سوريا.. كنز الشرق المنتظر: بين الإمكانيات الحاضرة والمعجزة القادمة

في زمنٍ تتسابق فيه الدول على التقدم العلمي والاقتصادي، وتبحث فيه الشعوب عن فرص للنهوض والانطلاق نحو المستقبل، تبدو سوريا بلداً يختزن في باطنه أسرار القوة والنهضة. إنها ليست فقط بلداً عريقاً بتاريخه، بل أرضاً خصبةً بفرصه وكنوزه التي تنتظر لحظة الانبعاث من جديد. فبين كل حجر في تدمر، وكل سنبلة قمح في الجزيرة، وكل يد ماهرة في أسواق حلب ودمشق، يكمن وعدٌ بمستقبلٍ مختلف، أكثر إشراقاً وازدهاراً.
في عالمٍ تتسارع فيه المتغيرات وتتنافس فيه الأمم على الموارد والمكانة، تبرز سوريا كجوهرةٍ مخفيةٍ تنتظر من يكتشفها من جديد. لم تكن سوريا يوماً مجرد بقعةٍ جغرافيةٍ عابرة، بل كانت – وما زالت – موطناً للحضارات، ومهداً للتجارة، وملتقى للثقافات. واليوم، مع تعاظم التحديات، تزداد القناعة بأن ما تمتلكه سوريا من ثرواتٍ طبيعيةٍ وبشريةٍ وموقعٍ استراتيجيٍ يؤهلها لأن تصبح قصة نجاحٍ استثنائية، بل وأن تحقق معجزةً اقتصاديةً في فترةٍ قصيرة نسبياً، إذا ما أُحسن استثمار تلك الإمكانيات الكامنة ضمن رؤيةٍ حديثة.
تمتلك سوريا كنزاً من الموارد الطبيعية التي قلما تجتمع في بلدٍ واحد. فهي غنيةٌ بالنفط والغاز الطبيعي، والفوسفات، والأسفلت الطبيعي، إضافةً إلى المعادن النادرة التي أصبحت محوريةً في الاقتصاد العالمي، مثل الليثيوم والنحاس. هذه الثروات تشكل أساساً متيناً لاقتصادٍ قويٍ ومتنوع، خاصةً مع تنامي الطلب العالمي على الطاقة والمعادن في ظل التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
وفي القطاع الزراعي، تشكل الأراضي الخصبة في حوض الفرات وغوطة دمشق وسهل الغاب مورداً استراتيجياً هاماً. فإنتاج القمح والقطن والزيتون والفواكه لا يخدم فقط الأمن الغذائي المحلي، بل يفتح الباب أمام التصدير إلى الأسواق المجاورة، كما كان الحال في فتراتٍ سابقة. بل إن تطوير الصناعات الغذائية يمكن أن يحول المنتجات الزراعية إلى سلعٍ ذات قيمةٍ مضافةٍ عالية، كما فعلت تركيا وتونس في تصدير زيت الزيتون والمنتجات العضوية.
الثروة الأهم لسوريا لا تكمن فقط فيما تحت الأرض أو فوقها، بل في إنسانها. الشعب السوري يمتاز بروحٍ متجذرةٍ من التجارة والحرف والإبداع، وهي صفاتٌ تأصلت في الثقافة السورية منذ آلاف السنين. وهذا ما تجلّى بوضوح في قصص نجاح السوريين حول العالم:
- في أمريكا اللاتينية، أسس السوريون المهاجرون في القرن العشرين شركاتٍ كبرى في البرازيل وفنزويلا والأرجنتين، حيث أصبح بعضهم من أبرز رجال الأعمال والسياسيين.
- في الخليج العربي، لعب السوريون دوراً كبيراً في قطاع التعليم والصحة والمطاعم، وأسهموا في بناء مؤسساتٍ ناجحةٍ وذات طابعٍ ثقافيٍ عربيٍ مميز.
- حتى في ظروف اللجوء الصعبة، برزت نماذج ملهمةٌ لسوريين أسسوا مشاريع صغيرة في أوروبا وكندا، ونجحوا في تحويل تحديات الاندماج إلى قصص ريادةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية.
هذه النماذج تؤكد أن الإنسان السوري، حين يُعطى الفرصة، لا يعرف الفشل، بل يصنع من التحدي منصةً للنجاح.
تحتل سوريا موقعاً جغرافياً لا يُقدَّر بثمن. فهي بوابةٌ طبيعيةٌ بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتطل على البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها نقطة وصلٍ رئيسيةٍ لطرق التجارة البرية والبحرية والجوية. هذا الموقع، الذي شكل في السابق أساس طريق الحرير القديم، يمكن أن يُستثمر اليوم في إنشاء مناطق حرة، ومرافئ حديثة، ومراكز لوجستيةٍ شبيهةٍ بمركز جبل علي في دبي أو قناة السويس الجديدة في مصر.
الفرص المتاحة أمام سوريا اليوم هائلة، ومن أبرزها إعادة الإعمار، الذي لا يجب أن يكون مجرد ترميمٍ لما هدمته الحرب، بل فرصةً لبناء اقتصادٍ عصريٍ ومستدام. يمكن الاستفادة من تجارب دولٍ مثل رواندا، التي تحولت من بلدٍ مدمرٍ إلى واحدةٍ من أسرع الاقتصادات نمواً في إفريقيا من خلال الحوكمة الرشيدة والاستثمار في البنية التحتية.
كما تبرز مجالات أخرى كبرى مثل:
- الطاقة المتجددة: فمعدلات الإشعاع الشمسي العالية تجعل من سوريا بيئةً مثاليةً لمزارع الطاقة الشمسية.
- التحول الرقمي: تطوير البنية الرقمية والتعليم التقني يفتح الباب أمام اقتصاد المعرفة، كما فعلت إستونيا بعد استقلالها.
- السياحة الثقافية والدينية: من تدمر إلى الجامع الأموي، ومن معلولا إلى قلعة الحصن، تمتلك سوريا أرشيفاً حياً لحضارات العالم.
إن مجمل هذه العوامل يضع سوريا على أعتاب فرصةٍ تاريخية؛ فرصةٍ لتحويل تحدياتها إلى مكامن قوة، ومواردها إلى ثروةٍ منتجة، وإنسانها إلى محركٍ رئيسيٍ لنهضةٍ اقتصاديةٍ شاملة. إنها فرصةٌ للانتقال من خانة الأزمات إلى خانة الإنجازات، ومن دولةٍ تعاني من تداعيات الحرب إلى دولةٍ تلهم العالم بنموذجها الفريد في التنمية المتوازنة.
يبقى الأمل معقوداً على أن يلتقي الطموح بالإرادة، وأن تُحشد الطاقات كافةً لبناء سوريا الجديدة. سوريا التي لا تكتفي بما كانت عليه، بل تتطلع لما يمكن أن تصبح عليه. سوريا التي لا تنتظر المعجزة، بل تصنعها بيدها، وتثبت للعالم من جديد أن من يملك هذه الأرض وهذه الثروات وهذا الإنسان، لا يقف عند حدود الممكن، بل يتجاوزها إلى آفاق الحلم.
ولكي يتحقق هذا الحلم، فإن بناء التوافق الوطني، وتوفير بيئةٍ تشريعيةٍ عادلة، واستقطاب الكفاءات في الداخل والخارج، هي من الركائز الأساسية التي يجب أن تتصدر أولويات المرحلة المقبلة. إن مستقبل سوريا لا يُبنى فقط بالمشاريع والخطط، بل بالإيمان العميق بأن النهضة ممكنة، وبأن الشعب الذي صمد في وجه الأزمات يستحق أن يحيا في ظل الاستقرار والكرامة والازدهار.