تقدير موقف

1- يتزايد الاعتراف الدولي والعربي بالعهد الجديد في سورية، وكلما مر يوم، ابتعد خيال النظام البائد وأصبح العهد الجديد هو الواقع الذي لا بد من الاعتراف به والتعامل معه. الولايات المتحدة ليست استثناءً، لكن يبقى السؤال: وماذا عن مشروع تقسيم سورية؟
لا بد من القول إن فكرة التقسيم ليست محض خيال. إسرائيل تتمنى ذلك وتسعى من أجله، لكن تلك الفكرة تعترضها عقبات كأداء حتى الآن. أولها: تكرس وجود دولة سورية وريثة لسورية السابقة. وجود هذه الدولة وترسخها يوماً بعد يوم يضعف فكرة التقسيم. هذه واحدة. الثانية: أن التقسيم لم يعد يتمتع بحوامل داخلية. فقوى فلول النظام المهيئة لحمل راية التقسيم في الساحل قد أصيبت بضربة كبيرة، والرأي العام هناك ليس مستعداً لمغامرات ومصائب جديدة. أما “قسد” فهي رهن ضغوط أمريكية لتنفيذ الاتفاق المبرم، وحين تفكر في الهروب من الاتفاق، ستجد الجيش التركي في مواجهتها إضافة إلى الجيش السوري، بينما توشك الولايات المتحدة على سحب وجودها العسكري الذي شكّل الغطاء لـ “قسد” في سورية.
وفي الجنوب، لا تحرز الدعوات الانفصالية أي تقدم. ومع رسوخ العهد الجديد وازدياد الاعتراف الدولي به، يزداد الضغط الداخلي لإنهاء عزل السويداء عن دمشق، وهو عزل لا يمتلك مقومات الاستمرار.
كل ذلك يصب في فقدان مشروع التقسيم أي حوامل داخلية مهمة. وفي المقابل، فإن الغرب المتعب بات يعرف تماماً أن تقسيم سورية يعني توليد عوامل نزاعات دموية وطويلة الأمد، لا أحد مستعد لتحمل نتائجها. وهذا ينطبق إلى حد ما على الولايات المتحدة أيضاً، رغم تعرضها لضغوط من اللوبي الصهيوني.
في المحصلة، وعلى الأغلب، نحن نشهد الفصل النهائي في دفن مشروع تقسيم سورية، الذي كان وارداً بصورة أكثر احتمالاً قبل إسقاط النظام.
2- ماذا عن مستقبل النظام السياسي الراهن؟
رغم كل عوامل الضعف، ورغم النقائص والأخطاء الكثيرة، لا بد من الاعتراف أن النظام السياسي الراهن – والذي يشكل الرئيس الشرعي عموده، إضافة إلى هيئة تحرير الشام (حتى الآن) – يمتلك من عوامل القوة ربما أكثر مما يعكسه المشهد العام على السطح. فهناك نسبة عالية جداً من العرب السنة (ولنكن صريحين) تعتبره مسألة حياة أو موت، وليس نظاماً سياسياً عادياً قابلاً للاستبدال. هذه الحقيقة – بغض النظر عن الرأي فيها – تمنحه قاعدة شعبية فعالة، تصغر أمامها قواعد المعارضات الراهنة، والتي تستند إلى مشاعر محلية ضيقة ومنقسمة على نفسها. في حين أنه يمتلك – مع القاعدة الشعبية الواسعة – الدولة بكل مكوناتها وأذرعها وعلاقاتها الخارجية.
بالتالي، فمن الأفضل الاعتراف أننا لسنا أمام نظام سياسي بديل، ولكن أمام عهد جديد سوف يمتد فترة طويلة، رغم أنه قد يتعرض لهزات أو تعديلات داخلية. لكن أسسه ستظل قادرة على حمايته، بل ومنحه نسغ الحياة، ربما بتزايد أيضاً.