المرحلة الانتقالية و(الهمروجة) الديمقراطية

لا يختلف اثنان أن الهدف النهائي للثورة السورية كان وما يزال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، دولة المواطنة وسيادة القانون وكرامة الإنسان. لكنه هدف نهائي لا يمكن الوصول إليه فوراً بمجرد إسقاط النظام البائد. ومن يعتقد أن الديمقراطية ينبغي أن تولد كاملة الأوصاف من رحم النظام البائد، فاعتقاده يشبه اعتقاد اليونانيين القدماء بأن الإلهة منيرفا ولدت كاملة من رأس جوبيتر كبير آلهتهم في لحظة واحدة.
هذا ليس رأيي الشخصي فحسب، بل هو أيضاً رأي المفكر والسياسي الكبير ميشيل كيلو، الذي صرح في لقاء مرئي ومسموع مع تيسير علوني عام 2013: “إنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية بمجرد سقوط النظام، وأن سورية ستحتاج لفترة انتقالية من ثلاث إلى سبع سنوات.”
وبدلاً من أن ينصرف التفكير والجهد حول مهام المرحلة الانتقالية، فإن ما نشهده هو استبدال ذلك باستحضار مثال الدولة الديمقراطية الكاملة، وجعلها غطاءً سياسياً جامعاً لشتى النزعات والتيارات التي تنتهج اليوم سياسة عرقلة العهد الجديد ووضع العصي في الدواليب. والنتيجة هي تأخير إنجاز مهام المرحلة الانتقالية.
فبدلاً من الذهاب إلى المجتمع وبناء مؤسسات المجتمع المدني على أسس حرة مستقلة – بما في ذلك النقابات المهنية واللجان الوطنية ولجان السلم الأهلي – والكفاح من أجل ضمان الحريات العامة وسيادة القانون، ومحاربة الشحن الطائفي، واستعادة اللحمة الوطنية عبر الحوار ومد الجسور بين مختلف الطوائف والمكونات الاجتماعية، فإن ما تنشغل به بعض النخب السياسية هو الإمساك بالمسطرة الديمقراطية، ومعايرة أي عمل للحكومة الحالية وفق تلك المسطرة، للوصول إلى نتيجة مفادها اعتبار العهد الجديد خارج المعايير الديمقراطية، والبحث عن بدائل بالاستناد إلى القوى الدولية ذات الأجندات والسياسات المبنية على مصالحها وليس على مصلحة الشعب السوري.
المرحلة الانتقالية هي مرحلة وسيطة بين الشرعية الثورية غير الديمقراطية والشرعية الديمقراطية التي يفترض أن تصل إليها البلاد مع انتهاء المرحلة الانتقالية، وإجراء انتخابات ديمقراطية عامة لجمعية تأسيسية تتولى وضع دستور للبلاد.
تتضمن المرحلة الانتقالية مهام كبيرة مثل:
- تحقيق العدالة الانتقالية.
- توحيد البلاد وإقرار الأمن.
- تأمين عودة اللاجئين.
- إعادة بناء المدن والقرى التي دمرها النظام البائد.
- النهوض باقتصاد البلاد من حافة الفاقة والفقر إلى الحد الأدنى من التعافي الاقتصادي.
- فتح الطريق أمام الاستثمارات.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية.
لا يمكن أن يتطابق تنفيذ المهام السابقة مع ديمقراطية سياسية كاملة كما نعرفها جميعاً، بل يحتاج الأمر إلى مركزية القرار، ومواجهة النزعات التقسيمية وفلول النظام البائد، وتطبيق معايير قانونية خاصة كما في حالة العدالة الانتقالية.
وآخر ما نحتاجه في المرحلة الانتقالية هو جعل النقاش حول الدستور الدائم أساس العملية السياسية، فالدستور الدائم شأنٌ مؤجل اليوم. ولقد ارتكبت اللجنة الدستورية خطأً فادحاً باستبدال الإعلان الدستوري المؤقت بإعلان دستوري ظهر بمظهر دستور دائم، مما أحدث الكثير من البلبلة والجدل بعيداً عن مهام المرحلة الانتقالية.
في المرحلة الانتقالية الراهنة، فإن المعيار في مراقبة السلطة السياسية ونقدها هو مدى إنجازها لمهام المرحلة الانتقالية أساساً، على ألا تمس بالحريات العامة وسيادة القانون وكرامة المواطن.
أما النخب السياسية، فيفترض أن تنشط في المجتمع لإحياء الحياة السياسية، وإعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني، ومد الجسور بين التكوينات الاجتماعية، وحماية العهد الجديد من محاولات زعزعة الأمن والاستقرار، ومن النزعات الانفصالية الانعزالية. كما يفترض أن تراقب وتنتقد كل أعمال السلطة السياسية بروح إيجابية بناءة، بهدف التصويب وليس الهدم. ففي واقعنا السوري، لا يوجد الكثير من الخيارات: إما الدولة – التي لن تكون دولة ديمقراطية كاملة فوراً، بل ستكون كذلك مع إنجاز مهام المرحلة الانتقالية – وإما الفوضى وتمزق سورية إلى أشلاء، وذلك ما لا يريده أي سوري حر.