لغز انفجارات مخازن الأسلحة السورية

img

بشير البكر – العربي الجديد 26 سبتمبر 2026

حصلت في سبتمبر/ أيلول الحالي انفجارات عديدة كبيرة في مخازن أسلحة في مناطق سورية مختلفة ومتباعدة، في أطراف محافظات دير الزور، حلب، إدلب، ودمشق. وكان ما حصل في منطقة “العيس” بريف حلب، ليلة 20 من الشهر، الأكبر، إذ استمر قرابة ساعة. واعتبر خبراء عسكريون هذا دليلاً على أن المخزن يحتوي على كميات كبيرة من الأسلحة، التي تبين من قوة الانفجارات أنها ثقيلة، ومنها صواريخ. ومع هذا، لم تصدر رواية رسمية تفسر ما حصل، ولا توضح حجم الأسلحة الموجودة ونوعها، سيما أن الانفجارات تكررت خلال فترات متقاربة، وخلفت ضحايا عديدين في صفوف الجيش، كما حدث في انفجاري عياش بريف دير الزور وسرمدا بريف إدلب.

يتداول خبراء عسكريون سوريون تفسيرات عدّة للانفجارات، ويعزوها بعضهم إلى أسباب فنية تتعلق بسوء التخزين، كظروف التهوية، وقدم الأسلحة. ولا يستبعد آخرون وجود فاعل وراءها، وتذهب ظنون إلى إيران وحزب الله وتنظيم داعش وإسرائيل، وجرى الربط بين أن منطقة “العيس” كانت خاضعة للمليشيات الإيرانية واحتمال أن يكون حزب الله قد فجر صواريخ ثقيلة خزنها هناك، ولم يتمكن من سحبها. وتحدث محللون عسكريون عن تحليق طائرات عسكرية إسرائيلية قبل الانفجار. وفي حال كانت الانفجارات من فعل فاعل فهذا يعني أن أمن سورية ما يزال هشاً في جانب على قدر كبير من الأهمية، يخص السلاح الذي تدافع فيه عن أمنها في حال تعرّضت لاعتداء من طرف ما.

إسرائيل هي المستفيد الأول من الانفجارات، سواء كانت خلفها أم لا، وقد سبق لها أن قامت بعمليات واسعة، بعد سقوط نظام الأسد، لتدمير أهم مقدرات الجيش السوري العسكرية. والسؤال هنا: ما سبب تكتم إسرائيل، إذا كانت هي من فجّرت المخازن؟ وهناك من يجيب بأنها لا تريد إحراج نفسها أمام الولايات المتحدة، التي تبدي اهتماماً خاصاً بسورية، بما في ذلك إعادة تسليحها، وقد سبق لوفد عسكري أميركي أن زار دمشق لهذا الغرض قبل أسابيع. كما لعبت واشنطن دوراً في عدم تحويل سورية إلى ساحة مواجهة إسرائيلية تركية، وتدخلت بقوة بعد الاعتداءات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في الشهر الماضي (أغسطس/ آب).

مهما يكن من أمر، الجيش السوري مستهدف، وهناك أطراف عدة لا تريد له أن يكون قوياً قادراً على مواجهة التحديات الخارجية، وتعمل سراً وعلناً على قطع الطريق على إعادة بنائه. في مقدّمتها إسرائيل، التي تريد بقاء سورية ضعيفة، بحيث يمكنها التوغل داخل الأراضي السورية في الجنوب، واحتلال أجزاء منها، والتحليق بحرية في أجوائها، وفرض الشروط الأمنية التي تناسب مصالحها، ولذلك ألغت اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وتعمل على عرقلة الجهود الرامية إلى إعادة بناء الجيش، التي تقوم بها كل من تركيا وروسيا وأميركا. وهي تطمح من ذلك كله إلى تحويل سورية إلى دولة لا تملك قرارها، ما يعني الوصول إلى وضع تصبح فيه الدولة السورية مقيدة في قراراتها العسكرية والأمنية، وحتى في السياسة الخارجية، بحيث لا تستطيع أن تقرّر حجم جيشها وتسليحه ونشر قواته أو عقد تحالفاته وعقيدته العسكرية، وحتى التحكم في أجوائها وحدودها. وهذه مسائل تقع في صميم ما تطالب به سورية في المفاوضات الأمنية الجارية مع إسرائيل، والتي تتضمن الانسحاب إلى المواقع السابقة لـ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، والعودة إلى اتفاقية 1974، وعدم فرض قيود على إعادة بناء القوات المسلحة، أو على اختيار التحالفات.


الكاتب هيئة التحرير

هيئة التحرير

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة