الهوية المهتزّة وتكاثر الرايات: قراءة في أزمة الانتماء في السياق السوري

ليست الهوية مجرد شعار يُرفع أو جملة تُكتب في بطاقة تعريف، بل هي الإطار العميق الذي يمنح الإنسان شعور الانتماء والحماية والاعتراف. حين تكون الهوية الأساسية قوية وعادلة وشاملة، فإنها قادرة على احتواء التنوعات والاختلافات ضمن إطار جامع دون أن يشعر أي طرف أنه مهمّش أو منقوص. لكن، عندما تضعف هذه الهوية أو تصبح عاجزة عن تمثيل الجميع، يبدأ التمزق من الداخل، وتظهر بوادر التشظّي. وحين تمرض الهوية الجامعة، تبدأ الهويات الفرعية بالظهور، لا لأنها بالضرورة بديل أفضل، بل لأنها تصبح الملاذ الأخير للفرد أو الجماعة الباحثة عن مكان آمن تُعرّف فيه ذاتها وتُعبّر عن وجودها.
في الحالة السورية، يمكننا أن نرى هذا التمزق بوضوح بعد عام 2011. فعلى مدار عقود طويلة، تم بناء الهوية السورية الرسمية على سردية العروبة والوحدة الوطنية دون أن يُسمح للهويات الأخرى (الإثنية، الدينية، اللغوية) بأن تكون جزءاً فعلياً من هذه الهوية. الكرد مثلاً، ظلوا يُعاملون كجماعة بلا اعتراف، حُرِم كثير منهم من الجنسية، ومُنِعوا من استخدام لغتهم، بل أُجبروا على تغيير أسمائهم. هذا الإقصاء البنيوي أدى إلى تآكل الثقة بالهوية السورية كهوية جامعة، فبدأت الجماعات الكردية تتشبث بهويتها القومية الخاصة، وترفع راياتها ورموزها الثقافية كوسيلة لتأكيد الوجود.
ليس الكرد وحدهم من فعلوا ذلك. مع تراجع هيبة الدولة وسقوط مؤسساتها واحتدام العنف، دخل السوريون في فراغ رمزي كبير. فالعلم الوطني لم يعد موضع إجماع، ولا النشيد الوطني يُردد بنفس الشعور، ولا حتى اللغة العربية ظلت الوحيدة التي يُحتفى بها. فجأة، انفجرت عشرات الرايات: راية الثورة، راية التوحيد، راية الكرد، راية بني معروف، الرايات السريانية والآشورية… كل واحدة منها كانت تحمل سردية بديلة ورؤية مغايرة عن الذات والمستقبل، وتُرفع لا بدافع الانفصال بالضرورة، بل كإعلان للكينونة.
هذا الانفجار في الرايات لم يكن فقط نتيجة انهيار الدولة سياسياً، بل كان أيضاً استجابة دفاعية – نفسية واجتماعية – من مكونات شعرت بأنها غير مرئية أو مهددة أو معرضة للإلغاء. فحين يُحاصَر الإنسان بالخوف، يتشبث بما يعرفه وما ينتمي إليه. الهوية هنا تصبح درعاً، والراية تصبح رمزاً لمقاومة النسيان أو الذوبان في هوية لم تعد تُشبهه. في السويداء، مثلاً، ومع تنامي الشعور بالتجاهل من قبل كل الأطراف، أعاد الدروز إحياء رموزهم الثقافية والدينية الخاصة، وأصبحت تلك الرايات تُرفع في الاحتجاجات والمناسبات كنوع من التوكيد على استقلالية القرار وخصوصية الهوية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال دور السياسة في توجيه هذه الهويات واستخدامها. الهويات الفرعية كثيراً ما تُستخدم كأدوات تعبئة سياسية أو عسكرية. المشروع الكردي في شمال شرق سوريا، على سبيل المثال، لم يكتفِ بتأكيد الهوية الثقافية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عبر طرح رؤية سياسية للإدارة الذاتية وربط الهوية برؤية جيوسياسية واقعية. في المقابل، عمد النظام السوري إلى استخدام خطاب “حماية الأقليات” كأداة لإعادة تشكيل التحالفات الطائفية، ما زاد من تسييس الانتماءات وتحويلها إلى أدوات في صراع السلطة.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتصب الزيت على نار الهويات. فالراية التي كانت تحتاج زمناً طويلاً لتنتشر، باتت اليوم تُصمم وتُنشر وتتحول إلى رمز جامع خلال ساعات. الأغاني القومية، الأناشيد الدينية، الصور الرمزية، كلها أصبحت أدوات فورية لتكريس الانتماء إلى هوية فرعية وتضخيم الشعور بالخصوصية أو الاستثناء. لقد تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تنافس رمزي بين الرايات، وأصبح لكل فئة علمها ونشيدها وخريطتها وأحياناً أسطورتها التأسيسية الخاصة.
لكن المفارقة العميقة في هذا المشهد أن كل هذه الرايات، رغم صخبها وتعددها، ما هي إلا دليل على غياب الراية الكبرى التي كان من المفترض أن تحتضن الجميع. تعدد الرايات لا يعني بالضرورة الرغبة في الانفصال، بل في كثير من الأحيان يكون صرخة ضد التهميش وطلباً للاعتراف وبحثاً عن هوية لم تعد حاضرة. الرايات تنبت حين تُهمّش الهوية الجامعة، وتخبو حين يُعاد بناء مشروع وطني عادل يعترف بالجميع.
لكن السؤال الأهم يبقى: ما الحل؟ كيف يمكن تجاوز هذا التمزق الرمزي؟ وهل من الممكن إعادة بناء هوية سورية جامعة بعد كل ما حصل؟ الحل لا يمكن أن يكون في قمع الرايات أو إنكار الخصوصيات، بل على العكس تماماً، يجب أن يبدأ الحل من الاعتراف الصريح بالتعددية السورية، وبأن الهوية الوطنية لا تتشكل من لون واحد. ليست الهوية الوطنية لوحة موحّدة بل لوحة فسيفسائية تتكون من ألوان متعددة، وكل لون فيها يُثري المعنى العام ولا يُضعفه. الهوية الوطنية الحقيقية لا تُبنى على نفي الآخر أو إذابته، بل على احترام وجوده وتثمين مساهمته في بناء الوطن.
لا بد من مشروع وطني جديد يتأسس على الاعتراف بالتنوع كقيمة لا كتهديد. التنوع حين يُدار بعدالة وشفافية يمكن أن يكون مصدر قوة واستقرار لا هشاشة. التجارب العالمية أثبتت ذلك: من كندا إلى سويسرا، ومن جنوب أفريقيا إلى الهند، كلها دول متعددة الأعراق واللغات والأديان، لكنها استطاعت أن تخلق هوية وطنية شاملة من خلال مؤسسات عادلة وتوزيع متوازن للسلطة ومناهج تعليمية تحتفي بالتعدد لا تهمّشه. إن التعدد لا يعني التشرذم، بل التشرذم هو ما ينتج حين يُرفض التعدد ويُفرض شكل واحد للهوية.
مشروع كهذا في سوريا يتطلب إعادة تعريف المواطنة، ليس على أساس العرق أو الدين أو اللغة، بل على أساس الكرامة المتساوية والحقوق المتكافئة. من الضروري أيضاً إعادة بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية تُلغي منطق المركزية القامعة وتمنح المجتمعات المحلية قدرة على التعبير عن هويتها الثقافية ضمن إطار الدولة الواحدة. ويجب أن يرافق ذلك خطاب إعلامي وتعليمي جديد يُربّي الأجيال القادمة على فكرة أن السوري لا يُختزل في راية واحدة، بل يُعبَّر عنه بطيف من الرموز واللغة والتقاليد التي يُمكن أن تتعايش داخل علم واحد جامع لا يلغيها بل يحميها.
إن إعادة بناء الهوية الوطنية لا تبدأ بقمع الرايات الأخرى، بل بالاعتراف بها كجزء من النسيج، ومن ثم إعادة صياغة مشروع وطني جديد يتسع لها جميعاً، لا كتهديد، بل كثراء. فالهوية لا تزدهر بالإنكار، بل بالاحتواء.