تُرى ماذا كان إحساس ملاك الموت؟

img

العربي الجديد – ضفة ثالثة 24 سبتمبر 2026

في ذكرى رحيل خالد خليفة (1964-2023) الثالثة

1- كلّ شيء على ما يرام يا صديقي

ألم يكن من المفترض، أن يكون خالد هو من يجلس الآن يكتب عني، بمناسبة مرور ثلاث سنوات على رحيلي! فأنا أكبر منه بـ/خمسَ عشرةَ/ سنة! غير أنّي، والكثير من الأصدقاء، كنا نتوقع رحيله الباكر، فلقد أرسل له الموت العديد من الإنذارات. واحد منها كتب على أثره روايته “الموت عمل شاق”، وكان الأصدقاء بدورهم يحاولون أن ينبّهوه، ثم، مع انعدام حيلتهم، راحوا يحضّرون أنفسهم لرحيله:

كانون الثاني/ يناير 2023: “لا أعرف لماذا أنا قلق عليك!”. خالد: “ميزو لا تقلق كلّ شيء على ما يرام وجيد جداً”.

قبل رحيله بخمسة أشهر أجبت على سؤال صديقه رامي غدير في مقابلة نشرت في موقع (المدن) 17/4/2023:

“رياض الصالح الحسين: يحيا ويكتب قصائد في داخلي.

عادل محمود: عش تبكِ.

خالد خليفة… أخاف أن يموت قبلي.

عبد الله هوشة: ما زال ينتظرني، واقفاً يدخن سيجارته عند زاوية رصيف بيته، يرميها وهو يهمّ بركوب السيارة بجانبي. هذه المرّة تأخّرت عليه أكثر من عادتي”.

فادي يازجي بدوره كان قلقاً عليه. فيأخذ منه تعهداً: “أنا خالد خليفة أتعهد أمام الله وفادي يازجي ممثلاً عنه وعن الشعب السوري، بأنّ وزني سيصل إلى 90 كيلوغراماً في يوم 1/1/2022. وعليه أوقّع”. خالد خليفة. لم يفعل… لم يستطع!

منذر المصري وخالد خليفة

يحمل خالد جهازه الكومبيوتر ويجلس في إحدى المقاهي، لا مقهى محدّداً، اعتاد الكتابة بين الناس، بل أدمن الكتابة بين الناس، يجرّب مقهى جديداً، لماذا لا؟ يجلس، يضع نظارة القراءة، ويكتب:

“تتساقط من يديه رائحة تشبه الموت

وخلفه تسير امرأة تحمل الورود البيضاء

ولا تصدّق أنّه ميت

يلوّح المشيعون بالكفن وأوراق الغار

يسرع النعش

إنّه رجل ميت

لكنّكم لا تستطيعون الإمساك به”.

2- الأماكن هي الأصدقاء

خالد خليفة… لديه مئات الأصدقاء… ليس معارف… ليس معجبين به كروائي، أذكر شاباً عراقياً شديد التأنّق، ينتعل حذاء من جلد التمساح، التقيته في مهرجان أصوات من المتوسط في لوديف في فرنسا، عام 2006، قال لي: “في العراق الآن، اسم خالد خليفة على لسان الجميع”، بل مئات الأصدقاء الشخصيين، الحميميين، الخُلَّص. أينما ذهب، أينما عبَر، أينما حلّ، يكون همّ خالد خليفة الأوّل أن يؤلف شِلَّة، أن يجمعَ أصدقاء… يسهر معهم… ويسمع ويغني ويرقص معهم… و… يطبخ لهم.

المدن… البلدات… الأماكن بأنواعها، في سورية وخارجها، كانت عند خالد هي… الأصدقاء هناك. في دمشق بولص وسلوى وكثيرون، في حمص فلان وفلان… في طرطوس أحمد وفلان… في صافيتا سامر وفلان وفلان… وأخيراً في اللاذقية نحن… من أنظر إليكم الآن وأراكم واحداً واحداً… بينما بالنسبة لي كان العكس… كان خالد هو المكان… بحُكم أنّه كان ملجئي! الذي، كثيراً ما مضيت إليه، والذي كان يسوؤني أنّه لا يهدأ، لا يتوقف عن السفر، يبتعد ويقترب ويبتعد، ولكنه يعود… دائماً يعود.

“كلّ الأماكن سفر، سورية مآب” لطالما ردّد أمامي هذه العبارة.

18 آذار/ مارس 2023: “رِجل سوريا براس العالم”. أعرف سوريين يُحِبُّون سورية، أنا وأنتم نحب سورية، وأعرف غير سوريين ربما يُحِبُّونها أكثر. الفلسطينيين والمصريين والعراقيين واليمنيين مثلاً! ولكن لا أحد مثل خالد! لا أحد مثل خالد، هذه حقيقة.

“طالما ما زلت قادراً على البقاء سأبقى”: قالها عنّا نحن الباقين من أمثاله، لأن البقاء، مثله مثل المغادرة، كان وما زال قراراً. في مواجهة: “طالما لست قادراً على السفر… سأبقى”.

3- أنت مكاني أنت ملجئي

سنة 2021 و2022 و2023، بعد انقطاع 11 عاماً عن السفر إلى دمشق، وجدت نفسي فيها أمثل أمام محكمة الإرهاب، جلسات عديدة ومتباعدة! وبعدها خلال معرضنا المشترك مأمون صقال وسعد يكن وأنا. في غاليري “بلو هاوس”، كنت أحطّ في بيت خالد، مرة يومين ومرة خمسة أيام ومرة أسبوع. آكل شارِب نايم، بل آكل شارِب سهران. في النهار، الذي يبدأ ظهراً، يرسم. هو يرسم وأنا أنظر! يضحك، أرسم معه وأضحك معه، كان الرسم يفرحه، وخاصة إذا كان هناك من ينظر إليه وهو يرسم! بدون أي مغالاة، هو من بدأ الرسم البارحة، وأنا من يرسم منذ نصف قرن، كان هناك ما أتعلمه منه… كان يرسم بفرح، يرسم دونما قيد، بدون هذا يصحّ هذا لا يصحّ، دون قاعدة مهما كانت! حرّاً من كلّ شيء… ما عدا الإحساس!

كل يوم، كلّ يوم دون استثناء، سهرة مع أصدقاء… إن لم تكن في مطعم ما، في القصاع مع خليل درويش وآخرين، أو في مكان موبوء آخر. كذلك الكراج الذي سهرنا فيه مع خليل ويعرب وعادل… ففي بيته. كلّ يوم، كلّ يوم… سهر حتى الثالثة صباحاً… أو لا أدري حتى متى، لأنّي في كلّ مرة لا أستطيع المتابعة، فأترك السهرة وأنام، وغالباً لا ينتبه لي أحد. سواه طبعاً.

أستيقظُ متأخّراً وأخرُجُ من غرفة النوم التي خصّصها لي طوال زيارتي، لأراه ما زال نائماً على فراش إسفنجي رقيق في الصالون، استطاع إقناعي بسهولة أنّه يفضّله على السرير العريض الذي أنام عليه! الصالون هو الغرفة الأوسع المتعدّدة الفاعليات… غرفة السهر، غرفة الحوارات، غرفة التلفزيون… في بيته الذي ابتاعه بعد كتابة مسلسله التلفزيوني الثالث، أبعد وأعلى منطقة في برزة، برزة مسبق الصنع، بشرفته المطلّة على جامع “أُحُد”، الذي كنت على أذانه فجراً وظهراً وعصراً وعِشاء، أحدّد أوقات مواعيدي تلك الأيام.

مات ومعي مفتاح باب ذلك البيت… وبالتأكيد لست وحدي من أعطاه خالد نسخة من هذا المفتاح. ولكن كان لدي أيضاً مفتاح باب شاليته في اللاذقية!

4- الابتسامة الأخيرة لبطل الرواية

السبت 30 أيلول/ سبتمبر 2023. الساعة… صباحاً متأخراً… الساعة الثانية عشرة والنصف، أيقظ خالد أذان الظُهر…! شعور بضيق الصدر، كما في مرات كثيرة سابقة، لذا وضعه جانباً وبدأ يومه… عليه أولاً أن يخدم نفسه ويقدم لها فنجاناً كبيراً من القهوة! لا أدري إن كان قد أتيح له الوقت أم لا، لأنّه بعد هذا بدقائق، الساعة الواحدة ربما، انتبه إلى أنّ أحداً ما قد دخل البيت… بدون أن يقرع الباب وبدون أن يفتح له أحد! كما قلت: أصدقاء كثيرون لديهم هذا المِفتاح. إلّا أنّ الزائر هذه المرة صديق من نوع آخر. صديق لا يحتاج لموعد مسبق أو لمفتاح أو ليفتح له أحدهم الباب! صديق من الأثير، من الظل، ولكن أيضاً من نوع العدو. نعم لخالد بدوره أصدقاء من هذا النوع… وما كان خالد يخافه، ما كان يحاول دائماً أن يتجنبه… أن يأتيه هذا الزائر بالذات ويكون لوحده، بلا أصدقاء… حدث! بدون تردد، أمسك الموت بقبضته الحجرية قلب خالد الواجف، وراح يشدّ عليه، ويعصره. عرف خالد أنّ هذه المرّة هي المرّة الأخيرة. فوضع يده على قبضة الموت، لا لشيء، مجرد لمسة تودّد ليد آخر صديق يزوره في بيته، وأغمض عينه. وحاول، مستعيداً نهاية أحد أبطال رواياته، أن يبتسم… ابتسم.

مرّة أخرى… تُرى ماذا كان إحساس ملاك الموت حين شعر بتلك اللمسة ورأى تلك الابتسامة؟


الكاتب منذر مصري

منذر مصري

شاعر ورسام سوري، ولد في اللاذقية في العام 1949، وله نحو 20 كتاباً في الشعر والمقالة والمسرح والسيرة، وقد ترجمت مختارات من شعره إلى الفرنسية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة