شرعيتنا الثورية.. وشرعية السيد أحمد الشرع وفريقه (2)

img

منذ انطلاق الدولة السورية الأولى عام 1920 من القرن الماضي، والتي حددت اتفاقية “سايكس – بيكو” المعروفة ملامحها الجغرافية، وحتى الآن، لم يعرف الشعب السوري ما يُسمى نظام حكم معاصراً يُنتجه بإرادته واختياره على مدار قرنٍ ونيف من الزمان، ما عدا ومضات استثنائية طبعت هذا المسار.

كان شعبنا خلال تلك الفترة يرزح تحت نير سلطات متتالية، أقل ما يُقال فيها إنها لم تكن تمثل الشعب السوري ومصالحه، بل كانت أدوات لخدمة مصالح خارجية.

وجاءت الثورة السورية العظيمة في الخامس عشر من آذار عام 2011 لتعبّر عن ذروة غضب متراكم، واستنفاد لمراكز الصبر المخزونة لدى الشعب السوري على مدى التاريخ المذكور، ولتقطع إلى الأبد مع معادلة السلطة المغتصبة، والسيادة المنتهكة، والحرية المفقودة.

وقد أثبتت السنوات الأربع عشرة المنقضية من عمر الثورة أن المشوار في سبيل انتصارها طويلٌ طويل، وأن الغلبة لا تزال لفعل العامل الخارجي المتمثل بالنظام الدولي المتوحش، الذي انقضّ على الثورة ودفعها إلى معارك دامية يُندى لها جبين الإنسانية المتحضرة. لكن الشعب السوري العظيم، وبالرغم من فظاعة ما حل به، أصرّ على إنجاز التحرر، وإكمال مهام ثورته، وتحقيق كامل أهدافها، وبناء المناعة السيادية لمواجهة التدخل الدولي وهيمنته البربرية.

وهو ما أثبتته عملية التحرير الأخيرة في الثامن من كانون الأول لعام 2024، حيث تم اقتلاع العصابة العميلة عن كرسي الحكم، وإحلال جماعة السيد أحمد الشرع مكانها.

لقد كان إسقاط المجرم الأسد ورميه في مزبلة التاريخ إنجازاً لجزء من الحلم الذي سكن ضمير كل سوري دفع ضريبة هذه الثورة، إلا أنه لم يكن الحلم كله. إذ إن بناء الدولة المعاصرة، دولة المواطنة، وصيانة الحقوق والحريات، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان، وتحقيق الديمقراطية أو التشاركية، تمثل بقية الحلم، وترسي أساسات الدولة السورية الموحدة أرضاً وشعباً.

ومن هذا المنظور، يتبين لنا أن النضال لا يزال يفرض نفسه، ويستوجب العمل الثوري بكل أشكاله، ويتطلب الاستمرار والمثابرة وبذل كل الجهود على كافة أصعدة الفكر والممارسة؛ لتجاوز الثغرات والسلبيات التي استحكمت في جسم الثورة وهياكلها. وهو الأمر الذي استغله الآخر الدولي المتربص، الذي سمح لفريق الشرع أن يعلن هزيمة الأسد وفراره، ويدفعه إلى سدة السلطة مؤخراً.

وإذا كنا نسلم بأن فعل هزيمة المجرم سُجّل للوهلة الأولى باسم الشرع وجماعته، تحت عناوين “الشرعية الثورية” ووعود بناء الدولة السورية المعاصرة، فإن شعبنا يدرك تماماً أن الشرعية التي أسبغها الفريق الحاكم على نفسه – بمساعدة التوافق الدولي المشار إليه – ليست الشرعية الثورية المكتملة الأركان؛ لأنها لا تمثل شرعية الشعب الثائر بجميع فئاته ومكوناته، ولأنه بعد ثلاثة أشهر من ممارسات السلطة، ظل الخط البياني الذي يرصد تطابق القول الثوري المعلن مع التطبيق العملي يشهد حالة تراجع وافتراق كبيرين، ولأن الفعل الخارجي لا يزال يقوم بدوره الوصائي على مقدرات الوطن والشعب، كما كان طوال القرن الماضي، مما يشكل مخاطر جمة تهدد الثورة والدولة والشعب معاً.

وعليه، ولكي تبقى الثورة السورية كما انطلقت – ثورة عظيمة بمعايير العصر – ولكي تنجز دورها التاريخي وتحقق الأهداف التي من أجلها دفع الشعب السوري من الدماء والتهجير والتمزق المجتمعي ما لم يدفعه أي شعب في التاريخ المعاصر، فإننا نرى أن شعبنا لا يزال عاقد العزم على إكمال ثورته حتى النهاية، وتحقيق حلمه الكامل في الحرية والسيادة والاستقلال، والقطع إلى الأبد مع التدخل الخارجي، والاستيلاء على السلطة السياسية.

لتكون السلطة للشعب، وليكون الحكم حكم الشعب نفسه بنفسه.


الكاتب منجد الباشا

منجد الباشا

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة