اللثام الأمني في سوريا: أداة للردع أم رمزية لسلطة مطلقة؟

img

منذ عقود، شكّلت صورة “الملثم” في المشهد الأمني السوري إحدى أكثر التمثلات إثارة للرهبة والخوف. رجال بلباس رسمي أو عسكري، يغطّون وجوههم خلال تنفيذ المداهمات والاعتقالات، في مشهد يبدو كما لو أنه مستلّ من أفلام الجريمة أو المواجهات مع العصابات، لكنه بات جزءاً من الحياة اليومية للمواطن السوري.

تلثيم الأمن… ما الرسائل؟

قد يبدو اللثام في ظاهره إجراءً أمنياً، إلا أنه في العمق يؤدي وظيفة رمزية مزدوجة. من جهة، يطمس الهوية البشرية للفرد الأمني، محوّلاً إياه إلى أداة تنفيذ صامتة. ومن جهة أخرى، يبعث رسالة واضحة: “لا يهم من نحن، بل ما نمثل” المؤسسة الأمنية الغامضة، القوية، التي لا تُرى ولا تُسأل.

كما يعكس اللثام أيضاً نزعة لإنتاج الرهبة، حيث تغيب ملامح الوجه، وتتحول المواجهة بين الدولة والمواطن إلى علاقة غير متكافئة: طرف يَعرف كل شيء، وآخر لا يعرف من يواجه.

ومن الجدير بالذكر أن استخدام اللثام بشكل رمزي يعود إلى القرون الوسطى، لا سيما في الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا. فقد استخدمه المحاربون لإضفاء طابع قدسي أو مرعب على وجودهم، وللتعبير عن كونهم في مهمة “مقدسة”، متجردين من الهوية الفردية. وهو ما يعكس استمرارية رمزية اللثام كوسيلة لطمس الفرد لصالح فكرة أو سلطة مطلقة.

مبررات أمنية… أم ستار للعنف؟

يُروّج عادة لارتداء اللثام بوصفه ضرورة لحماية العناصر الأمنية من الاستهداف، خصوصاً في البيئات المتوترة أو عند التعامل مع تنظيمات خطيرة. هذا التبرير قد يكون مقبولاً – نظرياً – في سياقات محددة، كالمهام الاستخباراتية أو العمليات الخاصة.

لكن الواقع السوري يشي بعكس ذلك: الملثمون يظهرون أساساً في عمليات اعتقال مدنيين، أو فضّ مظاهرات، أو اقتحام منازل بسطاء لا يملكون سلاحاً ولا غطاءً قانونياً. هنا، يتحول اللثام من “حماية” إلى “قناع” لإخفاء الانتهاك وتكريس الإفلات من العقاب.

أثر اللثام: من الحماية إلى التخويف

رغم أن بعض الجهات الأمنية تعتبر اللثام وسيلة لحماية منتسبيها، إلا أن آثاره السلبية على العلاقة بين السلطة والمجتمع عميقة وخطيرة:

  • يُفاقم الشعور بالخوف والتهديد لدى المواطن.
  • يُسقط مبدأ الشفافية والمساءلة: كيف يمكن محاسبة من لا يُعرف وجهه ولا اسمه؟
  • يُشوّه صورة المؤسسة الأمنية، ويكرّسها كرمز للقمع بدلاً من كونها ضمانة للأمان.
  • يُعزز ثقافة الإفلات من العقاب، حيث لا يُعرف من ارتكب الانتهاك ولا كيف يُلاحق.

بين الأمن والسلطة: أيّ جهاز نريد؟

في الدول التي تحترم القانون، الزي الأمني الواضح، واسم العنصر، ورقمه الرسمي هي ضمانات للمواطن قبل أن تكون واجبات على الشرطي. أما في الأنظمة السلطوية، فيُستخدم الإخفاء والقناع لإنتاج “رعب الدولة”، وليس “أمن الدولة”.

إن المواطن السوري اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الخوف، بل إلى مؤسسات أمنية شفافة، إنسانية، ومساءَلة. يحتاج إلى أن يرى وجه من يطرق بابه، ويعرف الجهة التي تمثله، ويملك حق الدفاع عن نفسه ضمن إجراءات قانونية واضحة.

الملثمون ليسوا مجرّد عناصر أمن؛ إنهم انعكاس لنمط حكم. فإن أردنا بناء دولة قانون ومؤسسات، فلا بد أن يبدأ ذلك من فكّ اللثام لا عن الوجوه فقط، بل عن طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.


الكاتب عماد الحصري

عماد الحصري

كاتب وناشط سياسي سوري

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة