العقول المتنافسة: العقل البشري والاصطناعي التوليدي

نعيش عصراً مختلفاً، يبدو في بعض وجوهه حاملاً لخيال جامح، وبعضاً من الغرابة، وعدم القدرة على متابعة تحولاته التقنية والعلمية المتلاحقة. يطرح هذا العصر أسئلة مختلفة للشرط الإنساني الوجودي، ومسألة المعنى على الفرد، والمجتمع، والدولة، والنظام السياسي، والعلماء في العلوم الاجتماعية والطبيعية والتكنولوجيا. تنفجر أسئلة جد مختلفة، وتتناسل من بعضها، وتثير لدى بعض الفلاسفة والمفكرين إشكاليات حول إمكانية فهم، ووصف، وتحليل التطورات التقنية والعلمية المتلاحقة في عصر السرعة الفائقة. لم يعد أي متخصص في علم من العلوم الاجتماعية، والطبيعية، والتقنية قادراً بمفرده على تحليل ما يحدث، والذي يبدو وكأننا نعيش في عالم متخيل، من السرديات السينمائية الخيالية العلمية، أو حالة تبدو وكأنها افتراضية على الرغم من أنها باتت أبرز ملامح عصرنا الفعلي والافتراضي معاً، في ظل تلاحق الثورة الرقمية وتحولاتها، ومعها العقل الرقمي الذي يتشكل من خلال نظام لغوي مختلف عن الأنظمة اللغوية المتعددة والمتكاثرة في مجتمعاتنا، ونظمها الجيو-لغوية، والثقافية، وتعدد رؤى العالم من خلال أنظمتها اللغوية. باتت اللغة الرقمية عابرة ومتمددة، وتهيمن على كل اللغات عالمياً، وستغدو اللغة الرقمية هي العالم في الأجل القريب والمتوسط.
في ظل تسارع ابتكارات وتغيرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعالم الروبوتات، والإناسة الروبوتية، بات الوجود والشرط الإنساني في مأزق غير مألوف في التاريخ الإنساني ومراحله المتعاقبة. كانت الآلة والتقنيات في عصر الثورات الصناعية الأولى والثانية تطرح إشكالية علاقة الإنسان بالآلة، وتأثيرهما المتبادل، وانعكاساتها على العلاقات الاجتماعية، ومفهوم العمل، والاستغلال، وأنماط الحياة، والوعي الاجتماعي، والقيم والثقافة. كانت الأسئلة تجد بعض الإجابات الفلسفية والسوسيولوجية والقانونية، وكلها محمولة على إمكانيات السيطرة البشرية على الآلة، ونظمها، وابتكاراتها، وانعكاساتها، في ظل التنظيم القانوني، والسياسي، والاقتصادي للتكنولوجيا، وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية.
كان الابتكار التكنولوجي والعلمي أحد محركات المجتمعات والأفكار، وكانت بعض من النظرة الأداتية مسيطرة في إدراك وفهم التكنولوجيا. إلا أنه مع الثورة الصناعية الثالثة، طرحت أسئلة مختلفة حول مسألة السيطرة على التكنولوجيا، وإمكانيات استمرارية الأفكار الفلسفية، والقانونية، والاقتصادية السابقة، وبدأ طرح مسألة إمكانيات خروج بعضها عن إمكانيات السيطرة، وخاصة مع بعض الاختراقات العلمية الاستثنائية، مع الاستنساخ الحيواني، وإمكانية تحوله إلى استنساخ بشري، وهو ما شكل صدمة أدت إلى حظر أبحاثه قانونياً، وبات كما ترشح من بعض المصادر يتم سراً إجراء بحوثه في بعض دول آسيا.
الاستنساخ البشري تم تقييده قانونياً وأخلاقياً، وهي إجراءات كانت من مألوف التنظيم الإنساني للبحوث العلمية. إلا أن بعض التطورات العلمية الفائقة كانت تخطر قانونياً وسياسياً وعلمياً ودينياً، ويتم كسر هذا الحظر، ويتم الإعلان عن الاكتشاف العلمي، ويساهم في تغيير الحياة الإنسانية، ويغدو جزءاً من تطور عالمنا.
يمثل الذكاء الاصطناعي وتغيراته المتلاحقة، والروبوتات، نقلة تشكل قطيعة على كافة الصعد التقنية، والاجتماعية، والفلسفية، والثقافية، والسياسية، والقانونية، وعلى العقل الإنساني كله – باستثناءات محدودة للقلة القليلة من داخل هذا المجال التقني –، ومن ثم يشكل العقل الرقمي فجوة مع العقل الحداثي، وما بعده، وما بعد بعدهما من حيث النظام اللغوي، ومفرداته، ومجازاته، وإبداعاته، وأيضاً من حيث العمليات العقلية ومخرجاتها. الأهم أن العقل الرقمي، والذكاء الاصطناعي كليهما يتفاعل مع بعضهما بعضاً، ويساهمان في تطور بعضهما. كليهما يميل إلى الإيجاز المفرط، والبُعد عن الإسهاب، والسيولة، وينزعان إلى الانضباط في المفردات، والتعبير فائق الإيجاز. الأخطر أن العقل الذكي التوليدي يتقدم في تطوراته المتلاحقة والسريعة، وبدأ في إبداء ردود أفعاله وإجاباته على الأسئلة من مستخدميه التي تعتمد على نظام البيانات الضخمة -Big Data- وهو في مسار تنقية البيانات من المعلومات المغلوطة، والسرديات اللامنطقية والمتناقضة، والأكاذيب السوداء، وأيضاً في إبداء الرأي حول الأسئلة والسرديات التي يتعامل معها، ويبثها إلى طالبي السؤال عنها! في مرحلة مقبلة، وتبدو سريعة في الآفاق المنظورة، سيتشكل على نحو متنام العقل الذكي الاصطناعي التوليدي، ويتجاوز العقل الإنساني والرقمي معاً، ويغدو عقلاً مستقلاً، ومن ثم يأخذ مسارات مختلفة عنهما معاً، ومن ثم تظهر انعكاساته، وتفاعلاته، وتجسيداته في العقل الروبوتي وردود أفعاله تجاه العقل، والفعل البشري، والتي تظهر بوادرها في البحوث التي قامت بها بعض الشركات الرأسمالية الرقمية الكونية، وأدى إفشاء بعض مديريها البارزين لهذا الخبر/ السر، إلى فصله من الشركة.
ما دلالة هذه البدايات للتحول في العقل الروبوتي، والعقل الذكي الاصطناعي التوليدي؟
دلالات بالغة الخطورة والأهمية على عديد المستويات، يمكن طرح بعضها فيما يلي:
1- تجاوز العقل الإنساني: في عملياته وابتكاراته على مستوى التفكير، والأهم تحول هذا الابتكار الخلاق إلى مخرجات وإنجازات على المستوى التقني والعلمي. ملامح هذا التغير ستبدأ في التلاحق والتجسد في الآفاق المحلقة في مجال الذكاء التوليدي والروبوتي.
2- بشائر العقل الروبوتي والذكي التوليدي: بدأت في عديد المجالات، ومنها مفهوم العمل الإنساني المحمول على الذكاء البشري في مجالات الطب البشري، التشخيص، والعمليات الجراحية، والأداء الدقيق الذي يتجاوز أداء كبار الأطباء، وإنجاز العمليات الجراحية في فترة زمنية وجيزة ولا تقارن بالمدد الزمنية لعمل كبار الجراحين ذوي الصيت.
– في مجال السينما، يستخدم الذكاء الاصطناعي في عديد مكونات العمل السينمائي، وفي تخليق تخييلات سينمائية، وإنجازها في الأفلام، والإنتاج السينمائي.
– في مجال العمل، دخل الروبوت في عديد من تفاصيل نظام العمل والإنتاج التقني والاستهلاكي والخدمي، ومعه العقل الرقمي، والذكاء الاصطناعي التوليدي.
– في مجال الهندسة والبناء، باتت تخضع لعمل البرامج الهندسية والتخطيطية الذكية، ربما يتجاوز بعض التقاليد والنظريات والإنجازات الهندسية والمعمارية والتخطيط العمراني، وفي المواصلات والاتصالات، وتجاوز بعض العقل الهندسي البشري الخلاق، والاستثناءات محدودة جداً.. جداً، ومع ذلك توظف غالب العقول الذكاء الرقمي والتوليدي.
– في مجال البحوث العلمية، ثمة تعاظم لدور الروبوتات والذكاء التوليدي، وفي العلوم الاجتماعية، باتت مصدراً للسرقات العلمية البشرية من الباحثين الكسالى في دول عربية عديدة. ومن ناحية أخرى، هناك برامج للكشف عن هذه السرقات العلمية، في ظل تدافع محدودي المعرفة والذكاء للحصول على أوراق تفيد حصولهم على درجات علمية للوجاهة والاستعراض الاجتماعي، في عصر لم يعد يأبه بمثل هذا النمط الأفول من الوجاهة الاجتماعية! وإنما بات يكرس العقل التافه الكسول.
– في مجال الرواية والقصة والمسرحية والفنون، أثرت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق الإنتاج الأدبي، وعلى الكتابة والخيال واللغة الأدبية، وتكاثرت عمليات استعارة الأفكار، والسطو على بعض الأعمال الأدبية العالمية، وإعادة أقلمتها في واقع اجتماعي وسياسي مغاير لها! إلا أن اكتشاف هذا السطو الأدبي بات سهلاً وسريعاً مع البرامج الرقمية، وخاصة في ظل طوفان الروايات في المنطقة العربية، من كتاب محدودي الموهبة، والتجارب، والخبرات الوجودية، والخيال المحدود، والعقل الكسول، واللغة الساكنة التي لا تبين. بعضهم الآخر يلجأ إلى بعض المراحل التاريخية لقرون ماضية، ليحاول بث أفكار مستعارة من روايات أجنبية لإخفاء عملية الاستعارة، إلا أن ضعف الموهبة يبدو كاشفاً لهؤلاء!
– في مجال الفنون التشكيلية، بات الذكاء الاصطناعي التوليدي يبدع أعمالاً هامة، بعضها فاز بجائزة أولى، وعند استلام الجائزة، قال الفنان البارز الذي قدم اللوحة للمسابقة: “الذي يستحقها هو الذكاء الاصطناعي!”
في كل تفاصيل الحياة، دخل العقل الرقمي، والذكاء التوليدي، والروبوتات في تشكيلها، وسيتزايد حضورها الفاعل، ومعها أسئلتها المغايرة لمألوف العقل الحداثي وما بعده، وما بعد بعده في سرعة فائقة.
من أبرز انعكاسات العقل الرقمي والذكي الاصطناعي التوليدي في مجال التخطيط العسكري، صناعة الأسلحة المتطورة، والتجسس، والتنصت، وتحديد الأهداف العسكرية، وتوجيه الصواريخ والقنابل… إلخ، نقلات نوعية تمثل تغيراً في مسارات الحروب.
3- مع الثورات الصناعية الأولى، والثانية، والثالثة: طرح العقل الفلسفي، وعلماء النفس والاجتماع مسألة المعنى والوجود في ظل تطور التقنيات، والابتكارات العلمية، ونظرياتها وتطبيقاتها. كانت مشكلة المعنى والوجود جزءاً من العقل الديني التقليدي النقلي والتجديدي معاً في الأديان السماوية والوضعية كافة. كانت الإجابات الدينية تعتمد على النصوص المقدسة في كل ديانة ومذهب إزاء مشكلة الوجود والموت والعدم، والحياة الأخرى ما بعد الموت، ومن ثم كانت تنتج المعنى وفق مفاهيم الألوهية، والنبوة، والأخلاق والعقائد، والسرديات التاريخية حولها، ومعها الحب والخير والإخاء والمساواة والعدالة، ونبذ الشر، والعمل الصالح، وما بعد الموت من حيوات أخرى. الفكر الديني التجديدي في كل الأديان كان يحاول، ولا يزال بعضهم، يحاول الاستجابة والتفاعل مع الأسئلة الجديدة التي يطرحها العقل البشري، وتطورات التقنية التي كانت في إدراك العقل الديني محض أداة في خدمة الإنسان، دونما مراعاة لتأثيرها على العقل البشري، والديني، والحروب، والمنازعات، والمشاكل الجماعية، والفدرية. كان المجددون فرادى أو مؤسسات دينية تحاول إيجاد إجابات من خلال المقاربات التأويلية للنصوص الدينية، ومثالها البروتستانتية والكالفينية وما بعدهما، والمجمع الفاتيكاني الثاني للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ولاهوت التحرير، وفي الإسلام منذ منتصف القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، ثم مع المشايخ الكبار خليفة المنياوي الحنفي، ومحمد عبده، وتلاميذه مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد عبد الله دراز، حتى مولانا الشيخ أحمد الطيب، ووثيقة الأخوة الإنسانية، ومحاولته في تقريب المذاهب الإسلامية.
إلا أن ظهور العقل الاصطناعي التوليدي بات يطرح تحديات مختلفة على عقل المؤسسات الدينية الرسمية وغيرها من الجماعات، وأيضاً على العقل الديني النقلي والتجديدي معاً!
الفكر الفلسفي طرح تاريخياً في كل مراحل تطور الفلسفات الغربية أسئلة المعنى، وأيضاً الوجود، من كافة المنظورات من العقل الحداثي وما بعده، وما بعد بعده. لكن التحدي الجديد أن مشكلة المعنى والشرط الإنساني لن تكون هي ذاتها في عصر الإناسة الروبوتية، والعقل الاصطناعي التوليدي والرقمي، في ظل حلول الروبوتات محل غالب البشر في التفكير، والعمل، والأداء، والمحتمل العزلة لعشرات الملايين من العاطلين – 50 مليون سيخرجون من سوق العمل عام 2030، ولا يمكن إعادة تأهيلهم مجدداً وهو رقم مبدئي -، ثم المئات من الملايين مع التطورات الروبوتية فائقة السرعة! هنا يتغير سؤال المعنى، وإجاباته الفلسفية والسوسيولوجية والدينية، عندما ندلف إلى عالم ما بعد الإنسانية.
هل سياسة النكوص إلى الشعبوية والقومية تشكل تطوراً في السياسات الأمريكية، وأقنعتها الليبرالية والإنسانوية؟ بالقطع ليست تطوراً، وإنما هي تعبير عن تقلصات سياسية حادة وعميقة إلى المصالح القومية الضيقة، وتعبيراً عن أزمة معنى سياسية وربما هوياتية مع القرارات التنفيذية حول الهجرة وطرد المهاجرين وسياسة الإغلاق في ظل التطورات التقنية الهائلة والسريعة جداً، وربما بعض من عدم التكيف اليميني الشعبوي معها، ويرفع مع مفهوم الرجل الأبيض والنزعة العرقية والقومية حول الذات لواء “أمريكا أولاً” في مواجهة تطورات هائلة داخل أمريكا، وخارجها في الصين وآسيا الناهضة! أسئلة واقع متغير فائق السرعة، وقدرات تبدو كردود أفعال وقدرات جزئية على استيعابها في بعض العقل السياسي الأمريكي والغربي ما بعد الحرب الباردة، والإمبراطورية الأمريكية.
المصدر: الأهرام