مجالات الحياة وفق أيديولوجيتها الخاصة، إلا أنّ المفهوم يفسح في المجال أمام نشوء مجتمع إسلامي مستعد لإعادة النظر في القيود الصارمة للنشاط الديني، وخصوصاً على مستوى التعليم وحرية التنظيم.

وعندما استقال هؤلاء المجددون المعاصرون من حزب “الفضيلة” في العام 2001 كان جوابهم عن السؤال: ما هو الجديد في حركتكم التجديدية المعاصرة؟

1- سوف لا تتمحور حركتنا الجديدة حول المشاعر والعقائد الدينية وإنما على الأسس الديموقراطية والشفافية والحوار والتعاون.

2- لن تعمل حركتنا وفق أسلوب العمل السياسي القائم على الطاعة العمياء للزعيم أو الرئيس، كما كان جارياً في عهد أربكان، وإنما وفق أسلوب العمل الجماعي أو أسلوب عمل الفريق في السياسة والإدارة والحكم.

3- إنّ حركتنا سوف لن تنشغل كثيراً في حل مشكلات البناء الفوقي وإنما في معالجة القضايا التي تشغل بال البناء التحتي، أي مجموع الشعب التركي الذي يشكو من البطالة وعدم المساواة في توزيع الثروات والنمو والعدالة الاجتماعية.

4- لسنا من دعاة المماحكات السياسية، كما أننا لسنا مغرمين بالصراعات السياسية والدونكشوتية الفارغة، وإنما بالعكس من ذلك فإنّ حركتنا الجديدة تدعو إلى المصالحة الاجتماعية والحوار والتعاون، لأنّ ثمة نقاطاً كثيرة مشتركة بيننا وبين الآخرين.

5- إنّ حركتنا سوف لن تكون خطراً أو تهديداً على النظام القائم، لأننا سوف لن نتّبع السياسات التي تشكل مثل ذلك التهديد.

6- سنلبي رغبة المواطنين في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسنقوم بتهيئة الظروف المناسبة لذلك الانضمام في إطار مصلحتنا الوطنية.

7- سوف لن تكون قضية الحجاب سببا للمماحكات والصراع في برامج حزبنا المقبلة، لأننا سنقوم بحل مثل هذه القضايا في إطار حقوق الإنسان التي ندعو إلى حمايتها، لاسيما أنّ الحجاب لا يشكل المشكلة الأساسية للمرأة التركية وإنما هي بحاجة إلى حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في الحياة السياسية والتمتع بالحريات والمساواة في جميع المجالات.

8- ستحافظ حركتنا على أسس النظام الجمهوري، ولذلك لن ندخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية، وإنما سنتبع سياسة واضحة ونشيطة للوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك في إقامة المجتمع المتحضر والمعاصر، في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا.

وهكذا، يمكن تفسير وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة لأنه تم تأسيس الحزب من منطلق نوع من المراجعة للذات للتيار الإسلامي‏،‏ حين طرح قادته أنفسهم كإصلاحيين مستنيرين مؤمنين بالديمقراطية والعلمانية‏،‏ ورفضوا إلصاق تعبير الإسلامي بالحزب‏،‏ لكنهم رفضوا أيضاً تجريد تركيا من هويتها الإسلامية ودعوا إلي احترام الدين‏،‏ الذي فشلت علمانية الأتاتوركية في اقتلاعه من نفوس الأتراك أو حتى تهميشه على مدى ما يقرب من‏ 80 ‏عاماً‏.‏

إذن هو انقلاب على مفهوم الإسلام السياسي التقليدي، صورة مغايرة للخطاب الإسلامي الخشبي، المتشنج، الذي تستهلكه المظاهر والتفاصيل والوثوقية الشمولية المحنطة.

أما من حيث المضمون فإنّ حزب “العدالة والتنمية” عرف كيف يلعب السياسة بحنكة، أي كيف يتعاطى مع مسألة العلمانية والتوازنات داخل تركيا وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، فلم يتجاهلها أو يقفز عليها. وفوق ذلك أفلح في توظيف المخزون التاريخي للبلاد وأزمة الهوية، ليس في توجّه يخيف الداخل والخارج، ولكن في الحديث عن ضرورة حل مشاكل البلاد العديدة.

وبسرعة شديدة، أخذت بنية الحزب تقوى وتكسب لها قاعدة جماهيرية واسعة، تمثلها تلك الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، خصوصاً في آلاف القرى والمدن والقصبات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها. ولقد استفاد هذا الحزب، ليس من الانقسام السياسي التي تمثله كل من النخب العلمانية والفئات الإصلاحية، بل استفاد أيضاً من حالة التجزؤ الاجتماعي بين سكان المدن الكبرى في غرب البلاد وسكان الأرياف والمدن الصغرى في شرقها.

 وهكذا، يصعب تحديد مجمل الأسباب التي أدت إلى صعود حزب “العدالة والتنمية” إلى أعلى الخارطة السياسية التركية خلال أقل من عام ونصف العام على تأسيسه. ولكنّ أحداً لا يستطيع تجاهل عاملين أساسيين وراء هذا الصعود: أولهما، أنّ الشعب التركي لم يعد على استعداد لإعطاء الطبقة السياسية التقليدية فرصة أخرى بعد ثلاثة أرباع القرن من العنف والانقسام الداخلي والتوتر والتأزم الاقتصادي المستمر. وثانيهما، أنه بالرغم من التوجه العلماني المحافظ الذي يميز برنامج الحزب فإنّ الناخب التركي يأمل أن يحقق صعود الحزب إلى الحكم إعادة التوازن إلى إشكالية الهوية والثقافة التي أقامت تلك الهوة العميقة بين الدولة والمجتمع.

وهكذا، تقدم لنا التجربة التركية، منذ وصول الحزب إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002، نموذجاً يمكن الاستفادة من بعض معالمه لوضع برامج للإصلاح والتطوير والعمل على تطبيقها في سورية أيضاً: فمن أولى معالم هذه التجربة، نجاح هذا الحزب في التوفيق بين مبادئ الدولة التركية العلمانية وبين برامجه وأهدافه التي لا تدير ظهرها لتاريخ ثقافتها الإسلامية. إذ ليس المهم أن ننادي بالعلمانية أو أن نحاربها، لكن المهم هو إيجاد الطريقة المثلى التي تحترم تاريخنا العربي – الإسلامي وتراثه ولا تتعارض في آن واحد مع ما تعارفت عليه المجتمعات الإنسانية من مبادئ وقيم تعزز سلامة الإنسان وتحترم كرامته وتحقق المساواة بين أفراده، بغض النظر عن أية اعتبارات موجودة، وتحقق له شروط حياة لائقة وكريمة وتحميه من كل استغلال وظلم وطغيان.

أما الإضافة الأخرى التي لا تقل أهمية، فهي استيعابهم لمستحقات الخيار الديموقراطي، حيث أعلنوا التزامهم الكلي بقواعد التعددية السياسية، ولم يكتفوا بالتأكيد على مسألة الحريات بل أعلنوا عزمهم على حماية حقوق الإنسان، وعدم التدخل في الحياة الخاصة لمواطنيهم، أو التعسف بتغيير نمط حياتهم عن طريق سلطة الدولة كما فعل غلاة العلمانية في تركيا.

لقد نجحت هذه الحكومة في تصفية قسم كبير من ملف حقوق الإنسان الذي كان يؤرق الحكومات التركية المتعاقبة ويقف عائقاً أمام محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت التعديلات الدستورية، التي تمت لتعزز ما سبق أن اتخذته الحكومة التركية من إجراءات على الصعيد الأوروبي، ولتزيد من رصيدها الدولي. حيث أقر البرلمان التركي، وبصفة نهائية، مجموعة تعديلات تم بمقتضاها إلغاء عقوبة الإعدام، وإلغاء محاكم أمن الدولة، وحظر مصادرة أدوات الطباعة الصحافية وآلاتها، كما تم الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرجل.

بل أنّ “مجموعة عمل حقوق الأقليات والحقوق الثقافية” قدمت جملة اقتراحات ذات تأثير كبير على البعد الديمقراطي للتجربة التركية:

1- إعادة كتابة الدستور والقوانين ذات الصلة بمشاركة فئات المجتمع وبهدف مضمون حر وأكثري وديموقراطي.

2- أن تضمن، في أساس المواطنية ذات الحق المتساوي، حقوق حماية وتطوير هويات الأشخاص أصحاب الهويات والثقافات المختلفة.

3- أن تصبح السلطة المركزية والسلطات المحلية شفافة وديموقراطية وبصورة يشارك فيها وفي مراقبتها كل المواطنين.

4- يجب التوقيع، ومن دون تردد، على المعاهدات والوثائق الأساسية الدولية التي تنص على القيم العالمية لحقوق الإنسان والحريات، ولا سيما اتفاقيات إطار المجلس الأوروبي، بحيث لا تظهر تركيا بعد اليوم بلداً ينكر الهويات الأخرى داخله.

وينتهي التقرير إلى خلاصة مفادها: إنّ النموذج الذي كان في أعوام العشرينات والثلاثينات والذي أنتج نزاعات داخلية، أصبح بعد ثمانين عاماً ضيقاً جداً على مجتمعنا الذي لا يتوقف عن التطور، ويجب استبداله بنموذج “المدنية المعاصرة”. ويجب التفريق بين مفهومي “الأمة” و”المواطنة”. وبدلاً من نموذج الدولة – الأمة ذي الثقافة الواحدة والذي تجاهل حقوق الإنسان، يجب اعتماد نموذج مجتمع جديد متعدد الثقافات تحت هوية عليا متصلة بتركيا.

ومنذ تسلّم حزب “العدالة والتنمية” بزعامة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا شهدت البلاد حملة تعديلات دستورية وقانونية واسعة بهدف تحقيق معاييــر “كوبنهاغن” الأوروبية، بعد أن اشترط الاتحاد الأوروبي ذلك للموافقة على بدء مفاوضات العضوية مع تركيا. وانطلاقاً من هذا الهدف ألغى أو عدّل البرلمان التركي أكثر من تسعين قانوناً بشكل كلي أو جزئـي. وعلى الرغم من أهمية هذه التعديلات الدستورية والإصلاحات السياسية إلا أنّ التطور الأهم والأبرز في هذا المجال يتعلق بالجيش ودوره وعلاقته بالسلطة والحكم والسياسة في بلد اشتهر فيه الجيش بالقول: إنّ دوره يتعلق بالحفاظ على الأسس العلمانية للدولة التي أسسها كمال أتاتورك عام 1923.

وفي الواقع، لا يمكن فهم هذا التحوّل الجاري في دور الجيش التركي وعلاقته بالحياة السياسية دون مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، فعلى المستوى الداخلي يمكن التوقف عند عاملين أساسيين:

1- النهج المعتدل للحزب الذي يقوم على عدم الاصطدام بالجيش والنخب العلمانية والتوافق في سياسته بين الإسلام والعلمانية بمعاييرها الأوروبية، وبفضل هذا النهج المعتدل كسب أردوغان في الداخل ثقة الجيش وفي الخارج احترام الاتحاد الأوروبي.

2- تراجع الخطر الداخلي المتمثل في (حزب العمال الكردستاني PKK) أو (حزب الله التركي)، وبسبب تراجع هذه المخاطر فإنّ الجيش بات أمام إنجاز أمني على المستوى الوطني وأنّ التهديدات الداخلية هي في أدنى مستوى لها منذ عقود.

وهكذا، يمكن القول بولادة تيار “الديموقراطيين المسلمين” في تركيا على غرار “الديموقراطيين المسيحيين” في أوروبا الغربية، مهد الطريق للانتقال من العلمانية على “النموذج الفرنسي” إلى العلمانية على “النموذج الأميركي”. فمن المرات القليلة في التاريخ الحديث، حاول حكومة دولة غالبية سكانها من المسلمين أن تبدأ محاولة جادة لإثبات أنّ كون المجتمع مسلماً لا يمنع انضمامه التام للمجتمع العالمي الحديث كعضو فاعل كامل العضوية، وليس كما يروّج ذوو الرؤوس الحامية للإبقاء على الدول والمجتمعات العربية معزولة عن بقية المجتمع العالمي. وذلك من خلال قدرتها على التعامل الجاد العاقل والمفيد مع القوى والتجمعات الحديثة، ومع المشكلات المركبة القومية والإقليمية والعالمية بحكمة، وأنها قادرة على عقد الصفقات المفيدة للجميع، وأنها وهو الأهم، قادرة على قيادة شعبها قيادة حكيمة بلا تطرف، وقادرة أيضاً على قيادة شعبها في اتجاه الانضمام الايجابي الفعال الى المجتمع الدولـي.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة