حكومة في سورية أم نهج؟

img

2 نيسان 2025 – العربي الجديد 

تلتزم الإدارة السورية الجديدة، منذ وصولها إلى الحكم، مفاجأتنا في كلّ خطوة تخطوها نحو ملء الفراغ السياسي في البلاد. جديد مفاجآتها أخيراً تشكيل حكومة تضمّ كفاءاتٍ وطنيةً شابّة، متحمّسة للعمل، والنهوض بأعباء المهمّة الصعبة الملقاة على عاتقها. ورغم أن هذه الخطوة لاقت استحساناً في الشارع السوري، ودعماً عربياً ودولياً، ضروريَّين لمباشرة عملها، إلا أن ذلك كلّه لم يستطع إخفاء حقيقة أن تشكيل الحكومة بهذه الطريقة جاء بهدف إرضاء الخارج (يشترط إشراك المرأة، والأقلّيات، وتلوين التشكيلة الحكومية بدل اقتصارها على لون واحد) أكثر منه استجابةً لاحتياجات الواقع السوري، فسورية لم تكن يوماً أحوج من الآن إلى حكومة شراكة وطنية، تتمثّل فيها قوىً وشخصياتٌ سياسيةٌ ومجتمعيةٌ ذات تأثيرٍ (ووزنٍ) في الشارع السوري، سوف تبرُز الحاجة إليها لمواجهة التحدّيات الكُبرى التي تنتظرنا في قادم الأيّام. ابتداع فكرة “حكومة تكنوقراط” كان يهدف تماماً إلى تجنّب هذه الشراكة، التي تنطوي على علاقةٍ ندّيةٍ بين قوى شاركت في الثورة وإسقاط النظام، والاستعاضة عنها بـ”حكومة كفاءات” مهمّتها تنفيذ الأوامر والتعليمات.

لا يحتاج بلد مزّقته الحرب والصراعات إلى حكومة كفاءات في هذه المرحلة، ولا يحقّق الشراكة فيها تجميلها بوزير من هنا أو وزيرة من هناك، تمثّل طائفةً من هنا، أو مكوّناً إثنياً من هناك (علماً أن الهدف المُعلَن للإدارة الجديدة رفض المحاصصة، للتغطية على مسعاها الحقيقي المتمثّل بإقصاء القوى السياسية والمجتمعية المؤثّرة، أو التي يمكن أن تصبح مؤثّرة). ما تحتاجه سورية الآن أكثر، أو ربّما مقدار حاجتها إلى إصلاح الطرق والمستشفيات، هو حفظ السلم الأهلي، ومعالجة الشروخ الاجتماعية العميقة التي لا تقتصر على العلاقة بين مكوّناتها الطائفية والإثنية المتنوّعة، بل تضرب حتى داخل المكوّن الواحد، وهذا لا يكون إلا باشراك ممثّلين فعليين من تلك المكوّنات، لهم ثقلهم ووزنهم فيها، خاصّة في ظلّ تعذّر تنظيم انتخابات عادلة (إذا قدّر لها أن تحصل يوماً).

بدأ هذا النهج (الإقصاء والتهميش) مع “مؤتمر النصر” في 29 يناير/ كانون الثاني 2025، واستمرّ في مؤتمر “الحوار الوطني”، الذي جاء بعد “مشاورات” شكلية، استغرقت أسبوعاً، أجرتها اللجنة المسؤولة، وشملت أربعة آلاف شخص في مختلف المحافظات، لا نعرف صفتهم التمثيلية لملايين السوريين (!)، ثمّ جاء الإعلان الدستوري الذي فصّلته لجنة ضيّقة في مقاس السلطة، وأخيراً الحكومة التي شُكّلت من دون أدنى مشاورات مع القوى السياسية والمجتمعية السورية (هذا لا يحصل حتى في لبنان والعراق، اللذين يفترض أننا نرفض مذهبهما في تشكيل الحكومات). ويتوقّع لهذا النهج أن يستمرّ في اختيار الهيئة التشريعية، وتعيين المحكمة الدستورية، لتتركّز السلطات كلّها (أخيراً) في يد شخص واحد.

في البداية، كان التقدير (أو التبرير إن شئتم) أن الإدارة الجديدة (ربّما يجدر أن نسمّي نحن أيضاً الأمور بمسمّياتها الحقيقية، هيئة تحرير الشام) وجدت نفسها فجأةً في مقعد السلطة من دون خطّة أو برنامج بسبب الانهيار غير المتوقّع لنظام الأسد. بعد مرور أربعة أشهر، لم تعد هذه القراءة صالحةً، فهناك نهج واضح يسعى إلى تركيز السلطة في يد شخص واحد، وفصيل سياسي واحد. ولن ينجح هذا النهج في إعادة توحيد البلاد، ولا في رفع العقوبات عنها.

تحتاج سورية توافقات وطنية واسعة، وجهوداً صادقة لإشراك قواها السياسية والمجتمعية كلّها في إعادة بناء البلد، وهذا لا يتم من خلال استمرار النظر إلى السوريين باعتبارهم أفراداً، لا يعرفون التنظيم أو الاجتماع السياسي (المفارقة أن القوة السياسية الوحيدة الممثّلة بهذه الصفة في الحكومة هيئة تحرير الشام). لم يتأخّر الوقت على القيام بذلك. يمكن أن نعود إلى مراجعة الخطوات التي اتُّخذت، بما فيها الإعلان الدستوري، والدعوة إلى مؤتمر وطني سوري جامع، مهمّته الاتفاق على شكل الدولة ونظامها السياسي، وانتخاب جمعية وطنية تقوم مقام المشرّع، وتشكيل لجنة لكتابة الدستور الدائم، وحكومة وحدة وطنية، مدعومة بكفاءات لإدارة مرحلة انتقالية يُتَّفق على مدّتها. هذا فقط ما يعطي أحمد الشرع الشرعية المؤسّسية التي ينشدها، وما يعزّز حكمه بطريقة دستورية، وبإجماع وطني، وهو ما نريده مخلصين، لأنّنا نريد له أن ينجح، لا لشيء، إلا لأن فشله سيجرّ البلاد إلى كارثة نريد دفعها بكلّ ما نملك من قوّة.


الكاتب مروان قبلان

مروان قبلان

كاتب وباحث سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة